الآية تصف الطبع الغالب في جنس الإنسان، لا كل فرد بعينه؛ ولذلك قد يوجد من غير المسلمين من لا يتصف باليأس أو الكفران أو الفخر في بعض الأحوال، لكن الإيمان والصبر والعمل الصالح هما السبيل الأكمل لتحرير الإنسان من هذه الطباع، ولا تدل الآية على أن غير المؤمن لا يستطيع تركها.
هل اليأس بعد فقد النعمة من طبائع الإنسان الجبلية؟
السؤال 649413
هناك آية تقول وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ هود/9-11. هل تعني الآية أن من لم يكن من الذين صبروا وعملوا صالحات سييأس، ولن يستطيع أن لا ييأس؛ لأنه ليس من الذين صبروا وعملوا الصالحات؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
اختلف المفسرون في الاستثناء في قول الله تعالى إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، هل هو متصل أو منقطع.
فمن قال: إن الإنسان هنا اسم جنس لجميع الناس جعله استثناء متصلًا. فيكون المعنى: أن هذا الخُلُق، من اليأس عند فقد النعمة، والكفران عند حصول النعمة، هو من سجايا وطبائع الناس؛ إلا من وفقه الله فأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضده، وهم الذين صبروا عند الضراء فلم ييأسوا، وعند السراء فلم يبطروا.
قال الإمام الطبري، رحمه الله:
"يقول تعالى ذكره: ولئن أذَقنا الإنسان منّا رخاء وسعةً في الرزق والعيش، فبسطنا عليه من الدنيا = وهي "الرحمة " التي ذكرها تعالى ذكره في هذا الموضع = (ثم نزعناها منه) ، يقول: ثم سلبناه ذلك، فأصابته مصائب أجاحته فذهبت به = (إنه ليئوس كفور) ، يقول: يظل قَنِطًا من رحمة الله، آيسًا من الخير...".
"يقول تعالى ذكره: ولئن نحن بسطنا للإنسان في دنياه، ورزقناه رخاءً في عيشه، ووسعنا عليه في رزقه، وذلك هي النّعم التي قال الله جل ثناؤه: (ولئن أذقناه نعماء) = وقوله: (بعد ضراء مسته) ، يقول: بعد ضيق من العيش كان فيه، وعسرة كان يعالجها (ليقولنّ ذهب السيئات عني) ، يقول تعالى ذكره: ليقولن عند ذلك: ذهب الضيق والعسرة عني، وزالت الشدائد والمكاره = (إنه لفرح فخور) ، يقول تعالى ذكره: إن الإنسان لفرح بالنعم التي يعطاها، مسرور بها".
قال الطبري:
"ثم استثنى جل ثناؤه من الإنسان الذي وصفه بهاتين الصفتين: "الذين صبروا وعملوا الصالحات". وإنما جاز استثناؤهم منه لأن "الإنسان" بمعنى الجنس ومعنى الجمع. وهو كقوله: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) ، [سورة العصر: 1-3]. فقال تعالى ذكره: (إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات)، فإنهم إن تأتهم شدّة من الدنيا وعسرة فيها، لم يثنهم ذلك عن طاعة الله، ولكنهم صبروا لأمره وقضائه. فإن نالوا فيها رخاء وسعةً، شكروه وأدَّوا حقوقه بما آتاهم منها. يقول الله: (أولئك لهم مغفرة) يغفرها لهم، ولا يفضحهم بها في معادهم = (وأجر كبير) ، يقول: ولهم من الله مع مغفرة ذنوبهم، ثوابٌ على أعمالهم الصالحة التي عملوها في دار الدنيا، جزيلٌ، وجزاءٌ عظيم". انتهى، من "تفسير الطبري" (15/255-257) مقتطفات منه.
وروى الطبري في ذلك المعنى عن ابن جريج: "قوله: (ذهب السيئات عني) ، غِرَّةً بالله وجراءة عليه = (إنه لفرح) ، والله لا يحب الفرحين= (فخور) ، بعد ما أعطي، وهو لا يشكر الله".
"(إلا الذين صبروا) ، عند البلاء، (وعملوا الصالحات) ، عند النعمة = (ألئك لهم مغفرة) ، لذنوبهم = (وأجر كبير) ، قال: الجنة". انتهى.
وهذا معنى ظاهر من الآيات الكريمات، لا إشكال فيه. وهو نظير ما جاء في سورة العصر: وَٱلۡعَصۡرِ * إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ * إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ.
ومنهم من ذهب إلى أن الاستثناء منقطع؛ فيقول الإنسان بمعنى الكافر أو شخص بعينه واختلفوا من هو. فيكون المعنى: لكن الذين صبروا و....الخ.
