أولًا:
الأصل أن الوالد يجب عليه أن ينفق على من تلزمه نفقتهم من زوجة وأولاد محتاجين، بحسب قدرته، وبالمعروف.
لكن النفقة الواجبة لا تعني أنه يلزمه أن يوافق على كل ما يطلبه أهل بيته، فبعض الحاجات تكون ضرورية، وبعضها يكون دون ذلك، وبعضها يمكن تأجيله.
ولهذا ينبغي أن يُفرَّق بين الامتناع عن النفقة الواجبة، وبين أن يرى الأب أن بعض الطلبات ليست ضرورية، أو ليست أولى في هذه المرحلة؛ فإن وليّ الأسرة قد ينظر إلى الأولويات والمصالح بطريقة تختلف عن نظر أهل بيته.
ثانيًا:
وينبغي أن يُنظر إلى الأمر بهدوء وإنصاف؛ فإن قولك: إن والدك لا يهتم بكم ولا ينفق عليكم، قد يكون مبنيًا على شعورك بالضيق مما وقع من بيع البيت، أو مما ترينه من تقصيره في بعض الطلبات.
لكن من خلال ما ذكرتِه: أنه لو طلبتِ منه مالًا للمواصلات، أو لما يراه ضروريًّا، فقد يعطيك؛ فهذا يدل على أن الأمر ليس كما تظنين من أنه لا يهتم بكم مطلقًا، وإنما قد يكون والدك يقدّر الحاجات بطريقة مختلفة عن تقديركم، فينفق فيما يراه لازمًا وضروريًّا، ويمتنع عما يراه غير لازم أو يمكن تأجيله.
وقد يرى الأب، خاصة مع ظروف الانتقال وتغيّر السكن، أن بعض المصاريف ليست عاجلة، أو أن الأولى تقديم غيرها؛ فليكن عرض الحاجة عليه بصدق وهدوء، كأن يقال: نحتاج إلى كذا للبيت، أو هذا من لوازم الانتقال، أو إخوتي قد تحملوا كثيرًا ونريد التخفيف عنهم.
ثالثًا:
ومع ما قد تشعرين به من ضيق أو تقصير من الوالد، فيجب عليك برّه والإحسان إليه، والكلام معه بأدب ورفق، وتجنب ما يفتح باب العقوق أو الجفاء.
واعلمي أن للأب حقًّا عظيمًا، وأنه قد سبق له من التربية والرعاية والقيام عليكم في صغركم ما ينبغي ألا يُنسى عند حصول خلاف أو ضيق عارض.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ رواه مسلم (1510) .
فإذا حصل من الوالد تقصير في جانب، فلا ينبغي أن يمحو ذلك ما له من حق، ولا ما سبق منه من رعاية وإحسان.
ولا ينبغي للولد أن ينظر إلى موقف واحد أو مرحلة ضيقة، ثم يحكم على والده بأنه لا يهتم به ولا يرعاه، بل يتذكر ما مضى من سنين الطفولة والنفقة والتربية والتعليم والعلاج والقيام بشؤون الأسرة.
رابعًا:
أما أن تطلبي منه مالًا بحجة المواصلات، وأنت تنوين صرفه في غير ذلك، فلا يجوز؛ لأن هذا من الكذب، والكذب محرم، وهو في حق الوالدين أشد قبحًا؛ لما يجب لهما من البر والصدق والإحسان.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ رواه البخاري (6094)، ومسلم (2607).
فليس العلاج أن تؤخذ الأموال بحيلة أو بذكر سبب غير صحيح، بل العلاج أن تُعرض الحاجة بصدق ووضوح.
وقد نص العلماء على أن من أخذ مالًا من شخص لغرض معين، لم يجز له أن يصرفه في غير ذلك الغرض إلا بإذنه.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
“من أخذ من الناس أموالًا لشيء معين، فإنه لا يصرفها في غيره إلا بعد استئذانهم.” انتهى من " اللقاء الشهري "
وعلى هذا؛ فلا يجوز لك أن تقولي لوالدك: أحتاج المال للمواصلات، وأنت تريدين صرفه في احتياجات البيت، أو إعطائه لإخوتك أو والدتك.
لكن لك أن تطلبي منه المال بصيغة صادقة، فتقولي مثلًا: نحتاج إلى مصاريف ضرورية للبيت، أو نحتاج إلى مبلغ للانتقال، أو أحتاج إلى مصروف عام يشمل المواصلات وبعض الحاجات الأساسية.
فإن أعطاك المال مطلقًا جاز صرفه في الحاجة، وإن خصصه بالمواصلات وجب الالتزام بما خصصه له.
خامسًا:
وإن ثبت فعلًا أن الوالد ممتنع عن النفقة الواجبة مع قدرته عليها، فللوالدة أن تطلب حقها وحق أولادها المحتاجين ممن تلزمه نفقتهم بالمعروف، ولها أن تسعى في تحصيل النفقة بالطرق المشروعة التي لا يترتب عليها كذب ولا ظلم ولا مفسدة.
وقد قالت هند بنت عتبة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:
خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ رواه البخاري ومسلم.
فهذا في النفقة الواجبة وبقدر الحاجة، لا في التحايل ولا في أخذ المال بسبب غير صحيح.
والله أعلم.