هل صحيح أن الحور العين خُلِقْن من الزَّعْفران؟

السؤال 612851

قال: (الحور العين خلقن من الزعفران) هل هذا الأثر صحيح، أم لا؟ وهل نؤمن به أم لا؟

ملخص الجواب

خبر: (الحُورُ العِينُ خُلِقْنَ مِنَ الزَّعْفَرَانَ) لا يصح إسناده إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والأرجح أنه من كلام مجاهد رحمه الله تعالى، ولا نعلم عمّن أخذه.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

هذا الخبر ورد مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لكن من طرق لا تصح.

* فورد من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:

رواه ابن الأعرابي "المعجم" (1/ 159 - 160)، وابن المقرئ "المعجم" (ص295)، والبيهقي في "البعث والنشور" (ص603 - 604)، وغيرهم:

عن الحَاِرث بن خَلِيفَةَ أبي العَلَاءِ المُؤَدِّب، حدثنا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (الحُورُ العِينُ خُلِقْنَ مِنَ الزَّعْفَرَانَ).

ومدار هذا الإسناد على الحارث ‌بن ‌خليفة، وهو مجهول، "المغني في الضعفاء" (1 / 140).

وقال البيهقي رحمه الله تعالى:

"وهذا منكر بهذا الإسناد، لا يصح عن ابن عُليَّة" انتهى. "البعث والنشور" (ص 604).

وورد عن أنس أيضا من طريق آخر، رواه أبو نعيم في "صفة الجنة" (2 / 218)، قال: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الطُّوسِيُّ، بِمَكَّةَ، ثنا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَّانِيُّ، ثنا مَنْصُورُ بْنُ الْمُهَاجِرِ الْوَاسِطِيُّ، ثنا أَبُو النَّصْرِ الْأَبَّارُ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: ( لَوْ أَنَّ حَوْرَاءَ بَصَقَتْ فِي سَبْعَةِ أَبْحُرٍ لَعَذُبَتِ الْبِحَارُ مِنْ عُذُوبَةِ رِيقِهَا، وَيُخْلَقُ الْحَوْرَاءُ مِنَ ‌الزَّعْفَرَانِ).

وهذا إسناد لا يصح؛ لجهالة حال منصور بن المهاجر.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"منصور ‌بن ‌المُهاجِر الواسطيُّ ...: مستور" انتهى. "تقريب التهذيب" (ص 547).

وكذا لم نجد ترجمة لأبي النصر الأبار الراوي عن أنس؛ إلا أن يكون المقصود به خيثمة بن أبي خيثمة.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

"أبو نصر، عن أنس، وعنه عوف.

هو: ‌خَيْثمة ‌بن ‌أبي ‌خَيْثمة البصريّ" انتهى. "التكميل في الجرح والتعديل" (3 / 471).

وقد ضُعّف هذا.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

"خيثمة ‌بن ‌أبي ‌خيثمة: عن أنس وغيره.

قال ابن معين: ليس بشيء" انتهى. "المغني في الضعفاء" (1 / 215).

* وورد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه:

رواه الطبراني في "المعجم الكبير" (8 / 200)، ومن طريقه أبو نعيم في "صفة الجنة" (2 / 216): عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زَحْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (خَلَقَ اللهُ الْحُورَ الْعِينَ ‌مِنَ ‌الزَّعْفَرَانِ).

وإسناده ضعيف جدا.

قال الهيثمي رحمه الله تعالى:

"رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفي إسنادهما ضعفاء" انتهى. "مجمع الزوائد" (10 / 419).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

"وقال ابن حبان: يروي [عبيد الله بن زحر] الموضوعات عن الأثبات، فإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر عبيد الله بن زحر، وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن، لم يكن متن ذلك الخبر إلا مما عملته أيديهم. انتهى.

وليس في الثلاثة من اتهم إلا علي بن يزيد، وأما الآخران، فهما ‌في ‌الأصل ‌صدوقان، وإن كانا يخطئان، ولم يخرج البخاري من رواية ابن زحر عن علي بن يزيد شيئا" انتهى. "تهذيب التهذيب" (3 / 10).

وورد بإسناد آخر من حديث أبي أمامة أيضا:

رواه الطبراني في "المعجم الأوسط " (1 / 94 – 95)، ومن طريقه أبو نعيم في "صفة الجنة" (2 / 217)، وغيرهما: عن أَحْمَد بْن رِشْدِينَ، حدثنا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هَارُونَ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ابْنُ بِنْتِ اللَّيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ بِنْتُ يُونُسَ، امْرَأَةُ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: (خُلِقَ الْحُورُ الْعِينُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ).

وهو غريب تفرد به علي بن الحسن، عن ليث ابن بنت الليث، عن امرأة الليث، ولم نجد توثيقا لهم.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

"وهذا حديث غريب.

وقد رُوي مثل هذا عن ابن عبّاس وغيره من الصّحابة والتّابعين؛ من قولهم" انتهى. "البداية والنهاية" (20 / 344).

وقال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:

" وقال الطبراني: لا يروى إلا بهذا الإسناد، تفرد به علي بن الحسن بن هارون.

