لإدراك ثواب الخُطا إلى المسجد، هل يلزم تجديد الوضوء؟

السؤال 630425

فيه حديث: (إنَّ أحدَكُم إذا تَوضَّأ فأحسنَ الوضوءَ ثمَّ أتى المسجدَ، لا ينهزُهُ إلَّا الصَّلاةُ، لم يَخطُ خُطوةً إلَّا رفعَهُ اللَّهُ عزَّ وجلَّ بِها درجةً، وحطَّ عنهُ بِها خطيئةً حتَّى يَدخلَ المسجدَ).
هل لكل صلاة وضوء؟ ولو كنت متوضئا قبل الصلاة لسنة صليتها أو الفريضة التي قبل، هل إذا ذهبت على نفس الوضوء السابق يحصل الأجر؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

روى البخاري (477)، ومسلم (649): عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النِبيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: (صَلاةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ على صَلاتِهِ في بَيْتِهِ وَصَلاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ، وَأَتَى المَسْجِدَ، لا يُرِيدُ إلَّا الصَّلاةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بها دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَإِذا دَخَلَ المَسْجِدَ، كان فِي صَلاةٍ ما كانَتْ ‌تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي -يَعْنِي عَلَيْهِ- المَلائِكَةُ، ما دامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، ما لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ).

والخارج إلى الصلاة على طهارة، له حالتان:

الحالة الأولى:

أن يكون قد توضأ لأجل صلاةٍ حضر وقتها، لكن صلى بذلك الوضوء راتبة تلك الصلاة أو ركعتي تنفل بعد الوضوء، ففي هذه الحال يكفيه هذا الوضوء لنيل هذا الثواب ولا يشترط تجديده؛ لأنه ليس من السنة تجديد الوضوء في مثل هذا الحال ولم يأت الأمر به.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

"وقد ثبت عنه في الصحيح: (أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر. ثم قدم عليه وفد عبد القيس. فاشتغل بهم عن الركعتين بعد الظهر حتى صلى العصر ولم يحدث وضوءا).

وكان يصلي تارة الفريضة ثم النافلة. وتارة النافلة ثم الفريضة. وتارة فريضة ثم فريضة؛ كل ذلك بوضوء واحد. وكذلك المسلمون صلوا خلفه في رمضان بالليل بوضوء واحد مرات متعددة. وكان المسلمون على عهده يتوضئون ثم يصلون، ما لم يحدثوا، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. ولم ينقل عنه - لا بإسناد صحيح ولا ضعيف -: أنه أمرهم بالوضوء لكل صلاة، فالقول باستحباب هذا يحتاج إلى دليل" انتهى. "مجموع الفتاوى" (21 / 372).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

"مشروعية الوضوء أو الغسل أو التيمم عند كل صلاة، حتى وإن كنت على طهارة، فمثلا: لو توضأت لصلاة الظهر، وجاء وقت العصر وأنت على طهارتك، نقول: الأفضل أن تتوضأ، لقوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ و"أل" هذه للعموم.

ولم أعلم أن أحدا من الناس قال: إنه يشرع إذا قام لكل صلاة، موالية للأخرى، كما لو كان يصلي الليل ركعتين ركعتين، كلما فرغ من ركعتين ذهب وتوضأ، ولكن فيما بين الأوقات نعم، فقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه يشرع للإنسان إذا دخل وقت الصلاة الأخرى أن يجدد الوضوء، ولو كان على طهارة" انتهى. "تفسير سورة المائدة" (1 / 99 - 100).

ولمزيد الفائدة طالع جواب السؤال رقم: (239934).

الحالة الثانية:

أن يكون قد توضأ لسّنة مستقلة كالضحى مثلا، ثم حضرت صلاة الظهر، أو توضأ للظهر وصلى، ثم حضرت صلاة العصر، ففي هذه الحال يستحب تجديد الوضوء لحديث أَنَسٍ، قالَ: (كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ. قُلْتُ: كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ قالَ: يُجْزِئُ أَحَدَنا الوُضُوءُ ما لَمْ يُحْدِثْ) رواه البخاري (214).

