هل جنس الرجال أفضل عند الله من النساء؟

السؤال 656714

أنا فتاة أصلي وأتطوع كثيرا في نوافل الصوم وقيام الليل منذ فترة قررت أن أقرأ تفسير القرآن حتى أفهم القرآن، وللأسف عندما قرأت في تفسير القرآن وجدت تفسير للآيات ولد عندي شك مثل تفسير آية القوامة ( بما فضل الله بعضهم على بعض ) أي : لأن الرجال أفضل من النساء ، والرجل خير من المرأة ، وهذا الكلام أشكل علي كثيرا، لا اعتراضا على حكم الله، ولكني لم أفهم المراد به، هل معناه أن الرجل، لمجرد كونه رجلا، أفضل عند الله من المرأة؟ وان الكمال للرجال، وكيف يكون ذلك مع أن الله تعالى يقول: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، ويقول: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة)، ويذكر الرجال والنساء معا في الثواب والمغفرة؟

ملخص الجواب

إن أريد بالتفضيل: الفضل عند الله، والمنزلة، والثواب؛ فليس الرجال أفضل من النساء لمجرد كونهم رجالا، ولا النساء أفضل من الرجال لمجرد كونهن نساء، وإنما الفضل بالتقوى والعمل الصالح.

وإن أريد بالتفضيل: أن الله خص جنس الرجال في الجملة ببعض الخصائص والصفات والأحكام التي ليست للنساء، كالقوامة والإنفاق وبعض الولايات والتكاليف، فهذا حق دل عليه القرآن والسنة، لكن لا يلزم منه تفضيل الرجال على النساء في المنزلة عند الله.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

من الأصول المقررة في اعتقاد كل مسلم: الإيمان بإن الله هو الخالق المالك المتصرف في ملكه بما يشاء، يخفض ويرفع، يعطي ويمنع، يقدم من شاء ويؤخر من شاء، ويصطفي من شاء (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ) .

فهو المتفرد باختيار من يختاره ويختصه من الأشخاص، والأزمان، والأماكن، وهو يختار من خلقه ما يشاء، ومن يشاء، لما يريد من الوظائف والأعمال والمقامات؛ ولا يملك أحد أن يقترح عليه شخصاً ولا حادثاً ولا حركة ولا قولاً ولا فعلاً.. (مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) ، لا في شأن أنفسهم، ولا في شأن غيرهم، فمرد الأمر كله إلى الله في الصغير والكبير .

وشأن المؤمن أن يسلِّم لله تعالى، ويعلم أن حكمه كله عدل وحكمة ورحمة، ثم يسأل عما أشكل عليه ليفهم مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن السؤال لطلب البيان وزوال الإشكال من أبواب طلب العلم، لا من الاعتراض على حكم الله.

وقراءتك للقرآن وحرصك على فهم معانيه أمر محمود، وما يعرض للقارئ من إشكالات عند قراءة بعض عبارات أهل العلم لا ينبغي أن يحمله على الريبة، بل يسأل عنها حتى يتبين له مرادهم، ويجمع بين النصوص، ويرد المتشابه إلى المحكم.

 

ثانيا:

من المهم في هذا المقام تحرير المراد بـ التفضيل؛ فإن مادة (فضل) في لسان العرب تدل على الزيادة، قال ابن فارس: "الفاء والضاد واللام أصل صحيح يدل على زيادة في شيء"، انتهى من "مقاييس اللغة" (4/508).

فكل من زاد على غيره بأمرٍ ما، فقد فضُل عليه في ذلك الأمر.

 

والتفضيل يرد في النصوص الشرعية على معنيين:

الأول: التفضيل الأخروي، وهو التفضيل في المكانة والمنزلة والرفعة عند الله.

ومنه قوله تعالى: وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 95]

الثاني: تفضيل الاختصاص، أي: التفضيل بالخصائص والوظائف، وهو أن يخصُّ الله بعض خلقه بما ليس لغيرهم من الصفات أو العطايا أو الوظائف أو الأحكام.

ومنه قوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا [الإسراء: 70]، وقوله بعد أن ذكر منته على عباده بالزروع والثمار: وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [الرعد: 4]

قال أبو عبد الله الحَليمي: "إن كلَّ فضلٍ ثبت لواحدٍ على آخر أو لفريقٍ على فريق، لا يخلو من أن يكون رجحانًا في الأسباب التي تتعلَّق بها مصالح الحياة الدنيا، أو رجحانًا في الأسباب التي يستحق بها الثواب في النشأة الأخرى". انتهى من "المنهاج في شعب الإيمان" (2/157).