قال أبو حيان في البحر المحيط في التفسير (6/127):
"والظاهر: أن الإنسان هنا هو جنس، والمعنى: إن هذا الخلق في سجايا الناس، ثم استثنى منهم الذين ردتهم الشرائع والإيمان إلى الصبر والعمل الصالح، ولذلك جاء الاستثناء منه في قوله: (إلا الذين صبروا): متصلا.
وقيل: المراد هنا بالإنسان الكافر.
وقيل: المراد به إنسان معين، فقال ابن عباس: هو الوليد بن المغيرة، وفيه نزلت.
وقيل: عبد الله بن أمية المخزومي، وذكره الواحدي، وعلى هذين القولين يكون استثناء منقطعا" انتهى.
وانظر: تفسير القرطبي (9/10-11).
ثانيًا:
معنى الآيات: أن الإنسان بطبيعته إذا أصابته شدة يستولي عليه اليأس، وإذا انكشفت عنه الشدة وعادت إليه النعمة ينسى حاله الأولى ويفرح فرح بطر وفخر، إلا من زكَّته الهداية، وهم الذين قابلوا البلاء بالصبر، والرخاء بالشكر والعمل الصالح.
قال السعدي رحمه الله:
"وهذه طبيعة الإنسان من حيث هو، إلا من وفقه الله وأخرجه من هذا الخلق الذميم إلى ضده، وهم الذين صبروا أنفسهم عند الضراء فلم ييأسوا، وعند السراء فلم يبطروا، وعملوا الصالحات من واجبات ومستحبات. تيسير الكريم الرحمن (ص: 378).
وقال ابن كثير في تفسيره (4/ 309):
"إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا أي: في الشدائد والمكاره، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أي: في الرخاء والعافية" انتهى.
ولفظ (الإنسان) في الآية: أي جنس الإنسان، هو وصف أغلبي؛ أي أن هذه هي صفات أغلب الناس، ولا يلزم أن جميع الأفراد يكون يؤوسًا عند الشدة، وكفورًا فخورًا عند السراء، فقد يكون كافرًا ويتصف بالصبر، وعدم اليأس عند البلاء، ويشكر عند النعمة، لكونه كتابيًا مثلًا. ولكن هذا نادر. بخلاف المؤمن الصابر الذي يعمل الصالحات، كالصلاة وغيرها، تجده كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ رواه مسلم (2999).
ونظير ذلك قول الله تعالى: (إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22).....) سورة المعارج/19-22.
قال الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسير قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا
"ولفظ: (الإنسان) هنا مفرد، ولكن أريد به الجنس، أي: جنس الإنسان في الجملة» انتهى من "أضواء البيان" (8/ 268).
وقال أيضا: وقال، رحمه الله أيضا: "لَمَّا ذكرَ هذه الصفاتِ الذميمةَ عن الإنسانِ، اسْتَثْنَى منها المؤمنين الطيبين، قال: إِلَاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [هود: آية 11].
وقد بَيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الحديثِ الصحيحِ أن المؤمنَ الطيبَ مخالفٌ لهذه الصفاتِ الخبيثةِ حيث قال صلى الله عليه وسلم: عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ لَا يَقْضِي اللَّهُ لَهُ قَضَاءً إِلَاّ كَانَ خَيْرًا لَهُ، إِنّ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا إِلَاّ لِلْمُؤْمِنِ. المؤمنُ عندما يَأْتِيهِ البأساءُ والضراءُ يَضَّرَّعُ إلى رَبِّ العالمين صابرًا محتسبًا فَيُثِيبُهُ اللَّهُ، وَيُعْظِمُ له الأجورَ، وإذا كان وقت السراءِ وأنعمَ اللَّهُ عليه كان شاكرًا نِعَمَ اللَّهِ، مُرَاعِيًا بذلك حقوقَ اللَّهِ (جل وعلا)، ويكونُ ذلك خيرًا له. وهذا أيضًا خيرٌ له، كما في الحديثِ الصحيحِ". انتهى، من "العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير (1/ 256).
والحاصل:
أن هذه الصفات جِبلّية طبيعية في الإنسان، بأصل خلقته، ولا يمنع ذلك: أن يكون مأمورا بأن يتخلص منها باكتساب الصفات الحميدة، وذلك جزء من التكليف، وإقامة العبودية لرب العالمين. ولا يعينه على إقامة ذلك، وإصلاح نوازع السوء والنقص في نفسه، مثل: الصبر، وعمل الصالحات.
وينظر: إجابة رقم (538227).
وعليه؛ فالاستثناء لا يعني أن غير هؤلاء لا يمكنه أن يصير منهم وأنه يتحتم عليه اليأس، وأنه وصف لازم لا ينفك، بل معناه أن هذه الأخلاق الفاضلة (الصبر والعمل الصالح) هي التي تخرج الإنسان من مقتضى طبعه.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