الإسلام سؤال وجواب
الثلاثاء، ١٦ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
١٦ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الثلاثاء، ١٦ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
١٦ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ

كيف تكون شهادة الله على صدق القرآن حجة على من لا يؤمن به؟

29

السؤال 659478

(سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53))
التفسير: أولم يكفهم دليلاً على أن القرآن حق، ومَن جاء به صادق، شهادة الله تعالى؟ فإنه قد شهد له بالتصديق، وهو على كل شيء شهيد، ولا شيء أكبر شهادة من شهادته سبحانه وتعالى.
هم لا يؤمنون بأن هذا القرآن من الله عز وجل فكيف يصدِّقون بشهادة الله فيه؟

ملخص الجواب

شهادة الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ولكتابه ليست مجرد إخبار لفظي، فشهادة الله حُجّة عقلية وواقعية متمثلة في المعجزات الباهرة والآيات الكونية، إضافة إلى إلزام المشركين بما يسلّمون به من صفات الربوبية، مع ما في الآية من تسلية للمؤمنين ووعيد للمعاندين.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإن جواب هذا الإشكال يتبين من استقراء كلام المفسرين وأهل العلم في بيان معنى الآية وسياقها، وذلك من أربعة أوجه:

الوجه الأول: شهادة الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم ولكتابه ليست مجرد دعوى يُطلب التصديق بها دون برهان، بل هي شهادة قائمة بما أقامه الله من البراهين، والدلائل العقلية، والمعجزات الواقعية، التي يشهدها المكذبون بأنفسهم، فهي ليست مجرد إخبار لفظي.

قال ابن تيمية رحمه الله في جامع المسائل (1/145 - 146):

«ثم قال: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ: أي أولم يكفِ بشهادته عليه أنه منزل من عند الله، من الآيات المرتبة في الآفاق وفي الأنفس...

وشهادة الله تعالى تُعْلَم بما به يُعلَم أن هذا كلامه، وأن المبلّغ صادق، مثل كونهم لا يقدرون على الإتيان بمثله، ولا بمثل عشر سورٍ منه، ولا سورة واحدة، وما امتاز به من الوصف الذي باين به كلام المخلوقين مما هو معلوم بالعقل والفطرة».

قال الشوكاني في فتح القدير (1/622):

وشهادة الله سبحانه هي: ما يصنعه من المعجزات الدالة على صحة النبوة، فإن وجود هذه المعجزات شهادة للنبيّ صلى الله عليه وسلم بصدق ما أخبر به انتهى.

وقال النيسابوري في تفسيره غرائب القرآن (3/59):

فقل: إن الله شهد لي بالنبوة؛ بأن أظهر على وفق دعواي معجزًا هو القرآن، الذي عجزتم معاشر الفصحاء والبلغاء عن معارضته انتهى.

فأول الآية الكريمة: سَنُرِيهِمۡ ءَایَـٰتِنَا فِی ٱلۡـَٔافَاقِ وَفِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ یَتَبَیَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ يدل على أن ما يظهره الله في الأنفس والآفاق من الآيات والفتوحات وصدق الأخبار الغيبية هو المشاهد المعاين الذي تقوم به الحجة وتتبين به الشهادة.

الوجه الثاني: إلزام المشركين بما يقرون به من ربوبية الله وعلمه الشامل.

والسياق القرآني في الآية الكريمة: موجّه إلى مشركي العرب ومن كان على شاكلتهم، ممن يقرّون بوجود الخالق واطلاعه؛ كما قال تعالى: وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ ِوَٱلۡأَرۡضَ لَیَقُولُنَّ ٱللَّهُ لقمان/25.

في تفسير ابن كثير (7/186):

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ... يقول تعالى: قل: يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بالقرآن: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ هذا القرآن مِنْ عِنْدِ اللَّهِ .." انتهى.

قال الزجاج رحمه الله في معاني القرآن وإعرابه (2/234):

«والشاهد هو المبيّن لدعوى المدعي، فأمر الله جلّ ثناؤه نبيه بأن يحتج عليهم بالله الواحد الذي خلق السموات والأرض... وأمر أن يُعْلِمهم أن شهادة الله بأنه واحد، وإقامة البراهين في توحيده: أكبر شهادة، وأن القرآن الذي أتى به يشهد له بأنه رسوله فقال: قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ الذي اعترفتم بأنه خالق هذه الأشياء» انتهى.

وبناءً على ذلك؛ فإذا سلّم المعاندون بأن الله رقيب على كل شيء، لزمهم أنه يمتنع في حقه سبحانه أن يدّعي عليه رجلٌ النبوة كذباً ثم يُقِرّه الله، ويؤيده بالمعجزات، وينصره على أعدائه، وهو يراه ويسمعه، فاستمرار التأييد والنصر شهادة قطعية بصدقه.

الوجه الثالث: الشهادة هنا بمعنى الإحاطة والعلم، على سبيل الوعيد.

من معاني الشهيد: المطّلع الذي لا يغيب عن علمه شيء، فتكون الآية واردة في مساق التخويف والوعيد للمكذبين.

قال البيضاوي في تفسيره (5/75):

«أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ... أو لم يكف الإنسانَ رادعاً عن المعاصي: أنه تعالى مطلع على كل شيء لا يخفى عليه خافية».

وقال جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل (8/348):

«أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أي لا يخفى عليه شيء ما، مما يفعله خلقه، وهو مجازيهم عليه. ففيه وعد ووعيد».

الوجه الرابع:

الخطاب في قوله أَوَلَمۡ یَكۡفِ بِرَبِّكَ موجّه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ تسليةً لقلبه بأن كفاية الله وشهادته وإحاطته بالخلق كافية له، ومغنية عن إيمان من عاند وجحد.

وقد ذكر ابن عاشور رحمه الله في التحرير والتنوير (25/18):

"وعد رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل التسلية والبشارة: بأن الله سيغمر المشركين بطائفة من آياته، ما يتبينون به أن القرآن من عند الله حقا، فلا يسعهم إلا الإيمان به، أي أن القرآن حق بين غير محتاج إلى اعترافهم بحقِّيَّته، وستظهر دلائلُ حقيتِه في الآفاق البعيدة عنهم، وفي قبيلتهم وأنفسهم، فتتظاهر الدلائل على أنه الحق، فلا يجدوا إلى إنكارها سبيلا، والمراد: أنهم يؤمنون به يومئذ مع جميع من يؤمن به" انتهى.

وقد جاء التعقيب مباشرة بقوله تعالى: أَلَاۤ إِنَّهُمۡ فِی مِرۡیَةࣲ مِّن لِّقَاۤءِ رَبِّهِمۡۗ أَلَاۤ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَیۡءࣲ مُّحِیطُۢ؛ لبيان أن عدم إيمانهم ليس لقصور في الدليل، وإنما لشكٍّ متأصل وعناد في نفوسهم.

والله أعلم.

المراجع

العقيدة
تفسير القرآن

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

App StoreGoogle Play