 

فالتفضيل بالمعنى الأول يعني أن المفضَّل أعلى منزلةً عند الله من غيره، وأمَّا التفضيل بالمعنى الثاني فلا يلزم منه ذلك؛ فقد يكون المفضَّل بتلك الخصيصة أرفع درجة عند الله وقد لا يكون.

والتفريق بين هذين المعنيين مهمٌّ في هذه المسألة، فمن لم يفرق بينهما وقع في الخلط واللبس، وظنَّ أن إثبات بعض الخصائص لفردٍ أو جنسٍ أو طائفةٍ يقتضي رفعة منزلتهم عند الله على غيرهم، وليس الأمر كذلك.

 

ثالثا:

أمَّا التفضيل بمعنى المنزلة عند الله، والثواب، والكرامة الأخروية، فميزانه: الإيمان والتقوى والعمل الصالح، ولا أثر فيه لمجرد الذكورة أو الأنوثة، كما لا أثر فيه للنسب أو اللون أو العرق.

قال الله تعالى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: 13].

فابتدأ سبحانه ببيان أصل الخلق من ذكر وأنثى، وذكر ما جعله بين الناس من الشعوب والقبائل، ثم بيّن أن معيار الكرامة عنده هو التقوى، لا الجنس، ولا النسب، ولا اللون، ولا الانتماء إلى شعب أو قبيلة.

ومعنى قوله: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم): أي أفضلكم وأرفعكم منزلةً عنده.

قال ابن قتيبة: "أي: أفضلكم". انتهى من "تأويل مشكل القرآن" (ص269).

وقال الأزهري: "أي: إن أرفعكم منزلة عند الله أتقاكم"، انتهى من "الزاهر" (ص191).

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "فليس أحدٌ أكرمُ من أحدٍ إلا بتقوى الله". رواه البخاري في الأدب المفرد (ص309).

 

وهذا التساوي في أصل التكليف والجزاء الأخروي تقرر في مواضع كثيرة من القرآن الكريم:

-قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97]

-وقال تعالى: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ [آل عمران: 195]

-وقال سبحانه: وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا [النساء: 124] .

-وقال سبحانه: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب: 35].

فهذه الآيات لم تجعل الذكورة سببًا للكرامة والثواب، ولا الأنوثة سببًا للنقص والحرمان، وإنما علقت الجزاء بالإيمان والعمل الصالح.

 

وجاءت السنة كذلك بنفي التفاضل عند الله بالأنساب والألوان والأشكال.

فروى الإمام أحمد في المسند (23489) بسند صحيح عن أبي نضرة قال: حدثني من سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق، فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟).

قالوا: بلَّغَ رسولُ الله.

ثُمَّ قَالَ: (لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ).

وروى مسلم (2564) عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ).

فهذه النصوص تدل على أن الفضل الذي يكون به العبد قريبًا من الله، رفيعَ المنزلة عنده، ليس مبناه على صورته، ولا نسبه، ولا لونه، ولا جنسه، وإنما مبناه على ما وقر في قلبه من إيمان وما صدقه من عمل.

قال ابن حزم: "فلسنا نشك أن المهاجرات الأُوْلَيَات من نساء الصحابة رضي الله عنهم، يشاركن الصحابة في الفضل؛ ففاضلةٌ ومفضولةٌ، وفاضلٌ ومفضولٌ، ففيهن من يَفضُل كثيرًا من الرجال، وفي الرجال من يفضلُ كثيرًا منهن، وما ذكر الله تعالى منزلة من الفضل إلا وقرن النساء مع الرجال فيها، كقوله تعالى إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ... الآية، حاشا الجهاد فإنه فُرض على الرجال". انتهى من "الفصل في الملل والأهواء والنحل" (4/ 100).

ويؤكد هذا المعنى أن الرجال والنساء خلقوا من أصلٍ واحدٍ، قال تعالى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [النساء: 1].