قلت: ولم أعرفه، وقد خولف في سنده، فقال أبو بكر الشافعي في "الفوائد" (69 / 1): حدثنا محمد بن أحمد بن الوليد: أخبرنا محمد بن عيسى الطباع، عن عائشة بنت يونس بسندها المذكور، عن مجاهد من قوله.

قلت: وهذا أصح من الذي قبله؛ فإن الطباع ثقة من رجال مسلم، ومحمد ابن أحمد بن الوليد ثقة أيضا مترجم في "تاريخ بغداد" (1 / 367-368) .

على أن مدار الإسنادين - المرفوع والمقطوع - على عائشة بنت يونس، ولم أجد من ذكرها، عن زوجها ليث بن أبي سليم، وكان قد اختلط" انتهى. "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (8 / 32).

* وقد روي عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس من قوله:

رواه البيهقي في "البعث والنشور" (ص603): عن عبد اللهِ بن زِيَادٍ، عن لَيْثِ بنِ أبي سُلَيْم، عن مُجَاهِدٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، قال: (خُلِقْنَ الحُورُ العِينُ من الزَّعْفَرَانَ).

وقد خولف عبد الله بن زياد، فرواه غيره عن ليث عن مجاهد من قوله:

فقد رواه ابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (ص208)، قال: حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ جَبَلَةَ.

والطبري في "التفسير" (22 / 303)، وابن حبان في"الثقات" (8 / 528)، والبيهقي في "البعث والنشور" (ص603)، بأسانيدهم: عن عائشة بنت يُونُس بنِ عِمْرَان امرأة ليثٍ.

وابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (ص 243)، والطبري في "التفسير" (22/ 304)، بإسناديهما: عن عمرو بن سعدٍ.

ثلاثتهم (عطاء، وامرأة ليث، وعمرو بن سعد)، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: (الْحُورُ الْعِينِ ‌خُلِقْنَ ‌مِنَ ‌الزَّعْفَرَانِ).

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

"وقد رواه إسحاق بن راهويه، عن عائشة بنت يونس قالت: سمعتُ زوجي ليث بن أبي سُليم يحدِّث عن مجاهد، فذكره موقوفا عليه، وهو أشبه بالصواب" انتهى. "حادي الأرواح" (1 / 508).

فالظاهر أن هذا الخبر من التفسير الذي أخذه ليث عن مجاهد، ومجاهد ربما روى بعض أخبار بني إسرائيل.

روى ابن سعد في "الطبقات الكبير" (8 / 28)، قال: أخبرنا أبو بكر بن عيّاش، قال: "قلتُ للأعمش ما لهم ‌يتّقون ‌تفسير ‌مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنّه يسأل أهل الكتاب".

وورد الخبر من كلام أبي سلمة بن عبد الرحمن:

رواه ابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (ص208)، قال: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حدثنا مَنْصُورُ بْنُ عَمَّارٍ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: (مَا مِنْ غُدْوَةٍ مِنْ غُدُوَاتِ الْجَنَّةِ - قِيلَ: وَلِلْجَنَّةِ غُدُوَاتٌ؟ قَالَ: نَعَمْ - إِلَّا يُزَفُّ إِلَى وَلِيِّ اللَّهِ فِيهَا عَرُوسٌ، لَمْ يَلِدْهَا آدَمُ وَلَا حَوَّاءُ، إِنَّمَا هِيَ إِنْشَاءٌ خُلِقَتْ مِنْ زَعْفَرَانٍ).

وهذا إسناد ضعيف، فمنصور بن عمار مروياته متكلم فيها.

قال ابن عدي رحمه الله تعالى:

"منصور بن عمار، أَبو السري: منكر الحديث" انتهى. "الكامل" (9 / 651).

وقال الذهبي رحمه الله تعالى:

"منصور ‌بن ‌عمار القاص: له ما ينكر، وقال العقيلي: فيه تجهم. وقال الدارقطني: يروي عن ضعفاء، وله أحاديث لا يتابع عليها" انتهى. "المغني في الضعفاء" (2 / 678).

وشيخه محمد بن زيد لا نعلم من المقصود به.

قال ابن عدي رحمه الله تعالى:

"وغير ابن لهيعة الّذي يروي عنه منصور ليس بالمشهور، وأرجو أنّه مع مواعظه الحسنة لا يتعمد الكذب، وإنكار ما يرويه لعله من جهة غيره" انتهى. "الكامل" (9 / 655).

فالحاصل؛ أنه لم يثبت أن الحور العين يخلقن من الزعفران، ولم نقف على أصل خلقهن في خبر صحيح، والأمر كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

"‌ ‌وبكلّ ‌حال؛ ‌فهنّ ‌من ‌المنشآت ‌في ‌الجنّة، ‌لسْنَ ‌مولودات ‌بين ‌الآباء ‌والأمهات، ‌واللَّهُ ‌أعلم" انتهى. "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح" (1 / 509).

ويكفي في معرفة علو درجة جمالهن، ما ورد في حديث أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا -يَعْنِي الْخِمَارَ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) رواه البخاري (6568).

والله أعلم.

المراجع

الأحاديث الضعيفة
الجنة والنار

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android