كيف نفهم قوله تعالى: (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) مع ثبوت الخوف عن بعضهم؟

السؤال 622992

كيف نجمع بين قول الله تعالى (إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ) النمل/ ١٠، وبين قوله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) البقرة/ ١٥٥، فهل الابتلاء بالخوف مختلف عن الخوف المقصود؟
وبين قوله تعالى (فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ) الشعراء/ ٢١، وبين قوله تعالى (رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى) طه/ ٤٥، وبين قوله - تعالى - (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) المؤمنون/ ٦٠/، فهل معنى الخوف يختلف باختلاف الموضع المذكور؟

ملخص الجواب

المراد بقوله تعالى: إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ أي: لا يخافون عند تلقي الوحي. وليس نفي جميع أنواع الخوف مطلقًا.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى لَدَيَّ في قوله تعالى: إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (النمل/10) أي: لا يخافون عند تلقي الوحي.

قال الكرماني رحمه الله:

"قوله: لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ، أي، في الموضعِ الذي يُوحي فيه إليهم؛ لأنَّ المرسلينَ أخوفُ مِن الله". انتهى من "تفسير الكرماني" (2/843).

وقال الشوكاني رحمه الله:

"إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ أي: لا يَخافُ عِنْدي مَنْ أرسَلْتُه برِسالَتي، فلا تَخَفْ أنت.

قِيلَ: ونَفْيُ الخوفِ عن المرسلينَ ليسَ فِي جميعِ الأوقاتِ، بل في وقتِ الخطابِ لهم، لأنَّهم إذْ ذاكَ مُستغرقونَ". انتهى من "فتح القدير" (4/147).

وقال ابن عاشور رحمه الله:

"ومعنى (لدي) في حضرتي، أي حين تلقي رسالتي" انتهى من "التحرير والتنوير" (19/229).

وقال البقاعي رحمه الله: "وهي وقت الوحي ومكانه" "نظم الدرر" (14/ 135).

قال الألوسي في "روح المعاني" (10/ 159):

"والمراد من (لَدَيَّ): في حضرة القرب مني، وذلك حين الوحي.

والمعنى: أن الشأن: لا ينبغي للمرسلين أن يخافوا حين الوحي إليهم، بل لا يخطر ببالهم الخوف، وإن وجد ما يُخاف منه، لفرط استغراقهم إلى تلقي الأوامر، وانجذاب أرواحهم إلى عالم الملكوت.

والتقييد بـ(لديّ): لأن المرسلين في سائر الأحيان أخوف الناس من الله عز وجل، فقد قال تعالى: (إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) [فاطر: 28]؛ ولا أعلم منهم بالله تعالى شأنه.

وقيل: المعنى لا تخف من غيري، أو لا تخف مطلقا؛ فإن الذي ينبغي أن يخاف منه أمثالك المرسلون: إنما هو سوء العاقبة، وأن الشأن لا يكون للمرسلين عندي سوء عاقبة ليخافوا منه" انتهى.

وذهب بعض المفسرين إلى أن المعنى: إذا أمَّنهم الله فلا يخافون.

قال البغوي رحمه الله:

"(يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ)، يريدُ: إذا آمَنهم، لا يخافونَ، أمَّا الخوفُ الذي هو شرطُ الإيمانِ فلا يفارقُهم". انتهى من "تفسير البغوي" (6/ 146)

وممن قال بذلك:

السمعاني في تفسيره (4/79)، والعليمي في تفسيره (5/116).

قال الواحدي رحمه الله في "التفسير البسيط" (17/ 172):

"قال ابن عباس: لا يخاف عندي من أرسلته برسالتي. والمعنى: لا يُخيف الله الأنبياء، أي: إذا أمنهم، فلا يخافونه، فيكف يخاف الحية، فنهى عن الخوف من الحية، ونبه على أمن المرسلين عند الله، ليعلم أن من أمنه الله من عذابه، بالنبوة ودرجة الرسالة: لا يستحق أن يخاف الحية" انتهى.

وما نسبه عن ابن عباس جاء عن قتادة عند "تفسير ابن أبي حاتم" (9/2849): قَوْلُهُ: (لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ): أَيْ: عِنْدِي الْمُرْسَلُونَ" انتهى.

ثانيًا:

الجمع بين هذه الآية والآيات التي فيها ذكر الخوف:

قال الله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ (البقرة/155).

وقال تعالى على لسان موسى عليه السلام: فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ (الشعراء/21).

وقال تعالى: قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (طه/45).

وقال تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ (المؤمنون/60).

الجمع بين هذه الآيات: أن الخوف المذكور فيها ليس نوعًا واحدًا، بل يختلف باختلاف السياق:

1. خوف الابتلاء:

وهو الخوف الذي يبتلي الله به عباده، كما في قوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ (البقرة/155).

2. الخوف البشري الطبيعي؛ كما في قول موسى عليه السلام: فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ (الشعراء/21).

ومنه خوف موسى وهارون عليهما السلام الاحترازي في تبليغ الرسالة؛ كما في قوله تعالى: قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (طه/45).

3. خوف الخشية والوجل من الله؛ كما في قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ (المؤمنون/60).

أما قوله تعالى: إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (النمل/10)

فالمراد به – كما قال المفسرون – نفي الخوف أي: لا يخافون عند تلقي الوحي. وليس نفي جميع أنواع الخوف مطلقًا. وقد سبق نقل كلام المفسرين في هذه الآية، بما لا ينافي ما ذكر في الآيات الأخرى من وقوع الخوف بهم، أو منهم.

والله أعلم.

المراجع

تفسير القرآن

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android