يمكن للعبد أن يبلغ من الصديقية بقدر صدقه وإخلاصه وانقياده ومتابعته للحق، ولا يشترط أن يستكمل كل علم وعمل ودعوة يمكن تصورها في آخر عمره حتى يصح أن يكون من أهل الصديقية.
أنا شخص لدي طموحات وتوقعات عالية، ونفس تواقة إلى المعالي، وأحب الكمال والإتقان، وأحيانًا أتطلع إلى أمور تفوق طاقتي.
وقد شغلني سؤال منذ زمن، ونغّص عليّ عيشي، وخلاصته:
هل يمكن أن يبلغ الإنسان منزلة الصديقية إذا بذل أسبابها، فالتزم الصدق بقلبه وقوله وعمله، وبذل ما يستطيع في ذلك، ثم مات قبل أن يبلغ هذه المنزلة؟
وسؤالي هذا لأنني قرأت كلامًا لابن تيمية يُفهم منه أن الإنسان قد لا يصل إلى هذه المرتبة إلا في نهاية عمره، بعد أن يكمل علمه وعمله ودعوته، ويصل باليقين إلى هذه المنزلة، وأن هذا في الغالب لا يحصل إلا في أواخر عمر الإنسان.
فأرجو منكم أن تعطوني إجابة مفصلة وواضحة وتجنب الإجمال قدر الإمكان، حتى أطمئن إلى فهم المسألة ولا أظل منشغلًا بالتفكير فيها.
وجزاكم الله خيرًا.
يمكن للعبد أن يبلغ من الصديقية بقدر صدقه وإخلاصه وانقياده ومتابعته للحق، ولا يشترط أن يستكمل كل علم وعمل ودعوة يمكن تصورها في آخر عمره حتى يصح أن يكون من أهل الصديقية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
نسأل الله تعالى أن يبارك في همتك وطموحك، وأن يرزقك ما تصبو إليه من معالي الأمور، فحرص المسلم على الدرجات العُلا في الآخرة من علامات صدق الإيمان، لكن ينبغي أن يقترن هذا الحرص بالطمأنينة، وحسن الظن بالله تعالى.
أولا: منزلة الصديقية وحقيقتها في الشرع
قال ابن القيم رحمه الله في "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة" (1/ 222): "فأمَّا مراتبُ الكمال فأربع: النبوَّة، والصِّدِّيقيَّة، والشَّهادة، والوَلاية، وقد ذكرها الله سبحانه في قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا * ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا [النساء: 69 - 70]. ....
والمقصودُ أنه ذَكَر فيها المراتبَ الأربعة: الرسالة، والصِّدِّيقيَّة، والشَّهادة، والوَلاية. فأعلى هذه المراتب: النبوَّةُ والرسالة. ويليها: الصِّدِّيقيَّة؛ فالصِّدِّيقون هم أئمَّة أتباع الرسل، ودرجتُهم أعلى الدرجات بعد النبوَّة". انتهى.
تعريف الصديقية عند أهل العلم:
قال ابن القيم رحمه الله في "مدارج السالكين" (2/ 633 ط عطاءات العلم): "الصِّدِّيقيَّة: كمال الإخلاص والانقياد والمتابعةِ للخبر والأمر، ظاهرًا وباطنًا". انتهى.
وقال أيضاً في بيان حقيقة الصدق ومنازله كما في "مدارج السالكين" (2/ 629 ط عطاءات العلم): "فالذي جاء بالصِّدق هو: مَن شأنُه الصِّدق في قوله وعمله وحاله، فالصِّدق: في هذه الثلاثة.
فالصِّدق في الأقوال: استواء اللِّسان على الأقوال، كاستواء السُّنبلة على ساقها.
والصِّدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستواء الرأس على الجسد.
والصِّدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغُ الوسع وبذل الطاقة.
فبذلك يكون العبد من الذين جاؤوا بالصِّدق. وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به، تكون صدِّيقيَّته". انتهى.
وقال أيضاً في "مدارج السالكين" (2/ 633 ط عطاءات العلم): "فجعل الصِّدق مفتاح الصدِّيقيَّة ومبدأها، وهي غايته، فلا ينال درجتها كاذبٌ البتَّة؛ لا في قوله، ولا في عمله، ولا في حاله". انتهى.
فالصديقية مبنية على شجرة الصدق التي متى ما رسخت جذورها في قلب العبد، استحق هذا الوصف والمنزلة عند الله تعالى.
ثانياً: دلالة الأحاديث الصحيحة على نيل الصديقية بالسعي والتحري
أوضح النبي ﷺ أن الصديقية ليست مرتبة مغلقة محصورة بأشخاص معدودين لا ينالها من جاء بعدهم، بل هي مرتبة مفتوحة لكل من لزم الصدق وتحراه بصدق نية وعمل:
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: "عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا". أخرجه مسلم (2607). وفي رواية أخرى عند مسلم (2607): "إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا".
