لا يصح النكاح الشرعي إلا بعقد وليها الأصلي أو وكيله. وإذا لم يمكن تصحيح اسمها فلتجعل عقدين للنكاح عقد شرعي باسمها الحقيقي وعقد نكاح آخر للنظام، ولا علاقة لصحة نكاح المتبنَّاة بتصحيح اسمها.
كيف يكون عقد زواج المرأة المتبنَّاة؟ ومن هو وليُّها؟
السؤال 630148
امرأة قد تعرضت للتبني منذ ولادتها، ورضعت من الأم المتبنية، وكلا الأهلين مسلمين، ولكنهم اتبعوا عادة قديمة تحت ضغط المجتمع، فأعطوا ابنتهم لعائلة أخرى ليس لديهم القدرة على الولادة، وعاشت حياتها بأكملها مع الأهل المتبنيين، وليس لها علاقة مع الأهل الأصليين، ولكنها اكتشفت أنها متبناة بعد أن وصلت لمرحلة البلوغ، فهل تكون الولاية لوالدها الأصلي الذي أعطاها للتبني، أم تنتقل الولاية للأهل المتبنين؟
وفي حال كانت الولاية لوالدها الأصلي، فهل يجوز الزواج منها، وهي متبناة من دون تغيير اسمها المنسوب إلى الأب المتبني إلى اسمها الحقيقي المنسوب لوالدها الحقيقي، مع موافقة ولي الأمر؟ إذ إن تغيير الاسم إجراء قانوني طويل جداً، وقد يتسبب بخسارة العمل، ومصدر الدخل، وجميع الممتلكات، وقد يستمر الإجراء لسنين طويلة، وبالأخص أنها مسؤولة عن أهلها.
نرجوا توضيح الإجراء الصحيح لتفادي النكاح الباطل والزنا، والعياذ بالله.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
أول ما يتوجب عليها فعله هو تصحيح نسبها ، فلا يجوز لها الانتساب إلى هذه الأسرة التي قامت برعايتها وتربيتها، فإن انتساب الإنسان إلى غير أبويه من كبائر الذنوب ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ ، فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ) رواه البخاري (6766)، ومسلم (114) .
وقال : (مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا ، وَلَا عَدْلًا ) رواه مسلم (466) .
روى البخاري (3508)، ومسلم (61) عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ، وَهُوَ يَعْلَمُهُ: إِلا كَفَرَ، وَمَنْ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ [ أي : نسب] : فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ).
فلا يجوز لأحد أن ينتسب إلى غير أبيه الحقيقي وهو يعلم؛ لقوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الأحزاب/ 5.
ولما يترتب على النسب من أحكام كالإرث، والمحرمية، والولاية وغير ذلك.
انظر: إجابة رقم: (282640)، (219664).
ثانيًا:
لا شك أن الولاية لوالدها الأصلي .
قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (7/7):
"النكاح لا يصح إلا بولي، ولا تملك المرأة تزويج نفسها ولا غيرها، ولا توكيل غير وليها في تزويجها. فإن فعلت، لم يصح النكاح. روي هذا عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة - رضي الله عنهم -. وإليه ذهب سعيد بن المسيب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والثوري، وابن أبي ليلى وابن شبرمة، وابن المبارك، وعبيد الله العنبري، والشافعي، وإسحاق، وأبو عبيد" انتهى.
وقال: "وأحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها. والولد موهوب لأبيه، قال الله تعالى: وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ [الأنبياء/90] ... وقال - صلى الله عليه وسلم -: أنت ومالك لأبيك ".
وولي المرأة هو : أبوها ، ثم أبوه ، ثم ابنها ثم ابنه (هذا إن كان لها ولد) ، ثم أخوها لأبيها وأمها ، ثم أخوها لأبيها فقط ، ثم أبناء الإخوة ، ثم أعمامها ، ثم أبناؤهم ، ثم السلطان.
