الابنة الكريمة نشكر لكِ حرصكِ على دينكِ، ورغبتكِ الصادقة في أن تلقَي الله تعالى على خير، ونسأل الله أن يطمئن قلبكِ، ويزيدكِ إيمانًا وعلمًا، ويرزقكِ حسن الخاتمة.
من الطبيعي أن يوقظ الاطلاع على مسائل الموت والآخرة في النفس شيئًا من الخوف والرهبة، فالإيمان بالموت والبعث والحساب والجنة والنار، وبما أخبر الله تعالى ورسوله ﷺ من أمور البرزخ والآخرة، من أصول الإيمان، ولذلك فهذه الحقائق ليست مجرد آراء، وإنما هي من أمور الغيب التي أخبرنا الله تعالى ورسوله ﷺ بها، والمؤمن يصدق بها ويؤمن بما ثبت منها.
لكن هناك فرق مهم بين الإيمان بهذه الحقائق، الإيمان المعظم لها، وهي حقائق عظيمة حقًّا، الدافع للعبد إلى الاستعداد لها، والعمل المنجي من هولها وشدتها، وبين أن يتحول التفكير فيها إلى خوف مرضي، يستولي على الإنسان، ويعطله عن حياته وعبادته.
ومن كلامكِ يبدو أن تذكّر الموت بدأ عندكِ بصورة نافعة، فكان يعينكِ على الابتعاد عن المعصية، ثم ازداد حتى أصبح يسبب لكِ خوفًا شديدًا وغثيانًا وارتعاشًا وبرودة في الأطراف، وأصبح يأتيكِ أثناء الصلاة ويعطل عبادتكِ أحيانًا، وهنا نحتاج إلى إعادة التوازن بين الخوف والرجاء.
ولذلك سنضع بين يديكِ بعض التوجيهات التي نسأل الله تعالى أن تعينكِ على تجاوز هذه المخاوف، وأن تساعدكِ على بناء نظرة متوازنة إلى الموت والآخرة، بحيث يبقى إيمانكِ بالغيب دافعًا إلى العمل والرجاء، دون أن تستولي عليكِ مخاوف الموت، أو تعطل عبادتكِ وحياتكِ، أو تحرمكِ من الطمأنينة التي ينبغي أن يجدها المؤمن في علاقته بالله تعالى:
أولاً:
لا تشغلي نفسكِ الآن بتفاصيل اللحظة التي سيأتي فيها الموت، ولا تحاولي أن تتخيلي كيف ستكون سكراته أو كيف ستخرج روحكِ أو ماذا ستشعرين في تلك اللحظات، فهذه أمور غيبية سيأتي وقتها، وقد أخبرنا النبي ﷺ أن للموت سكرات، كما أن الإنسان في حياته قد يمر بمرض أو ألم، لكن العاقل، وبكل حال: لا يعيش الألم قبل وقوعه، ولا يستنزف نفسه في التفكير في كل ما قد يصيبه من آلام محتملة، وإنما إذا وقع الألم أعانه الله عليه، وقدر لكل إنسان ما يستطيع احتماله، وكذلك الموت له أجله الذي كتبه الله، فإذا جاء وقته عاش الإنسان تلك اللحظة بما قدره الله له، فلا معنى لأن تعيشي ألمها الآن وهي لم تأتِ بعد.
والمؤمن لا ينظر إلى الموت من جهة الألم وحده، وإنما يرجو ما بعده من رحمة الله ولقائه ورضوانه، وقد جاء في وصف حال المؤمن عند الموت ما يبعث على الرجاء والطمأنينة، وأن روحه تخرج: (كما تسيل القطرة من فم السقاء)، والسقاء هو القربة، أو الزجاجة التي يحفظ فيها الماء؛ فهل هناك صعوبة، أو مشقة في أن تسيل قطرة ماء من فم الزجاجة؟! فهكذا تكون روح المؤمن إذا خرجت من جسده.
وفي مقابل ذلك: ما ورد في الحديث من شدة نزع روح الكافر. وهذا الوصف يحمل للمؤمن معنى البشارة والطمأنينة والكرامة عند لقاء الله، فلا ينبغي أن تنشغلي بتصور ألم الموت وحده، وإنما استبشري بما أعده الله لعباده المؤمنين من الرحمة والرضوان.
ومن رحمة الله بنا أنه حجب عنا تفاصيل عالم الغيب، فنحن نؤمن بالبرزخ وما أخبرنا الله ورسوله ﷺ عنه، لكننا لا نسمع أصوات أهل القبور ولا نشاهد ما يجري فيها، وقد قال النبي ﷺ: (لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع) رواه مسلم (2868).
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (34649)
وفي هذا ما يذكرنا بأن الله لم يجعلنا نعيش تفاصيل العالم الآخر بحواسنا ونحن في الدنيا، لأننا في دار العمل لا دار الجزاء، فوظيفتنا الآن أن نؤمن بالغيب ونستعد له، وأن نعيش حياتنا بما يرضي الله، دون أن نستبق المراحل التي سيأتي وقتها في حينها.