قال أبو منصور الماتريدي: "وفي قوله: (خلقكم من نفس واحدة) دلالة أن ليس لأحدٍ من البشر على آخر فضلٌ من جهة الخِلقة والنسبة؛ إذ كلهم إنما خلقوا من نفس واحدة، وهم إخوة، وإن كان لأحدٍ فضلٌ على آخر، فإنما يكون لأعمال يكتسبها، وأخلاق محمودة ومحاسن يختارها، وأمَّا من جهة الخِلقة فلا فضل لبعض على بعض، كقوله: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)". انتهى من "تأويلات أهل السنة" (5/115).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وأما نفس ترتيب الثواب والعقاب على القرابة، ومدح الله عز وجل للشخص المعين، وكرامته عند الله تعالى، فهذا لا يؤثر فيه النسب، وإنما يؤثر فيه الإيمان والعمل الصالح، وهو التقوى، كما قال تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)". انتهى من "منهاج السنة النبوية" (4/600).

وقال أيضا: "ولهذا ليس في كتاب الله آية واحدة يَمدح فيها أحدًا بنَسَبهِ، ولا يذم أحدًا بنسبه؛ وإنما يمدح بالإيمان والتقوى، ويذم بالكفر والفسوق والعصيان". انتهى من "مجموع الفتاوى" (35/230).

وهذا الذي قرره في النسب يقال مثله في الجنس واللون والعرق؛ فليس في كتاب الله مدحٌ لمجرد الذكورة، ولا ذمٌّ لمجرد الأنوثة، وإنما المدح بالإيمان والطاعة والتقوى، والذم بالكفر والفسوق والعصيان.

وقال رحمه الله: "ودين الإسلام إنِّما يفضل الإنسان بإيمانه وتقواه...

وقد أجمع المسلمون: على أن من كان أعظم إيمانا وتقوى، كان أفضل ممن هو دونه في الإيمان والتقوى، وإن كان الأولُ أسودَ حبشيًّا، والثاني علويا أو عباسيا". انتهى من "الفتاوى الكبرى" (3/556).

وهذا المعنى جارٍ في مسألتنا؛ فلا يقال: إن جنس الرجال أفضل عند الله من جنس النساء من حيث المنزلة والثواب والكرامة، فإن التقوى توجد في الرجال والنساء، وقد تكون المرأة أفضل عند الله من كثير من الرجال، كما قد يكون الرجل أفضل من كثير من النساء، بحسب ما يقوم بالقلب والجوارح من الإيمان والتقوى والعمل الصالح.

والقول بأن جنس الرجال أعلى منزلة عند الله، يخالف دلالة النصوص التي جعلت الفضل الأخروي بالتقوى والعمل الصالح، لا بالجنس ولا النسب ولا اللون.

 

رابعا:

وأما المعنى الثاني للتفضيل، وهو فضل الاختصاص، فالمراد به أن يخصَّ الله بعض خلقه بما ليس لغيرهم من الصفات أو العطايا أو الوظائف أو الأحكام، كالتفضيل في الرزق، أو القوة، أو الصحة، أو الجمال، أو النسب، أو اللسان، أو العقل، أو غير ذلك من العطايا والخصائص.

وهذا النوع من التفضيل ثابت بين الخلق في أبواب كثيرة، لكنه لا يدل بمجرده على أن المفضَّل بتلك الخصيصة أكرم عند الله، أو أعظم ثوابًا في الآخرة؛ فقد تكون الخصيصة نعمة وابتلاء، وقد تكون سببًا لمزيد من الواجبات والمسؤوليات.

 

ومن صور ذلك:

1- أنَّ الله فضل الأغنياء على الفقراء بالمال، قال تعالى: وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ [النحل: 71] ، أي "فَضَّل بعضكم على بعض فيما أعطاكم في الدنيا من الرزق، فمنكم غني ومنكم فقير، ومنكم مالك ومنكم مملوك" انتهى من "التفسير الميسر" (1/274).

وقال: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف: 32]

فهذا تفضيل في المال والرزق، لا يقتضي أن الغني أكرم عند الله من الفقير، ولا أن الفقير أدنى منزلة عند الله من الغني؛ بل قد يكون الفقير التقي أفضل عند الله من كثير من الأغنياء، وقد يكون المال ابتلاء لصاحبه، كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35].

وقرر البيضاوي في تفسيره (5/90) أن هذا التفاضل "لا لكمال في الموسَّع، ولا لنقص في المقتَّر"،  بل "ليستعمل بعضهم بعضاً في حوائجهم، فيحصل بينهم تآلف وتضام، ينتظم بذلك نظام العالم"، انتهى.

ومثله: تفضيل الأصحاء على المرضى بالعافية، والأقوياء على الضعفاء بالقوة، وأصحاب الجمال على غيرهم بالصورة، فهذه عطايا دنيوية أو خِلقية، لا تدل بمجردها على رفعة المنزلة عند الله.