فقوله ﷺ: "وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا" نص صريح في أن العبد إذا داوم على القصد الصادق، وتحرى الحق في قوله وعمله وبذل جهده، كتبه الله في عليين صديقاً.
ثالثاً: بلوغ المنازل العالية بالنية الصادقة وبذل المستطاع إذا انقطع الأجل:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (22/ 243): "وسئل رحمه الله: عن قوله صلى الله عليه وسلم "نية المرء أبلغ من عمله". فأجاب:
هذا الكلام قاله غير واحد؛ وبعضهم يذكره مرفوعا، وبيانه من وجوه:
أحدها: أن النية المجردة من العمل يثاب عليها، والعمل المجرد عن النية لا يثاب عليه، فإنه قد ثبت بالكتاب والسنة واتفاق الأئمة: أن من عمل الأعمال الصالحة بغير إخلاص لله، لم يقبل منه ذلك. وقد ثبت في الصحيحين من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من هم بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة".
الثاني: أن من نوى الخير وعمل منه مقدوره، وعجز عن إكماله كان له أجر العامل. كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن بالمدينة لرجالًا؛ ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا، إلا كانوا معكم. قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة؛ حبسهم العذر". انتهى.
فدلت الأدلة الشرعية على أن من قصد رتبةً صالحة، وعزم عليها عزماً جازماً، وبذل ما في وسعه وطاقته، ثم مات أو عجز عن إتمام العمل؛ فإن الله تعالى يبلغه منازل أصحاب تلك الرتبة بفضله ورحمته:
1- عموم قول الله تعالى فيمن انقطع به الأجل في طريق الهجرة: قال تعالى: وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ ۗ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا [النساء:100]. فهكذا: كل من سلك طريقاً من طرق الإيمان كالصديقية ثم باغته الموت وهو في سيره وجهاده، فقد وقع أجره وثواب مرتبته على الله تعالى.
قال الإمام أبو الحسن الواحدي، رحمه الله: «ومعنى وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: 100]: وجب ثوابه.
والمؤمن إذا قصد طاعة، ثم أعجزه العذر عن إتمامها: كتب الله له ثواب تمام تلك الطاعة، وهذا معنى قوله: ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: 100]». انتهى، من التفسير الوسيط (2/ 107).
وقال أبو القاسم الزمخشري، رحمه الله: وقالوا: كل هجرة لغرض دينى- من طلب علم، أو حج، أو جهاد، أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو قناعة وزهدا في الدنيا، أو ابتغاء رزق طيب- فهي هجرة إلى الله ورسوله. وإن أدركه الموت في طريقه، فأجره واقع على الله. انتهى، من تفسير الكشاف (1/ 557).
وقال أبو الحسن ابن بطال، رحمه الله: «وفيه دليل أن من شرع في عمل من عمل الطاعات، وصحت فيه نيته الله، وحال بينه وبين تمامه الموت؛ فإن الرجاء قوى أن الله قد كتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل وتقبله منه.
ويشهد لهذا قوله تعالى: (وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ) [النساء: 100].
[غير] أنه لا يُقطع على أحد بعينه بهذا، ولا أنه بمنزلة ذلك الموقوص». انتهى، من شرح صحيح البخاري (4/ 522).
2- حديث سهل بن حنيف رضي الله عنه في نيل منازل الشهداء بالصدق ولو مات على الفراش وقد أخرجه مسلم (1909) أن النبي ﷺ قال: "مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ".
فإذا كانت رتبة الشهادة -وهي تالية للصديقية- تُنال بمجرد صدق الطلب والقصد، مع العجز عن مباشرتها؛ فكذلك – إن شاء الله - رتبة الصديقية: يرجى من كرم الله أن ينال العبد منازلها إذا صدق الله في طلبها، وبذل مقدوره فيها، ثم توفاه الله قبل استكمال ظاهر مراتبها، لأن الصدق في الطلب هو عين حقيقة الصديقية ومادتها، كما سبق كلام ابن القيم رحمه الله.
قال تقي الدين السبكي رحمه الله في "فتاويه" (2/ 352): "وَاَلَّذِي نَعْتَقِدُهُ: أَنَّ اللَّهَ يُعْطِيهِ مَرْتَبَةَ الشُّهَدَاءِ لِقَصْدِهِ وَسُؤَالِهِ وَعَدَمِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْوُصُولِ إلَيْهَا... فَإِنَّ طَالِبَ الشَّهَادَةِ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهَا، فَقَدْ فَعَلَ مَا فِي وُسْعِهِ، فَإِذَا قُطِعَ عَنْهُ أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ سِعَةِ فَضْلِهِ ذَلِكَ... وَنِيَّةُ الْمَرْءِ أَبْلَغُ مِنْ عَمَلِهِ".