ثانياً:
ليس السؤال الأهم كيف سأموت؟ وإنما كيف أعيش الحياة التي أعطاني الله إياها؟
فالإنسان لم يُخلق عبثًا، وإنما خلق لعبادة الله، وابتُلي في هذه الدنيا، وأُعطي فرصة للعمل، ثم ينتقل إلى الدار الآخرة، ولذلك فالموت ليس نهاية القصة، وإنما هو عبور من دار إلى دار، من الدنيا، دار العمل والابتلاء، إلى البرزخ، ثم إلى الحياة الآخرة، ومن هنا فإن تذكّر الموت ينبغي أن يجعل حياتنا أكثر معنى واستقامة، لا أن يعطلها، قال تعالى وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، فالدنيا ليست غاية الإنسان النهائية، لكنها أيضًا ليست مكانًا نهرب منه خوفًا من الآخرة، وإنما هي الجسر الذي نعبر عليه إليها، ولذلك فإن استعدادكِ للآخرة لا يعني أن تتوقفي عن الحياة، بل أن تجعلي حياتكِ نفسها طريقًا إلى الله، ادرسي، وتعلمي، وابني نفسكِ، وأحسني إلى والديكِ والناس، واستمتعي بما أباح الله لكِ، واعبدي الله، وانفعي من حولكِ، واجعلي كل ذلك جزءًا من استعدادكِ للقاء الله، فالله لم يعطكِ الحياة لكي تقضيها في الخوف من نهايتها، وإنما أعطاكِ الحياة لكي تستخدميها في الوصول إليه
ولهذا يمكن أن يتغير السؤال الذي يطاردكِ، فبدل أن تسألي كيف سأموت؟ اسألي كيف أريد أن أعيش؟ وبدل أن تنشغلي بسؤال هل سأثبت في القبر؟ قولي كيف أبني إيماني وثباتي اليوم؟ وبدل أن تسألي هل سأكون من أهل عليين؟ قولي ماذا أستطيع أن أفعل اليوم مما أرجو أن يكون سببًا في رحمة الله ورفعة درجتي؟
فالموت لا ينبغي أن يلغي معنى الحياة، بل يعطيها معنى أعمق، لأن الإنسان يعلم أن أيامه محدودة، وأن كل يوم فرصة للعمل والاقتراب من الله، ولذلك فالمطلوب منكِ ألا تعيشي الموت قبل أن يأتي، وإنما أن تعيشي الحياة التي بين يديكِ بمعنى يجعلها استعدادًا حسنًا للقاء الله.
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (560941)
ثالثاً:
يمكن أن يكون تذكّر الموت دافعًا جميلًا، فإذا ذكّركِ بالمعصية فاتركيها، وإذا ذكّركِ بالتقصير فبادري إلى الطاعة، وإذا ذكّركِ بالآخرة فأحسني العمل، ثم عودي إلى حياتكِ، ولا تجعلي الخوف من الموت يأخذ منكِ الصلاة التي تريدين أن تتقربي بها إلى الله، ولا الدراسة التي تبنين بها مستقبلكِ، ولا العلاقات الطيبة، ولا الفرح المباح الذي أنعم الله به عليكِ، فالمؤمن لا يسير إلى الله بالخوف وحده، وإنما يجمع بين الخوف والرجاء، تخافين من التقصير لكنكِ ترجين رحمة الله، وتستعدين للآخرة لكنكِ لا تيأسين من رحمة الله، وتتذكرين الموت لكنكِ لا تنسين أن الله أعطاكِ حياة لتعمريها بالطاعة والخير، قال تعالى نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ.
وتأملي هذا الحديث الجليل: روى أحمد (12902)، والبخاري في "الأدب المفرد" (479) ، وعبد بن حميد في "مسنده" (1216)، والبزار في "مسنده" (7408) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا ) .
ولفظ أحمد: ( إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا )، وصححه الألباني في "الصحيحة" (9) .
إن الحديث لا يتحدث عن "موت" إنسان واحد، وأجله، ونهايته؛ إنه يتحدث عن الموت، كل الموت، والنهاية الحقة؛ موت الخلائق كلهم، ونهاية هذه الحياة الدنيا كلها؛ ثم هو يرشدنا ألا يكون هذا الموت، وتحققه عيانا: مانعا لنا من عمل نافع نقدر عليه، ولا موقعا لنا في دوامة الأسئلة العبثية: لماذا أعمل؟ وما المعنى والأثر؟
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (201589)
رابعاً:
إذا جاءكِ الخوف أثناء الصلاة، وتسللت إليك فكرة ماذا لو مت الآن، ماذا سأشعر، هل سأتحمل سكرات الموت، ماذا سيكون مصيري؟ فلا تدخلي معها في نقاش طويل، ولا تحاولي أن تحصلي على يقين يزيل الخوف تمامًا، بل قولي لنفسكِ بهدوء هذا أمر لم يأتِ وقته، ولا أملك علم الغيب، أما الآن فأنا في وقت الحياة والعمل، وأنا بين يدي الله في الصلاة، ثم عودي إلى صلاتكِ، ولا تجعلي هدفكِ أن تختفي الفكرة تمامًا حتى تستطيعي العبادة، بل تعلّمي أن تواصلي عبادتكِ مع وجود قدر من الخوف، حتى يتعلم عقلكِ تدريجيًا أن الصلاة ليست موقفًا للخطر، وإنما هي موضع سكينة وقرب من الله.
خامساً:
إذا كان الخوف من الموت مستمرًا بهذه الشدة، ويسبب لكِ الغثيان والارتعاش، ويعطل صلاتكِ أو دراستكِ وحياتكِ اليومية، فمن المناسب أن تستعيني بمختصه نفسية مسلمة، فمثل هذه الأعراض قد ترافق القلق أو الأفكار الوسواسية، والاستعانة بالعلاج لا تتعارض مع التوكل على الله، بل هي من الأخذ بالأسباب.
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (457265)
نسأل الله أن يطمئن قلبكِ، ويملأ حياتكِ إيمانًا وأملًا، وأن يجعلكِ ممن يعيشون في الدنيا مطمئنين إليه، عاملين لآخرَتهم، راجين رحمته، وأن يكتب لكِ حياةً طيبةً وخاتمةً طيبةً ولقاءً كريمًا به.
والله تعالى أعلم.