 

2-تفضيل بعض الأمم بخصائص معينة، كما في تفضيل بني إسرائيل على غيرهم من الأمم.

قال تعالى: يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة: 47]

وهذا التفضيل ليس المراد به (التفضيل الأخروي)، وإنما المراد ما خصَّهم الله به من النعم والآيات وإرسال الرسل وإنزال الكتب.

قال أبو العالية في قوله تعالى: (وأني فضلتكم على العالمين): "بما أُعطوا من المُلك، والرسل، والكتب، على عالم من كان في ذلك الزمان". انتهى من "تفسير الطبري" (1/629).

وقال تعالى في بيان شيء من هذا التفضيل: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: 20].

فمن خصائصهم: كثرة الأنبياء فيهم، وما آتاهم الله من الآيات العظام، كفلق البحر، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك، ولذلك لا يوجد من شعوب الأرض من كان فيهم من الأنبياء ما كان في بني إسرائيل، فهم مفضَّلون في هذا على العالمين، وكما قال الشيخ محمد رشيد رضا: "لا يعرف شعب من الشعوب يزاحمهم في هذه المزية"، انتهى من "تفسير المنار" (1/253).

قال أبو السعود في قوله تعالى: (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين): "من فلق البحر، وإغراق العدو، وتظليل الغمام، وإنزال المن والسلوى، وغير ذلك مما آتاهم الله تعالى من الأمور العظام، والمراد بالعالمين: الأمم الخالية إلى زمانهم، وقيل: من عالمي زمانهم". انتهى من "إرشاد العقل السليم" (3/23).

فهذا تفضيل بخصائص ونِعم وآيات، وهو لا يستلزم أن يكونوا أفضل عند الله من غيرهم من الأمم، ولا أن أفرادهم أفضل من غيرهم في الثواب والكرامة الأخروية.

 

3- وخص الله العرب بجملة من الخصائص؛ منها أن خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كان منهم، وأن القرآن نزل بلسانهم، وأنهم كانوا أول من حمل هذا الدين وبلّغه إلى الأمم، وغير ذلك.

وفي الحديث: (إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ) رواه مسلم (2276).

لكن هذا لا يعني أن العرب أرفع منزلة عند الله من سائر الأمم من جهة الثواب والكرامة الأخروية؛ فإن هذا الباب مرده إلى الإيمان والتقوى والعمل الصالح، كما سبق.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"في سائر أصناف العجم من الحبشة والروم والترك وغيرهم: سابقون في الإيمان والدين، لا يُحصون كثرة، على ما هو معروف عند العلماء؛ إذ الفضل الحقيقي هو اتباع ما بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم من الإيمان والعلم، باطنا وظاهرا، فكل من كان فيه أمكن كان أفضل، والفضل إنما هو بالأسماء المحمودة في الكتاب والسنة، مثل الإسلام والإيمان والبر والتقوى والعلم والعمل الصالح والإحسان ونحو ذلك، لا بمجرد كون الإنسان عربيا أو عجميا أو أسود أو أبيض، ولا بكونه قرويا أو بدويا" انتهى من "اقتضاء الصراط" (ص 145) .

 

خامسا:

ومما يدخل في هذا الباب: ما أخبر الله به من تفضيل الرجال على النساء، فقال تعالى: الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ [النساء: 34].

وهذا التفضيل المذكور في الآية ليس تفضيلاً في الكرامة والمنزلة عند الله، وإنما هو تفضيل في الخصائص والقدرات التي تؤهل الرجل للقيام بمهام الرعاية والإنفاق والتدبير والتكفل بالأسرة وحمايتها.

ولهذا عللت الآيةُ القوامةَ بأمرين:

الأول: ما خص الله به الرجال في الجملة من خصائص خَلقية ومعنوية تناسب القيام على الأسرة وحمايتها وتدبير شؤونها.

والثاني: ما أوجبه الله عليهم من النفقة والمهر والقيام بمصالح الزوجة والأسرة.

قال الطبري رحمه الله في قوله تعالى (بما فضل الله بعضهم على بعض): "يعني: بما فضل الله به الرجال على أزواجهم من سوقهم إليهن مهورهن، وإنفاقهم عليهن أموالهم، وكفايتهم إياهن مؤنهن، وذلك تفضيل الله تبارك وتعالى إياهم عليهن، ولذلك صاروا قواما عليهن". انتهى من "تفسير الطبري" (6/687).

