حديث: لا تتبع النظرة النظرة يأمر بصرف البصر بعد نظرة الفجأة، وينهى عن تعمد متابعة النظر المحرم، ولا يدل على تحريم كل نظر مقصود مطلقًا. وأما النظر إلى وجه الأجنبية وكفيها بغير شهوة وأمن الفتنة ففيه خلاف بين أهل العلم؛ فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه لغير حاجة سدًّا لذريعة الفتنة.
هل حديث «لا تتبع النظرة النظرة» يمنع النظر بغير شهوة؟
السؤال 654345
كيف يمكن ان نجمع بين حديث الرسول صل الله عليه وسلم ( لا تتبع النظرة النظرة ) وبين قول العلماء انه يجوز النظر دون شهوة ؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
روى الإمام أحمد في "المسند" (2 / 464)، وابن حبان "الإحسان" (12 / 381)، وغيرهما: عن حَمَّاد بْن سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا تُتْبِعِ النَّظَرَ النَّظَرَ، فَإِنَّ الْأُولَى لَكَ، وَلَيْسَتْ لَكَ الْآخِرَةُ).
وفي إسناده ابن إسحاق وهو مدلّس ولم يصرح بالتحديث.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"محمد بن إسحاق بن يسار المطلبيّ المدنيّ، صاحب المغازي، صدوق، مشهور بالتّدليس عن الضّعفاء والمجهولين وعن شرّ منهم، وصفه بذلك أحمد والدّارقطني وغيرهما" انتهى. "طبقات المدلسين" (ص 51).
وورد بإسناد آخر عند: الإمام أحمد في "المسند" (38 / 74)، وأبي داود (2149)، والترمذي (2777): عن شَرِيك، عَنْ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ).
وقال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلّا من حديث شريك" انتهى.
وشريك مُتَكلّم في ضبطه وحفظه.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
"شريك بن عبد الله أبو عبد الله النخعي القاضي أحد الاعلام ...
وثّقه ابن معين، وقال غيره: سيء الحفظ. وقال النسائي: ليس به بأس. هو أعلم بحديث الكوفيين من الثّوري قاله ابن المبارك" انتهى. "الكاشف" (1 / 485).
ولخص حاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بقوله:
" شَرِيك بن عبد الله النَّخَعي ...
صدوق، يخطئ كثيرا، تغيّر حفظه منذ وُلِّي القضاء بالكوفة" انتهى. "تقريب التهذيب" (ص 266).
وقال ابن القطان رحمه الله تعالى:
"وفي إسناده أبو ربيعة الإياديّ؛ قال البزّار: لا نعلم روى عنه إلّا شريك والحسن بن صالح.
وروى الدّارميّ، عن ابن معين قال: أبو ربيعة الّذي يروي عنه شريك كوفيّ ثقة، فلعله هذا الإياديّ، وفيه شريك بن عبد الله القاضي، وهو ضعيف، وهو أحد جماعة اعتراهم -لمّا ولّوا القضاء- سوء الحفظ لتشاغلهم بالقضاء ...
وله طريق آخر يرويه:
محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن سلمة بن أبي الطّفيل، عن عليّ: الحديث ....
وسلمة بن أبي الطّفيل لا نعلم له عن عليّ إلّا هذا الحديث، ولا يعرف حاله... " انتهى. "إحكام النظر" (ص 94 - 95).
لكنّ من أهل العلم من رأى حسن الحديث بمجموع طريقيه، وبأنّ له شاهدا صحيحا.
رواه الإمام مسلم (2159): عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي).
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
"لكنّ الحديث حسن بهذين الطريقين، ويشهد له الحديث الّذي بعده [أي حديث جرير عند مسلم]" انتهى. "جلباب المرأة المسلمة" (ص77).
فحديث النظرة هذا يدل على أن النظرة الثانية يؤاخذ عليها صاحبها.