انظر: "المغني" لابن قدامة (7/ 13) وما بعدها.
ثالثًا:
يجب تصحيح الوضع في الأوراق الرسمية ، لأن بقاء الوضع على ما هو عليه يعني قطع صلتها بعائلتها ، واتصالها بعائلة أخرى ، مما يترتب عليه أخطاء جسيمة في الميراث والمحرمية، وصلة الرحم ، فهي قد قطعت رحمها ، ووصلت رحما لا علاقة لها بها. ثم سيستمر الوضع على هذا بالنسبة لأولادها .
وتصحيح الوضع هو جزء من التوبة الواجبة على جميع من شارك في هذا المنكر.
رابعًا:
يشترط لصحة النكاح أن يعقده الولي (أبوها الأصلي)، أو وكيله إن شاء أن يوكل أحدًا عنه؛ لقوله قوله صلى الله عليه وسلم: (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) رواه البيهقي من حديث عمران وعائشة، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" برقم (7557).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل ، فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له) رواه أحمد (24417)، وأبو داود (2083)، والترمذي (1102)، وصححه الألباني في "صحيح الجامع" برقم: (2709).
قال الترمذي رحمه الله : " والعمل في هذا الباب على حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا نكاح إلا بوليّ ) عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم عمر بن الخطاب ، وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأبو هريرة وغيرهم " انتهى .
وانظر: إجابة رقم: (126430)، (417082).
خامسًا:
الذي يقرر أنه لا يمكن أن تغير اسمها هم أهل الخبرة والمعرفة بالنظام، وليس مجرد الظنون أو التوهمات، أو الاسترواح إلى إبقاء ما كان على ما كان، والراحة من اللف والتعب والكد؛ فهذا كله من تسويل الشيطان، لإبقاء الأمر الباطل على ما هو من البطلان.
فإذا كان لا يمكن ذلك، أو سيحصل ضرر بالغ عند تغيير الاسم (وهذا محل نظر) فلا يلزمها التغيير؛ لأن الضرر لا يزال بالضرر، ولكن يلزمها أن تُشيع بين المحيطين بها حقيقةَ نسبها، وانتفاء الصلة بينها وبين من نُسبت إليه في الأوراق، منعاً لاختلاط النسب، واختلاط الأحكام، من المحرمية، والتوارث، فيما يخصها، ويخص أولادها من بعدها.
ينظر: إجابة رقم: (282640).
سادسًا:
إذا لم يمكن تصحيح اسمها فلتجعل عقدين للنكاح عقدا شرعيا باسمها الحقيقي، ولو كان هو العقد الشرعي الشفوي الذي يعتاد في المساجد والمجالس.
ثم لا بأس أن تسجل الأوراق النظامية بالاسم الذي تحمله في أوراقها الثبوتية.
ولا علاقة لصحة نكاح المتبنَّاة بتصحيح اسمها أو عدمه؛ لأن شروط النكاح التي يتوقف عليها صحته : تعيين الزوجين ، والإيجاب من ولي الزوجة ، والقبول من الزوج ، والرضا من الزوجة ، ووجود الشهود أو إعلان النكاح ، والخلو من الموانع .
وكون اسم الراغبة بالزواج قد نُسبت إلى من تبنَّاها، لا يتعارض مع أي شرط من شروط النكاح؛ فإن المطلوب تعيينها هي في النكاح؛ أنها هي هذا الشخص المعين ، بغض النظر عن اسم أبيها ، أو اسم عائلتها ؛ بل حتى لو غيرت اسمها بعد النكاح ، فلا تأثر للنكاح بذلك ، لأن المقصود في النكاح هو الشخص المسمى ، لا لفظ الاسم.
وانظر – للأهمية – جواب السؤال رقم: (104588) ففيه شرح شرط " تعيين الزوجين " ، وفيه بيان عدم تأثير الاسم المزوَّر على صحة النكاح .
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم:(160909)، ورقم:(260677).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