وروى عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "فضَّله عليها بنفقته وسعيه". انتهى من "تفسير الطبري" (6/690).

وقال الماتريدي رحمه الله: "وذلك التفضيل تفضيل خِلقة، وهو أن جعل الرجال من أهل المكاسب والتجارات، والقيام بأنواع الحرف، والتقلُّب في البلدان والمدائن، والنساء ليس كذلك". انتهى من "تأويلات أهل السنة" (3/157).

فالقوامة ولاية رعاية وتدبير وإنفاق، جعلها الله للرجل لما كلفه به من مؤونة الأسرة، ولما ركبه فيه في الجملة من القوة والقدرة على مباشرة ما تحتاجه الأسرة من الحماية والكسب والتدبير.

قال ابن عاشور رحمه الله: "فالتفضيل: هو المزايا الجبلية التي تقتضي حاجة المرأة إلى الرجل في الذب عنها وحراستها لبقاء ذاتها". انتهى من "التحرير والتنوير" (5/39).

وقال أيضا في معنى درجة الرجال: "وهذه الدرجة اقتضاها ما أودعه الله في صنف الرجال من زيادة القوة العقلية والبدنية... ما لم يعرض للخلقة عارض يوجب انحطاط بعض أفراد الصنف، وتفوق بعض أفراد الآخر نادرا". انتهى من "التحرير والتنوير" (2/401).

وقال السعدي: "وبما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر والجَلَد الذي ليس للنساء مثله، وكذلك خصهم بالنفقات على الزوجات، بل وكثير من النفقات يختص بها الرجال ويتميزون عن النساء". انتهى من "تيسير الكريم الرحمن" (ص177).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "والذي فضل الله به الرجال على النساء: القوة الظاهرة والباطنة، فالقوة الظاهرة قوة البدن، ولهذا تجد الرجل، بل تجد الذكر حتى من غير بني آدم أقوى من الأنثى، وأكبر عضلات وأشد.

والقوى الباطنة: التحمل والصبر والذكاء والعقل والشجاعة وما إلى ذلك.

المهم أن الله فضل الرجال على النساء بالقوى الظاهرة والقوى الباطنة". انتهى من "تفسير سورة النساء" (1/289).

 

وينبغي التنبه إلى أن هذا التفضيل إنما هو تفضيل لجنس الرجال من حيث الجملة والغالب، لا تفضيل لكل رجل على كل امرأة.

فكما يقال: الرجال أقوى من النساء بدنًا، فهذا حكم على الجنس في الجملة، ولا يلزم منه أن يكون كل رجل أقوى من كل امرأة؛ فقد توجد امرأة أقوى من كثير من الرجال.

وكذلك ما يذكر من مزايا الرجال في باب القوامة والتدبير والكسب والحماية، إنما يقال باعتبار الغالب في خلقة الجنسين، وما يناسبهما من الوظائف والتكاليف، لا باعتبار كل فرد بعينه؛ فقد توجد امرأة أعقل أو أقوى أو أحسن تدبيرًا من كثير من الرجال، كما قد يوجد رجل دون كثير من النساء في هذه المعاني.

قال الطوفي رحمه الله: "أما بالنظر إلى أشخاص الرجال والنساء، فرب امرأة لها على الرجال درجات". انتهى من "الإشارات الإلهية إلى المباحث الأصولية" (ص95).

وقال ابن حزم: "بالضرورة ندري أن في النساء من هن أفضل من كثير من الرجال وأتم دينا وعقلا ". انتهى من "الفصل في الملل" (4/ 104)

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "وهذا التفضيل باعتبار الجنس، فلا يرد علينا أنه يوجد من النساء ما هو أفضل من كثير من الرجال؛ لأننا إذا قلنا بتفضيل الجنس، صار العبرة بالعموم لا بالخصوص، كما نقول مثلًا: التابعون أفضل من تابعي التابعين، لكن هذا لا يعني أن كل واحد من التابعين، أفضل من كل واحد من تابعي التابعين، إذ يوجد في أتباع التابعين من هو أفضل من كثير من التابعين، فقوله: بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ أي: من حيث الجملة لا باعتبار كل فرد". انتهى من "تفسير سورة النساء" (1/289).