لكن إذا كان المسلم على طهارة مثلا من صلاة الظهر، هل يشترط لإدراك ثواب الخطا إلى المسجد أن يعيد الوضوء قبل الخروج إلى صلاة العصر؟

الأظهر، والله أعلم؛ هو عدم اشتراط تجديد الوضوء، فالمقصود من الوضوء في البيت أن لا يخرج إلى الصلاة إلا على طهارة؛ لأن الخارج من بيته إلى الصلاة هو في حكم المصلي فيستحب أن يكون على طهارة.

قال الإمام ابن دقيق العيد، رحمه الله:

«قد قدمنا أن الأوصاف التي يمكن اعتبارها لا تلغى. فلينظر الأوصاف المذكورة في الحديث، وما يمكن أن يجعل معتبرا منها وما لا.

أما وصف الرجولية: فحيث يندب للمرأة الخروج إلى المسجد، ينبغي أن تتساوى مع الرجل، لأن وصف الرجولية بالنسبة إلى ثواب الأعمال غير معتبر شرعا.

وأما الوضوء في البيت: فوصف كونه في البيت: غير داخل في التعليل.

وأما الوضوء: فمعتبر؛ للمناسبة.

لكن: هل المقصود منه مجرد كونه طاهرا، أو فعل الطهارة؟

فيه نظر. ويترجح الثاني بأن تجديد الوضوء مستحب.

لكن الأظهر: أن قوله صلى الله عليه وسلم "إذا توضأ": لا يتقيد بالفعل، وإنما خرج مخرج الغلبة، أو ضرب المثال.

وأما إحسان الوضوء: فلا بد من اعتباره. وبه يستدل على أن المراد فعل الطهارة. لكن يبقى ما قلناه: من خروجه مخرج الغالب، أو ضرب المثال». انتهى، من إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 192).

وهذا هو الذي يفهم من قول ابن رجب رحمه الله تعالى:

"وهذا المطلق – ثواب الخطا إلى المسجد - قد ورد مقيدا في حديث أَبي صالح، عن أَبي هريرةَ الّذي خرجه البخاري فيما مضى.

وسيأتي بقيدين:

أحدهما: أن يخرج من بيته على طهر، قد أحسنه وأكمله.

والثاني: أن لا يخرج إلا إلى الصلاة في المسجد، فلو خرج لحاجة له وكان المسجد في طريقه فدخل المسجد فصلى ولم يكن خروجه لذلك لم يحصل له هذا الأجر الخاص.

وكذلك لو خرج من بيته غير متطهر، لكنه يكتب له بذلك أجر، غير أن هذا الأجر الخاص - وهو رفع الدرجات وتكفير السيئات - لا يحصل بذلك..." انتهى. "فتح الباري" (6 / 32).

وهذا شبيه بقول الله تعالى:

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) المائدة (6).

فقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الآية ليس على عمومها، بل المخاطب بها القائم إلى الصلاة وهو محدث غير متطهر، أما من هو على طهارة سابقة فلا يجب عليه الوضوء عند قيامه إلى الصلاة.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

"قال كثيرون من السلف في قوله: ‌إِذَا ‌قُمْتُمْ ‌إِلَى ‌الصَّلَاةِ يعني: وأنتم محدثون، وقال آخرون: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وكلاهما قريب.

وقال آخرون: بل المعنى أعم من ذلك، فالآية آمرة بالوضوء عند القيام إلى الصلاة، ولكن هو في حق المحدث واجب، وفي حق المتطهر ندب ..." انتهى. "تفسير ابن كثير" (3 / 332).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (487558).

الخلاصة:

من توضأ للخروج إلى الصلاة وصلى ركعتين بعد الوضوء أو راتبة الصلاة، فلا يسن له تجديد الوضوء.

وأما إن كان قد صلى به فريضة، ثم حضر وقت فريضة أخرى ولم يحدث، فيستحب له تجديد الوضوء، وإن خرج إلى الصلاة بنفس الوضوء فلا حرج، ويرجى له أن يدرك أجر خطواته من تكفير للخطيئات ورفع للدرجات؛ لأن المقصود من الوضوء في البيت أن يخرج على طهارة، وهو قد خرج متطهرا.

والله أعلم.

المراجع

شروح الأحاديث

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android