روى الإمام أحمد في "المسند" (37 / 60)، وابن ماجه (277): عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (اسْتَقِيمُوا، وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ).
وقد ضُعّف هذا الإسناد بالانقطاع بين سالم وثوبان.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
"له علة أخرى، وهي الانقطاع بين سالم بن أبي الجعد وثوبان؛ كما بيّنته في الأصل.
ولكن الحديث صحيح، فإن له طرقا أخرى موصولة، عند الدارميّ وأحمد والطبراني وابن حبَان أيضا، وله بعض الشواهد كما ذكره المؤلف بعد" انتهى. "صحيح الترغيب والترهيب" (1 / 198).
والطريق الموصولة:
رواها الإمام أحمد في "المسند" (37 / 108)، والدارمي "المسند" (1 / 520)، وابن حبان "الإحسان" (3 / 311): عن الْوَلِيد بْن مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ ثَوْبَانَ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، أَنَّ أَبَا كَبْشَةَ السَّلُولِيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ثَوْبَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاعْمَلُوا، وخَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ).
ومن شواهد الوضوء، ما رواه الإمام مسلم (223): عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ).
والمحافظة على الوضوء لها أحد معنيين:
المعنى الأول:
أن المراد بالمحافظة على الوضوء أي الوضوء فيما شرع له الوضوء. ولا يلزم من ذلك أن يتوضأ لجلوسه مثلا، أو أكله، أو غير ذلك من الأمور التي لم يشرع لها الوضوء.
فالطهارة أمر خفي بين العبد وربه، فالمؤمن يحرص على الصلاة بطهارة ليقينه بأن الله يراه، أما المنافق فقد يتساهل في ذلك خاصة في أوقات المكاره كأوقات البرد؛ لأنها عبادة خفية والمنافق لا يراقب الله بعمله وإنما الناس.
قال ابن العربي رحمه الله تعالى:
"قوله: (وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ): أراد به لا يحافظ على وضوئه ولا يصبر عليه إلَّا مؤمن كامل الإيمان، لثِقَلِهِ عليه في البرد وفي حين الشّغل، واللهُ أعلم" انتهى. "المسالك" (2 / 128).
قال المُظْهِري رحمه الله تعالى:
"قوله: (وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ)، (لَا يُحَافِظُ): أي: لا يداوم، يعني: المنافق لا يداوم على الوضوء، بل يتوضّأ إذا رآه أحد، ولا يتوضّأ إذا لم يره أحد، وكذا الكفار لا يتوضّؤون" انتهى. "المفاتيح" (1 / 355).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"ومن لم يصل إلا بوضوء واغتسال: فإنه لا يفعل ذلك إلا لله، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد وابن ماجه من حديث ثوبان عنه أنه قال: ( اسْتَقِيمُوا، وَلَنْ تُحْصُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ)؛ فإن الوضوء سر بين العبد وبين الله عز وجل، وقد ينتقض وضوؤه ولا يدري به أحد، فإذا حافظ عليه لم يحافظ عليه إلا لله سبحانه ومن كان كذلك لا يكون إلا مؤمنا" انتهى. "مجموع الفتاوى" (18 / 261).
وعلى ذلك، يكون حديث ثوبان شبيها بالأمر بالمحافظة على الصلاة، ومعلوم أنه ليس المقصود منها المداومة على الصلاة في كل الساعات بلا انقطاع.
كما في قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) إلى قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ) المؤمنون (1- 9).
وكقوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) البقرة (238).
فتارك الوضوء عند الصلاة، عمدا: إما أن يكون تاركا للإيمان بالكلية، أو تاركا لبعض إيمانه الواجب.
وقد سبق بيان هذا في جواب السؤال رقم (65731).
ومن ترك الوضوء، عند الأمر الذي يستحب له الوضوء، كالنوم مثلا؛ فقد ترك شعبة من شعب الإيمان، المشروع، المستحب.
ومن فعله، فقد كمل إيمانه بذلك؛ والإيمان يزيد وينقص.
وعلى هذا المعني فلا معارضة ألبتة بين هذا الحديث، وبين ما رواه الإمام مسلم (374): عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: (كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ، وَأُتِيَ بِطَعَامٍ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَوَضَّأُ؟ فَقَالَ: لِمَ؟ أَأُصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ ؟)= فحديث ابن عباس يتعلق بترك الوضوء، فيما لم يشرع له الضوء، لا وجوبا، ولا استحبابا.
المعنى الثاني:
أن يكون المقصود بالمحافظة المداومة على الوضوء في جميع الأوقات.
قال العراقي رحمه الله تعالى:
"... فيه استحباب دوام الطهارة، وأنه يستحب الوضوء عقب الحدث، وإن لم يكن وقتَ صلاة، ولم يُرد الصلاة، وهو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ)؛ فالظاهر أن المراد منه دوام الوضوء، لا الوضوء الواجب فقط عند الصلاة، والله أعلم" انتهى. "طرح التثريب" (2 /59).
وعلى هذا المعنى قد يُستشكل حديث سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ عن ابْن عَبَّاسٍ، فيقال: كيف يترك النبي صلى الله عليه وسلم المداومة على الوضوء، مع أنه الأفضل؟
فقد بيّن أهل العلم في مثل هذه الحالات من تعارض القول والفعل بحمل ما في القول من الحث على عمل ما على الاستحباب وأن ترك النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الحالات هو لبيان جواز تركه وأنه لا حرج عليه.
قال العلائي رحمه الله تعالى:
"… الجمع بين القول والفعل على بعض الوجوه الممكنة، وهي التي يسلكها المحققون في أفراد الأمثلة عند الكلام على بعضها.
ولا شك في أن هذا أولى من تقديم أحدهما على الآخر… لأنا متعبدون بمضمون القول وباتباعه صلى الله عليه وسلم فيما فعله…
لأنا نقول: إذا فعله ذلك لبيان الجواز؛ فلا كراهة فيه، بل ذلك البيان واجب عليه صلى الله عليه وسلم، كما توضآ النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأوقات مرة مرة.
وإن كان ذلك مفضولا بالنسبة إلى تثليث الوضوء، ولكنه اقتصر على المرة لبيان الجواز؛ فلا يكون الاقتصار حينئذ مفضولا كذلك هنا، ولذلك أمثلة أخر" انتهى. "تفصيل الإجمال في تعارض الأقوال والأفعال" (ص 108 - 113).
فترك النبي صلى الله عليه وسلم للوضوء لغير الصلاة، بيان لجواز ذلك وأنه لا حرج فيه، ولا ينقص من الإيمان الواجب، ويدل حديث ثوبان على مجرد استحبابه لغير الصلاة.
قال ابن هبيرة، رحمه الله، في شرح حديث ابن عباس المذكور:
«فيه جواز أكل الطعام على غير وضوء، وأن الوضوء إنما هو للصلاة.
واستدامة الطهارة: فضيلة، وعزيمة.
وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا: دليل على جواز ذلك». انتهى، من الإفصاح عن معاني الصحاح (3/ 251).
الخلاصة:
لا تعارض بين حديث ثوبان وحديث ابن عباس رضي الله عنهما؛ فالوجه الأقوى في تفسير حديث ثوبان أنه محمول على المحافظة على الوضوء الواجب للصلاة.
وأمّا إن فسّر على معنى المداومة على الوضوء في جميع الأوقات، فيحمل حديث ابن عباس على أنه لبيان أن ترك الوضوء لغير الصلاة لا حرج فيه وأنه وضوء مستحب فقط وتركه لا ينقص من الإيمان الواجب، فالأحاديث تفسر بعضها البعض.
والله أعلم.