وبهذا يتبين أن تفضيل الرجال المذكور في آية القوامة هو من باب تفضيل الخصائص والوظائف والمسؤوليات، لا من باب تفضيل المنزلة والثواب عند الله، فقد تكون المرأة أتقى لله وأرفع درجة عنده من كثير من الرجال، مع بقاء ما جعله الله لجنس الرجال في الجملة من القوامة وما يناسبها من الخصائص والأحكام.

وبهذا تجتمع النصوص: فالفضل عند الله بالتقوى والعمل الصالح، وأما القوامة ونحوها فهي من باب الخصائص والوظائف والأحكام، وما رتبه الله عليها من التكاليف والمسؤوليات.

قال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره "المنار" (4/ 250): "الذكر والأنثى متساويان عند الله تعالى في الجزاء متى تساويا في العمل، حتى لا يغتر الرجل بقوته، ورياسته على المرأة، فيظن أنه أقرب إلى الله منها، ولا تسيء المرأة الظن بنفسها فتتوهم أن جعل الرجل رئيسا عليها، يقتضي أن يكون أرفع منزلة عند الله تعالى منها.

وقد بين الله تعالى علة هذه المساواة بقوله: (بعضكم من بعض) فالرجل مولود من المرأة، والمرأة مولودة من الرجل، فلا فرق في البشرية، ولا تفاضل بينهما إلا بالأعمال، أي وما تترتب عليه الأعمال، ويترتب هو عليها من العلوم والأخلاق".

 

سادسا:

وكما خصَّ الله الرجال ببعض الخصائص والأحكام، فقد خص النساء بأمور وخصائص لا يشاركهن فيها الرجال، كالحمل، والولادة، والرضاع، والأمومة، وما رتب الله على ذلك من الحقوق العظيمة.

ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: من أحقُّ الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك. رواه البخاري (5971)، ومسلم (2548).

فهذا فضل عظيم جعله الله للأم بسبب ما تتحمله من مشقة الحمل والوضع والرضاع والتربية.

ومن الخطأ أن تُتَّخذَ النصوص الواردة في تفضيل الرجال في بعض الأبواب، ذريعةً إلى انتقاص النساء أو التقليل من شأنهن، كما أن من الخطأ في المقابل إنكارُ الفروق التي أثبتها الشرع والفطرة بين الرجال والنساء.

فالشرع جاء بالعدل، والعدل لا يقتضي التماثل المطلق، بل يقتضي أن يعطى كل واحد ما يناسب خلقته وما كلفه الله به، والحياة إنما تقوم على التكامل لا التنازع بين الجنسين.

فميز الله الرجال بخصائص من القوة والجلد والقدرة على الكسب والحماية ما يناسب ما كلفوا به من القوامة والإنفاق، وميز النساء بالحنان والرأفة والرحمة والقيام بشؤون الولد والبيت ما يناسب ما خصهن الله به من الحمل والولادة والرضاع والأمومة.

وقد نهى الله سبحانه عن تمني ما خص به بعض عباده دون بعض، لما في ذلك من فتح باب الحسد والاعتراض على قسمة الله، وأرشد عباده إلى سؤال فضله، فقال وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [النساء: 32]

والآية تدل على أن التفاضل في بعض الخصائص والأحكام لا ينبغي أن يكون بابًا للحسد أو التنازع، بل يحمل العبد على الرضا بحكمة الله، وسؤاله من فضله، "فإن ذلك قسمةٌ من الله تعالى، صادرةٌ عن تدبير لائقٍ بأحوال العبادِ مترتبٍ على الإحاطة بجلائل شئونهم ودقائقِها، فعلى كلّ أحدٍ من المفضّل عليهم أن يرضى بما قسم الله له، ولا يتمنى حظَّ المفضَّلِ ولا يحسُده عليه". انتهى من "تفسير أبي السعود" (2/ 171)

قال البغوي:

"وقال قتادة والسدي لما نزل قوله: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ قال الرجال: إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا في الآخرة فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء، كما فضلنا عليهن في الميراث، فقال الله تعالى: لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا من الأجر وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ

معناه: أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء، وذلك أن الحسنة تكون بعشر أمثالها يستوي فيها الرجال والنساء، وإن فُضِّل الرجال في الدنيا على النساء". انتهى من "معالم التنزيل" (2/205)

فالعلاقة بين الرجل والمرأة في الشرع علاقة تكامل ورحمة وسكن، لا علاقة تنازع واستعلاء؛ وليس المقصود من تفضيل الرجال في باب القوامة انتقاص المرأة، ولا نفي ما خصها الله به من الفضائل والخصائص، وإنما هو تفضيل اختصاص ووظيفة ومسؤولية، جعل الله به لكل من الجنسين ما يناسب خلقته وما كلفه به.

