الأذكار الواردة بتحديد زمنها وصيغتها وعددها: ليس فيها قياس، وإنما تقال على ما وردت، وأما مطلق الذكر، فللعبد أن يتخير أفضل الصيغ الواردة في نصوص الوحي.
المفاضلة بين صيغ التسبيح، وهل يغني بعضها عن بعض؟
السؤال 634465
يوجد حديث: (من قال سبحان الله وبحمده مئة مرة أو زاد عليه إلى قوله لم يأتي أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به أو كما قال)، وحديث (سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته)، سؤالي هو ألا يكون الحديث الثاني لو قلته مرة واحدة كأني قلت ملايين المرات من سبحان الله وبحمده، وأفضل من قولها مفردة، يعني لو قلت سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه.... مئة مرة كان أفضل لي من قول سبحان الله وبحمده مائة مرة،لأنه يوجد حديث ٱخر لجويرية رضي الله عنها لما كانت تقول الأذكار مفردة، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد قلت بعدك أربع كلمات لو قلت ....) إلخ ، ألا يدل ذلك الحديث على أنه الذكر المضاعف أفضل إذا كان نفس الذكر؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
روى الإمام مسلم (2726) عَنْ جُوَيْرِيَةَ رضي الله عنها: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ: مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ
هذا الحديث فيه بيان أن الله يستحق أن يسبح ويحمد بمثل هذه الأعداد التي لا يتصور العبد مقدارها لشدة عظمتها، ولا يعني أن العبد قد سبح الله وحمده بمقدار هذا العدد حقيقة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
" وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأم المؤمنين جويرية: لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِه مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، سُبْحَانَ اللهِ زِنَةَ عَرْشِهِ، سُبْحَانَ اللهِ رِضَا نَفْسِهِ، سُبْحَانَ اللهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ، أخرجه مسلم في صحيحه.
فمعناه أنه سبحانه يستحق التسبيح بعدد ذلك ... ليس المراد أنه سبَّح تسبيحا بقدر ذلك.
فالمقدار تارة يكون وصفا لفعل العبد، وفعله محصور، وتارة يكون لما يستحقه الرب، فذاك الذي يَعْظُم قدرُه؛ وإلا فلو قال المصلي في صلاته: سبحان الله عدد خلقه، لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة، ولما شرع النبي صلى الله عليه وسلم أن يسبح دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ويحمد ثلاثا وثلاثين ويكبر ثلاثا وثلاثين، فلو قال: سبحان الله والحمد لله والله أكبر عدد خلقه. لم يكن قد سبح إلا مرة واحدة " انتهى. "مجموع الفتاوى" (33 / 12).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
" فإن قول المسبّح: "سبحان الله وبحمده عدد خلقه " تضمّن إنشاء وإخبارا:
تضمّن إخبارا عمّا يستحقّه الربّ من التسبيح؛ عدد كلّ مخلوق كان وهو كائن، إلى ما لا نهاية له، فتضمّن الإخبار عن تنزيهه وتعظيمه والثناء عليه، هذا العدد العظيم، الذي لا يبلغه العادّون، ولا يحصيه المحصون.
وتضمّن إنشاءَ العبد لتسبيحٍ هذا شأنُه، لا أنّ ما أتى به العبد من التسبيح هذا قدره وعدده، بل أخبر أن ما يستحقه الربّ سبحانه وتعالى من التسبيح، هو: تسبيح يبلغ هذا العدد، الذي لو كان في العدد ما يزيد لذكره، فإنّ تجدّد المخلوقات لا ينتهي عداده، ولا يحصى لحاصر " انتهى. "المنار المنيف" (ص17).
فمن قال هذا التسبيح، لم يكن قد كرر التسبيح مائة مرة، كما هو الوارد في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، أَوْ زَادَ عَلَيْهِ رواه الإمام مسلم (2692).
ثانيا:
بناء على ما سبق، نقول:
إن التسبيح الذي في حديث جويرية رضي الله عنها، لا يغني عن التسبيح الوارد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والذي قيد بأن يكون "مائة مرة"؛ فمرة من التسبيح الوارد في حديث جويرية، لا تغني عن مائة مرة من "سبحان الله وبحمده"؛ فضلا عن أن يكون ذلك بمقدار ملايين المرات، كما جاء في السؤال.
