كيف نجمع بين اختلاف الأحاديث في ترتيب كبائر الذنوب؟

السؤال 622272

كيفية الجمع بين أحاديث ترتيب الذنوب، ورد حديثان، الأول ترتيب الذنوب فيه.
١-شرك بالله
٢-عقوق الوالدين
٣- شهادة الزور
و الحديث الآخر:
١- شرك بالله
٢- قتل ولدك كي لا يطعم معك
٣- الزنا بحليلة جارك؟

ملخص الجواب

لا تعارض بين الحديثين، فحديث ابن مسعود هو نص في الترتيب بين هذه الكبائر في العظم، وأما حديث أنس وغيره، فليست نصا في الترتيب وإنما فيها ذكر لأصناف من الكبائر من غير نص على ترتيبها.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

ذكر الكبائر: الشرك ثم القتل ثم الزنا.

ورد في حديث عَبْدِ اللَّه ابْن مَسْعُودٍ رضي الله عنه قالَ: سَأَلْتُ -أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ؟ قالَ: (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ).

قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟

قالَ: (ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ).

قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟

قالَ: (ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ ‌بِحَلِيلَةِ جَارِكَ).

قالَ: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ.

رواه البخاري (4761)، ومسلم (86).

وهذا الحديث نص في ترتيب هذه الكبائر على هذا الوجه. فهذه الكبائر وردت معطوفة بحرف العطف "ثم"، وهو يفيد الترتيب في الأصح عند أكثر أهل العلم.

قال علاء الدين المرداوي رحمه الله تعالى في "شرح التحرير":

"قوله: و " ثم " للتشريك في الأصح، وللترتيب بمهملة عند الأربعة وغيرهم، وقيل: كالواو ... ...

قوله: (وللترتيب).

هذا الصحيح الذي عليه الأكثر، وقطعوا به ..." انتهى "التحبير شرح التحرير" (2 / 620 - 621).

ولذلك صرح أهل العلم بترتيب الكبائر المذكورة، على مقتضى هذا الحديث.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وترتيب الكبائر ثابت في الكتاب والسنة، كما في الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت يا رسول أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ … ).

ولهذا قال الفقهاء: أكبر الكبائر الكفر، ثم قتل النفس بغير حق، ثم الزنا...

وهذا كما ذكرنا أن الظلم ثلاث مراتب: الشرك، ثم الظلم للخلق، ثم ظلم النفس.

فالقتل من ظلم الخلق، فإذا كان قتلا للولد الذي هو بعضه منك، كان فيه الظلمان.

والزنا هو من ظلم النفس، لكن إذا كان بحليلة الجار صار فيه الظلمان أيضا.

لكن المغلب في القتل ظلم الغير، والظلم في الزنا ظلم النفس" انتهى "الاستقامة" (1/ 468).

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:

"قال الإِمام أحمد: لا أعلم بعد القتل ذنبا أعظم من الزنى، واحتجّ بحديث عبد الله بن مسعود أنه قال: (يا رسول الله أيّ الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله نِدًّا وهو خَلَقَك" قال: قلتُ: ثمّ أيّ؟…).

والنبي صلى الله عليه وسلم ذكر من كل نوعٍ أعلاه، ليطابق جوابُه سؤالَ السائل، فإنه سأله عن أعظم الذنب، فأجابه بما تضمّن ذكرَ أعظمِ أنواعها، وما هو أعظم كل نوع" انتهى. "الداء والدواء" (ص261).

ثانيا:

حديث: (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، ‌وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ): رواه البخاري (2653)، ومسلم (88): عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عن الْكَبَائِرِ، قالَ: (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، ‌وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ).

وهذا الحديث لا يتعارض مع الترتيب السابق في حديث ابن مسعود؛ لأن العطف في هذا الحديث بالواو وهي لا تفيد الترتيب، وإنما تفيد مطلق الاشتراك بين هذه الأمور في وصف الذنب بأنه: كبير، وعظيم عند الله.

قال صفي الدين الهندي رحمه الله تعالى:

"في الحروف العاطفة:

الواو: ولنبدأ بـ "الواو" منها، فإنها أصل الباب. فنقول:

اتفق الأكثرون من الأدباء والفقهاء على أنها لمطلق الجمع، من غير أشعار بالترتيب والمعية، ونص سيبويه عليه في مواضع من كتابه" انتهى. "نهاية الوصول في دراية الأصول" (2/401).

ولهذا قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، معلقا على حديث ابن مسعود السابق:

" والّذي يظهر أنّ كلّا من الثّلاثة على ترتيبها في العظم، ولو جاز أن يكون فيما لم يذكره شيء يتّصف بكونه أعظم منها، لما طابق الجواب السّؤال ... 

وأمّا ما مضى في كتاب الأدب من عدّ عقوق الوالدين في أكبر الكبائر لكنّها ذكرت بالواو، فيجوز أن تكون رتبة رابعة، وهي أكبر ممّا دونها" انتهى. "فتح الباري" (12/ 116 – 117).

والله أعلم.

المراجع

شروح الأحاديث

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android