فالرجال خُصوا في الجملة بما يناسب القوامة والإنفاق والحماية، والنساء خُصصن بما يناسب الحمل والولادة والرضاع والأمومة وتربية النشء، ولا تكون هذه الخصائص سببًا لرفعة صاحبها عند الله إلا إذا استعملها في طاعة الله، فإن ميزان الفضل الأخروي هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح.

ومصداق ذلك قول النبي ﷺ: (إنَّما النِّساءُ شَقائقُ الرِّجالِ)، رواه أبو داود (236) وحسنه الحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث المختصر" (2/ 26).

 

سابعا:

ومما يتعلق بتفضيل الخصائص والوظائف قوله تعالى وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى

وذلك أن امرأة عمران لمَّا حملت نذرت ما في بطنها محرَّرًا لخدمة بيت المقدس، وكانت ترجو أن يكون ذكرًا؛ لأن الذكر أقدر في العادة على القيام بما نذرته له من خدمة المسجد وملازمته، ولأن الأنثى يعرض لها من الحيض وغيره ما لا يعرض للذكر، فلما وضعتها أنثى، فاتها ما كانت ترجوه في أن يكون المولود ذكرا، فتحرره لخدمة بيت المقدس.

إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ [آل عمران: 35-36]

فهذا من الفروق التي ترجع إلى الخصائص والوظائف، ومع ذلك اصطفى الله مريم عليها السلام، وتقبّلها بقبول حسن، وأنبتها نباتًا حسنًا، وجعلها من خيرة نساء العالمين.

قال قتادة: " كانت المرأة لا تستطيع أن يصنع بها ذلك، يعني أن تُحرر للكنيسة فتُجعل فيها تقوم عليها وتكنسها فلا تبرحها، مما يصيبها من الحيض والأذى، فعند ذلك قالت: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ". انتهى من "جامع البيان" (5/ 337)

قال الطبري: " وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى لأن الذكر أقوى على الخدمة وأقوم بها، وأن الأنثى لا تصلح في بعض الأحوال لدخول القدس والقيام بخدمة الكنيسة لما يعتريها من الحيض والنفاس". انتهى من "جامع البيان" (5/ 337)

وقال الواحدي: " وقوله تعالى: وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى أي: في خِدْمَة الكنيسة والعِبِّادِ الذين فيها؛ لما يلحقها من الحَيْضِ والنفاس، والصيانة عن التَّبَرُّجِ للناس". انتهى من "التفسير البسيط" (5/196)

وذكر القاسمي من وجوه تفضيل الذكر على الأنثى في هذا المقام، منها: أن الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى، وأن الذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى. ينظر: "محاسن التأويل" (2/311)

 

ثامنا:

ولا يشكل على ما سبق ما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ، كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ). رواه البخاري (3411)، ومسلم (2431).

والمراد بالكمال هنا: بلوغ الغاية الممكنة في الفضائل وخصال البر والتقوى.

فإن هذا الحديث يدل على أن الذين بلغوا الغاية في الكمال من الرجال كثير، وأن من بلغ هذه المرتبة من النساء قليل بالنسبة إليهم.

ولا إشكال في ذلك، فإن الرجال كان منهم الأنبياء والرسل، وفيهم من تحمل أعباء الدعوة والجهاد والولايات والصبر على ما لم يكلف به النساء في الجملة.

لكن الحديث لا يدل على أن مجرد الذكورة هي سبب للكرامة عند الله؛ فإن الحديث نفسه أثبت الكمال لبعض النساء، ومعلوم أن مريم وآسية وعائشة وخديجة وفاطمة رضي الله عنهن أفضل من كثير من الرجال.

فكمال مريم وآسية رضي الله عنهما لم يكن لمجرد كونهما امرأتين، وإنما سببه الإيمان، والصدق، والصبر، والعبادة، وحسن البلاء، وكذلك فضل من كمل من الرجال ليس لمجرد كونهم رجالا، وإنما لما قام بهم من الإيمان والعمل الصالح، وما اصطفاهم الله له من مقامات النبوة والرسالة والولاية والجهاد والدعوة.