وفضائل الأذكار والتسابيح هي محض فضل وكرم من الله تعالى فلا يدخلها القياس.
قال الإمام ابن عبد البر، رحمه الله:
"وقد قلنا: إن الفضائل لا مدخل فيها للقياس والنظر؛ وإنما يقال فيها بما صح التوقيف به، والله يتفضل بما شاء من رحمته، على من يشاء من عباده". انتهى، من الاستذكار (2/ 136).
وقال أيضا:
والفضائل لا تدرك بقياس، ولا مدخل فيها للنظر، وإنما هو ما صح منها، ووقَّفَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عليها، فهو كما قال صلى الله عليه وسلم. انتهى، من التمهيد (9/ 44 ت بشار).
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
"والأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة والتعظيم والإجلال، وقصد وجه المعبود وحده، دون شيء من الحظوظ سواه، حتى تكون صورة العملين واحدة، وبينهما في الفضل ما لا يحصيه إلا الله تعالى.
وتتفاضل أيضا بتجريد المتابعة، فبين العملين من الفضل بحسب ما يتفاضلان في المتابعة، فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة، تفاضلا لا يحصيه إلا الله تعالى" انتهى. "المنار المنيف" (ص15).
لكن الذكر المطلق بهن، كأن يكون الشخص في الطريق أو في السوق ويريد أن يعمر وقته بذكر مطلق، فلا شك أن الذكر بما ورد في حديث جويرية إذا استحضر العبد معناه فإنه يذكر الله بأفضل الأذكار.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
"تفضيل "سُبحان الله وبحمده عَدد خلقه، ورِضا نَفسه، وزِنة عَرشه، ومِداد كلماته" على مجرّد الذّكر "سبحان الله" أضعافا مضاعفة، فإنّ ما يَقوم بقلب الذّاكر حين يقول: "سُبحان الله وبحمده عَدَد خلقه" من معرفته وتنزيهه وتعظيمه لله بهذا القدر المذكور من العدد، أعظم ممّا يقوم بقلب القائل: "سبحان الله" فقط.
وهذا يسمّى الذّكر المضاعف، وهو أعظم ثناءً من الذّكر المفرد؛ فلهذا كان أفضل منه، وهذا إنما يظهر بعد معرفة هذا الذّكر وفهمه" انتهى. "المنار المنيف" (ص17).
وحاصل ما سبق: أن مرة من "سبحان الله وبحمده عدد خلقه ...": لا تغني عن المائة مرة، التي ندب العبد إلى أن يقولها في كل يوم.
فإن قال بدلا من مائة مرة: "سبحان الله وبحمده"، فقط؛ مائة مرة من ذكر حديث جويرية : " .. عدد خلقه، ورضا نفسه ..": فهل هذا أفضل؟
الذي يظهر والله أعلم: أن ما في حديث جويرية، هو نوع من الذكر الوارد، وهو أتم، وأكل معنى من مجرد "سبحان الله وبحمده"، ومن قاله مائة مرة، فقد مائة مرة من حديث أبي هريرة، وزاد عليه.
وإن كان الأفضل أن ينوع في ذكره، فيأتي بهذا في وقته، وهذا في وقته، ولا يخلي يومه من هذا وذاك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :
العبادات التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم على أنواع يشرع فعلها على جميع تلك الأنواع لا يكره منها شيء ، وذلك مثل أنواع التشهدات ، وأنواع الاستفتاح ، ومثل الوتر أول الليل وآخره ، ومثل الجهر بالقراءة في قيام الليل والمخافتة ، وأنواع القراءات التي أنزل القرآن عليها ، والتكبير في العيد ، ومثل الترجيع في الأذان وتركه ، ومثل إفراد الإقامة وتثنيتها". انتهى، من " مجموع الفتاوى " ( 22 / 335 ) .
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (140759)، ورقم (532614).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