3- مشاركة العاجز والمعذور لأهل العمل التام بنيته: فقد ثبت في صحيح مسلم (1911) عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك فدنا من المدينة فقال: " إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ".
وحديث أبي كبشة الأنباري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ مَالًا وَعِلْمًا، فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَيَعْلَمُ لِلهِ فِيهِ حَقًّا، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٍ رَزَقَهُ اللهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا، فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ، يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ". أخرجه الترمذي (2325).
وحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا" أخرجه البخاري (2996).
فالنية أبلغ من العمل، والخير كله إنما يجمعه حُسن النية، وإن لم ينصَب العبد، كما سبق كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
رابعاً: توجيه وفهم كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
إن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شأن تحقق كمال الصديقية، لا يتعارض مع بلوغ العبد أجرها ومنزلتها بالنية والجهد المبذول، وبيان ذلك من وجهين:
1-الفرق بين "التحقق التام"، و"استحقاق المنزلة والأجر": فكلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله في أن الصديقية تستلزم كمال العلم والعمل والدعوة والصبر على الأذى، إنما هو في وصف الرتبة الكاملة لأئمة الصديقين كأبي بكر الصديق رضي الله عنه وأكابر ورثة الأنبياء، فهؤلاء تمرسوا بالابتلاء وثبتوا عليه طيلة حياتهم، حتى بلغت صديقيتهم الغاية في أواخر أعمارهم.
قال القاسمي رحمه الله في "محاسن التأويل" (9/ 149): "ثم رأيت لابن القيّم في (طريق الهجرتين) بسطا لهذين الوجهين في بحث الصديقية. ننقله لنفاسته. قال رحمه الله في مراتب المكلفين في الآخرة وطبقاتهم:
الطبقة الرابعة- ورثة الرسل وخلفاؤهم في أممهم، وهم القائمون بما بعثوا به؛ علما وعملا، ودعوة للخلق إلى الله على طريقهم ومنهاجهم. وهذه أفضل مراتب الخلق، بعد الرسالة والنبوة، وهي مرتبة الصديقية. ولهذا قرنهم الله في كتابه بالأنبياء، فقال تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النساء: 69]. فجعل درجة الصديقية معطوفة على درجة النبوة. وهؤلاء هم الربانيون، وهم الراسخون في العلم، وهم الوسائط بين الرسول وأمته. فهم خلفاؤه وأولياؤه وحزبه وخاصته وحملة دينه. وهم المضمون لهم أنهم لا يزالون على الحق، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. وقال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ، قيل: إن الوقف على قوله: هُمُ الصِّدِّيقُونَ ثم يبتدئ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ فيكون الكلام جملتين، أخبر في إحداهما عن المؤمنين بالله ورسله أنهم هم الصديقون، والإيمان التام يستلزم العلم والعمل، والدعوة إلى الله بالتعليم والصبر عليه. وأخبر في الثانية أن الشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم. ومرتبة الصديقين فوق مرتبة الشهداء ولهذا قدمهم عليهم في الآيتين، هنا، وفي سورة النساء، وهكذا جاء ذكرهم مقدما على الشهداء في كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: "اثبت أحد؛ فإنما عليك نبيّ وصديق وشهيد". ولهذا كان نعت الصديقية وصفا لأفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين أبي بكر الصديق. ولو كان بعد النبوة درجة أفضل من الصديقية، لكانت نعتا له رضي الله عنه". انتهى.
2-عدم حرمان من انقطع به الأجل: ليس مراد شيخ الإسلام رحمه الله بحال أن من سلك هذا السبيل، وأخلص فيه لله، وجاهد نفسه بالصدق، ثم مات شاباً أو قبل أن يكمل مسيرة الدعوة والتعليم= أنه محروم من درجات الصديقين. فإن الله سبحانه يعامل العبد على ما استقر في قلبه من العزم الجازم، وما بذله من طاقته، والله تعالى يقول: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286].
فإذا بذل العبد وسعه المقدر له في عمره القصير، كان على عظيم الرجاء في كرم الله وفضله أن يكتبه في الصديقين، وينزله منازلهم.
يراجع للفائدة جواب السؤال رقم (329958)، ورقم (570871)، ورقم (216829)، ورقم (340608).
الحاصل:
الصديقية هي كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للحق ظاهرًا وباطنًا، والصدق هو مفتاح الصديقية ومبدؤها، والصديقية غايته. وهي مراتب ولا يشترط لبلوغ حظ منها أن يستكمل الإنسان كل العلم والعمل والدعوة الممكنة. فمن صدق وسعى وعمل بما علم ثم مات قبل استكمال ما يرجوه؛ فله أجر ما عمل، ويرجى له فضل الله فيما منعه الموت من استكماله.
والله أعلم.
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟
موضوعات ذات صلة