فالحديث يدل على كثرة الكاملين من الرجال وقلة الكاملات من النساء، ولا يخرج عن القاعدة المحكمة في أن أكرم الناس عند الله أتقاهم.

والفرق بين الأمرين ظاهر؛ فبيان معيار الفضل شيء، والإخبار عن كثرة من تحقق فيهم ذلك المعيار من فئة معينة شيء آخر.

فلو قيل: إن النجاح في الامتحان الجامعي إنما يكون بصحة الجواب والاجتهاد في الدراسة، ثم قيل بعد ظهور النتيجة: إن أكثر الناجحين كانوا من فئة معينة، لم يكن في ذلك تناقض؛ لأن الانتماء إلى تلك الفئة لم يكن هو معيار النجاح، وإنما هم أكثر من تحقق فيهم سبب النجاح، وكذلك هذا الحديث إنما هو خبر عن كثرة من بلغ الكمال من الرجال، لا عن كون الذكورة بمجردها سببًا للكمال.

كما أن الحديث لا يقتضي حصر الكمال في النساء المذكورات مطلقًا، ولا نفي وجود نساء كاملات في هذه الأمة؛ فقد ذكر أهل العلم أن الحديث لم يتعرض لجميع نساء هذه الأمة، وأنه لا يمنع أن يبلغ الكمالَ من نساء هذه الأمة من شاء الله لها ذلك.

وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال (239411).

 

وكذلك ما جاء في السنة من وصف النساء بأنهن (ناقصات عقل ودين): لا يراد به أن المرأة ناقصة الكرامة عند الله، ولا أن كل رجل أعقل من كل امرأة أو أكمل دينا منها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن المراد بذلك، ولم يتركه مطلقا.

فأما نقصان العقل، ففسره بما يتعلق بباب الشهادة، حيث جعلت شهادة المرأتين في بعض المواضع مقام شهادة الرجل، وهذا راجع إلى معنى مخصوص في الضبط والتذكر في هذا الباب، لا إلى نفي الفهم والذكاء والرأي عن النساء مطلقا.

وأما نقصان الدين، فقد بيّنه بأنه ترك الصلاة والصوم في أيام الحيض، وهذا نقصان لا تذم به المرأة، ولا تؤاخذ عليه؛ لأنها إنما تترك الصلاة والصوم في هذه الحال امتثالا لأمر الله تعالى، لا تفريطا ولا عصيانا، وإنما سمي نقصانا من جهة فوات بعض العمل الظاهر عنها في هذه الأيام، بالنسبة إلى من لا يعرض له هذا العذر.

قال ابن حزم: “وليس هذا بموجب نقصان الفضل، ولا نقصان الدين والعقل في غير هذين الوجهين فقط”. انتهى من الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/104).

 

والحاصل أنه:

إن أريد بالتفضيل: الفضل عند الله، والمنزلة، والثواب؛ فليس الرجال أفضل من النساء لمجرد كونهم رجالا، ولا النساء أفضل من الرجال لمجرد كونهن نساء، وإنما الفضل بالتقوى والعمل الصالح.

قال ابن تيمية: "فالاعتبار العام هو التقوى، كما قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ فكل من كان أتقى كان أفضل مطلقا، وإذا تساوى اثنان في التقوى استويا في الفضل، سواء كانا أو أحدهما غنيين أو فقيرين، أو أحدهما غنيا والآخر فقيرا، وسواء كانا أو أحدهما عربيين أو أعجميين، أو قرشيين أو هاشميين، أو كان أحدهما من صنف والآخر من صنف آخر". انتهى من "منهاج السنة النبوية" (4/ 608)

 

وإن أريد بالتفضيل: أن الله خص جنس الرجال في الجملة ببعض الخصائص والصفات والأحكام التي ليست للنساء، كالقوامة والإنفاق وبعض الولايات والتكاليف، فهذا حق دل عليه القرآن والسنة، لكن لا يلزم منه تفضيل الرجال على النساء في المنزلة عند الله.

فلا يقال: إن كل رجل أفضل من كل امرأة، ولا يقال كذلك: لا فرق بين الرجال والنساء في الخصائص والأحكام؛ بل يقال: الرجال والنساء سواء في أصل الكرامة الإنسانية، وأصل التكليف، وأصل الجزاء والثواب، ويفترقون في بعض الخصائص والأحكام التي اقتضتها حكمة الله تعالى.

وتتميما للفائدة ينظر: (302114)

والله أعلم

المراجع

تفسير القرآن

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android