قال أبو جعفر الطحاوي رحمه الله تعالى:
"فإنّ ذلك على أنّ الأولى تفجؤه بلا اختيار له فيها، فلا يكون مأخوذا بها، ولا تكون مكتوبة عليه، فهي له.
وأمّا قوله: (وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ)، فإنّ الآخرة تكون باختياره لها، فهي مكتوبة عليه، وما كان مكتوبا عليه فليس له" انتهى. "شرح مشكل الآثار" (5 / 123).
والحديث إذا ثبت لا يعارضه قول قائل؛ إلا أن يكون إجماعا، فيعلم بذلك الإجماع، إن صح: أن الحديث منسوخ، أو له علة خفية لم نطلع عليها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"والدّليل الشّرعي يمتنع أن يكون خطأ إذا لم يعارضه دليل آخر، ورأي العالم ليس كذلك ... وقال سبحانه: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، وليس لأحد أن يعارض الحديث عن النّبي صلّى الله عليه وسلّم بقول أحد من النّاس، كما قال ابن عبّاس رضي الله عنهما لرجل سأله عن مسألة فأجابه فيها بحديث، فقال له: قال أبو بكر وعمر، فقال ابن عباس: يُوشِكُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَيْكُمْ حِجَارَةٌ مِنْ السَّمَاءِ، أَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَتَقُولُونَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟!" انتهى. "مجموع الفتاوى" (20 / 251).
وعلى هذا فلا تعارض بين الحديث وبين قول من أجاز النظر إلى الوجه والكفين بغير شهوة وأمن الفتنة؛ لأن الحديث ينهى عن متابعة نظر الفجأة بنظر متعمد فيما لا يحل النظر إليه، وأما ما يجوز النظر إليه، أو النظر المباح لحاجة، فلا يدخل في هذا النهي.
وأما ما كان عورة من الرجل أو المرأة، فلا يجوز للأجنبي النظر إليه بشهوة ولا بغير شهوة، إلا لحاجة معتبرة كالعلاج ونحوه.
قال ابن القطان رحمه الله تعالى:
"مسألة: فإن كانت هذه الأجنبية كبيرة، وهي مسلمة:
فلا خفاء في تحريم النّظر من الأجنبي إلى ما عدا وجهها وكفّيها وقدميها؛ كالصّدر والبطن والعنق والشّعر وما فوق السّرّة والظّهر، هذه مواضع لا يجوز له النّظر إلى شيء منها أصلا، وهذا ما لا خلاف فيه، أمّا نظره إلى وجهها وكفّيها وقدميها فموضع نظر" انتهى. "إحكام النظر" (ص388).
وإنما وقع الخلاف في النظر إلى ما اختلف في كونه عورة أم لا، كوجه المرأة وكفيها، فبعض من يرى أنهما ليسا بعورة ويجوز كشفهما، يرى أن القول بتجويز كشفهما، يلزم عنه جواز النظر إليهما بدون شهوة.
لكن الذي رجّحه جمع من أهل العلم المنع من النظر ولو بدون شهوة؛ لأن النظر إلى هذا مظنة الفتنة؛ فالنظر مولّد للشهوة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"الرّاجح في مذهب الشّافعيّ وأحمد: أنّ النّظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز، وإن كانت الشّهوة منتفية؛ لكن لأنّه يخاف ثورانها؛ ولهذا حرمت الخلوة بالأجنبية لأنّها مظنّة الفتنة، والأصل أنّ كل ما كان سببا للفتنة فإنّه لا يجوز؛ فإنّ الذّريعة إلى الفساد يجب سدّها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة؛ ولهذا كان النّظر الذي يفضي إلى الفتنة محرّما، إلّا إذا كان لمصلحة راجحة مثل نظر الخاطب والطّبيب وغيرهما؛ فإنّه يباح النّظر للحاجة لكن مع عدم الشّهوة.
وأمّا النّظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز" انتهى. "مجموع الفتاوى" (21 / 251).
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم 1774 ورقم 114196
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