الظاهر أن الإنفاق الوارد في قول الملك: اللهم أعط منفقًا خلفًا هو إنفاق المال؛ فقد جاء مقيدًا بذلك في بعض الروايات، وترجم له البخاري بقوله: اللهم أعط منفق مال خلفًا، وصرح ابن حجر بأن سياق الحديث للحض على إنفاق المال.
وأما بذل الإنسان وقته وجهده وعلمه ونفعه للناس فهو من المعروف والصدقة والإحسان، ويرجى لصاحبه الأجر والخلف من الله تعالى بعموم أدلة الإحسان، لكن لا ننسب خصوص الوعد الوارد في هذا الحديث إليه من غير دليل.
هل حديث: اللهم أعط منفقًا خلفًا، يشمل إنفاق الوقت والجهد؟
السؤال 659310
في حديث النبي ﷺ الذي فيه (اللهم اعطِ منفقًا خلفا ويقول الآخر اللهم اعطِ ممسكًا تلفا) هل يشترط أن يكون الإنفاق بالمال فقط ؟ او ربما يكون بالوقت والجهد وماشابههما؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
روى البخاري (1442)، ومسلم (1010): عن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (ما مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُما: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا. وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا).
وظاهر الخبر يشير إلى أنّه متعلق بنفقة المال، فالمال هو الذي يمسكه البخيل رجاء بقائه ويرى إنفاقه تلفا له، وهذا لا يكون في نفقة الوقت والجهد، وبتقييد الإنفاق بالمال بوّب الإمام البخاري على هذا الحديث، حيث قال رحمه الله تعالى:
"بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعالَى: فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى. وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى. وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى. وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى. فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى [الليل: 5 - 10]. (اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مالٍ خَلَفًا)" انتهى.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"وقوله: منفق مال؛ بالإضافة. ولبعضهم: منفقا مالا خلفا، ومالا مفعول منفق، بدليل رواية الإضافة ولولاها احتمل أن يكون مفعول أعطى، والأول أولى من جهة أخرى، وهي أن سياق الحديث للحض على إنفاق المال، فناسب أن يكون مفعول منفق، وأما الخلف فإبهامه أولى ليتناول المال والثواب وغيرهما، وكم من متق مات قبل أن يقع له الخلف المالي فيكون خلفه الثواب المعد له في الآخرة، أو يدفع عنه من السوء ما يقابل ذلك" انتهى، من "فتح الباري" (3 / 304).
وقد روى الطبراني حديث أبي هريرة بهذا اللفظ الذي ذكره الإمام البخاري في تبويبه.
فروى الطبراني في "المعجم الأوسط" (8 / 380)، قال: حَدَّثَنَا مِقْدَامٌ، حَدَّثَنَا أَسَدٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَلَكٌ بِبَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، يَقُولُ: مَنْ يُقْرِضُ الْيَوْمَ يَجُزَ غَدًا، وَمَلَكٌ بِبَابٍ آخَرَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقَ مَالٍ خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكَ مَالٍ تَلَفًا).
وهذا إسناد رواته ثقات إلا شيخ الطبراني فقد ضُعّف.
قال الهيثمي رحمه الله تعالى:
"رواه الطّبراني في الأوسط بإسنادين، في أحدهما المقدام بن داود، وهو ضعيف، وقال ابن دقيق العيد: إنّه وثّق" انتهى، من "مجمع الزوائد" (10 / 238).
وورد بهذا التقييد من حديث أبي الدرداء، عند الإمام أحمد في "المسند" (36 / 52 - 53): عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ خُلَيْدٍ الْعَصَرِيِّ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ قَطُّ إِلَّا بُعِثَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ، يُسْمِعَانِ أَهْلَ الْأَرْضِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإِنَّ مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى، وَلَا آبَتْ شَمْسٌ قَطُّ إِلَّا بُعِثَ بِجَنْبَتَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يُسْمِعَانِ أَهْلَ الْأَرْضِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ: اللهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَأَعْطِ مُمْسِكًا مَالًا تَلَفًا).
وقال محققو "المسند":
"إسناده حسن من أجل خليد العصري، وهو ابن عبد الله، وباقي رجال الإسناد ثقات رجال الشيخين" انتهى.
وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
"وقال أبو نعيم: رواه عدة عن قتادة؛ منهم سليمان التيمي، وشيبان بن عبد الرحمن النحوي، وأبو عوانة، وسلام بن مسكين، وغيرهم.
قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقال الهيثمي (3 / 122) وقد أورده بهذا التمام: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح" انتهى، من "سلسلة الأحاديث الصحيحة" (1 / 804).
وهذا التقييد للنفقة في الحديث بالمال هو الذي تتابع عليه أهل العلم، ولم نقف على من حمله على غير المال.
قال النووي رحمه الله تعالى:
"قال العلماء هذا في الإنفاق في الطاعات ومكارم الأخلاق وعلى العيال والضيفان والصدقات ونحو ذلك، بحيث لا يذم ولا يسمى سرفا. والإمساك المذموم هو الإمساك عن هذا" انتهى، من "شرح صحيح مسلم" (7 / 95).
ثانيا:
إذا كان ظاهر هذا الحديث عن المال، فذلك لا يعني أنه لا فضيلة في إنفاق المسلم لبعض وقته وجهده في إعانة غيره والإحسان إليهم، فقد ورد في فضل هذا جملة من الأخبار، وعدّ من الصدقات، من ذلك:
ما رواه الإمام البخاري (6021) من حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، والإمام مسلم (1005) من حديث حُذَيْفَةَ رضي الله عنه: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ).
وروى البخاري (6022)، ومسلم (1008): عن أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، قالَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ. قالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قالَ: فَيَعْمَلُ بِيَدَيْهِ، فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ. قالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ -أَوْ: لَمْ يَفْعَلْ؟ - قالَ: فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ. قالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قالَ: فَيَأمُرُ بِالْخَيْرِ، أَوْ قالَ: بِالْمَعْرُوفِ. قالَ: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قالَ: فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ؛ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ).
وروى البخاري (2891)، ومسلم (1009): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ: (كُلُّ سُلامَى عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ، يُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ، يُحَامِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْها مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ، وَكُلُّ خَطْوَةٍ يَمْشِيها إلى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ).
والحاصل:
أن قول الملك: (اللهم أعط منفقًا خلفًا، وأعط ممسكًا تلفًا) ظاهرٌ في إنفاق المال وإمساكه؛ وهذا هو الذي يدل عليه سياق الحديث، وقد جاء التصريح بالمال في بعض طرقه، وترجم الإمام البخاري للحديث بقوله: اللهم أعط منفق مال خلفًا، وبيّن الحافظ ابن حجر أن سياق الحديث للحض على إنفاق المال. والإنفاق الممدوح هنا يشمل ما ينفقه المسلم في وجوه الطاعة والإحسان، كالنفقة على الأهل والضيف، والصدقات، وسائر وجوه البر المشروعة، أما الإمساك المذموم فهو الإمساك عما ينبغي بذله في هذه الوجوه.
وأما بذل الوقت والجهد والعلم والخبرة، وإعانة المحتاج، وقضاء مصالح الناس، فكل ذلك من أبواب المعروف والإحسان، وقد سمته النصوص صدقة، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (كل معروف صدقة)، وفي الحث على إعانة ذي الحاجة والملهوف، ومساعدة الإنسان لغيره بنفسه وجهده.
وعليه: فبذل الوقت والجهد عمل صالح مأجور عليه، ويرجى لصاحبه ثواب الله وبركته وخلفه، لكن خصوص الدعاء الوارد في هذا الحديث: (اللهم أعط منفقًا خلفًا) لا يظهر شموله لذلك، وإنما المتبادر منه إنفاق المال.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