من حلف أيمانا وحنث ولم يكفّر حتى مات، مع قدرته على الكفارة ولو بالصيام، فإنه يأثم بذلك، ولا يكفر ولا يكون منافقا، ويلزم الورثة إخراج الكفارات من تركته، وآية التوبة هي فيمن عاهد الله ولم يف، وليست فيمن حلف وحنث ولم يكفّر.
هل الحنث في الايمان دون كفارة من علامات النفاق؟
السؤال 612819
هل الحنث المتكرر في الأيمان (كقول "والله" في أمور مستقبلية) على مدار حياة المرء، دون أن يتوب أو يؤدي أي كفارة عنها، مع عدم إخراج الكفارة نيابةً عنه بعد وفاته، يُعدُّ أمراً قد يعرّضه لخطر الموت على النفاق الأكبر المُخرِج من ملة الإسلام؟ وهل يترتب على ذلك أي خطر على الإطلاق؟
هل الآيات الكريمة من ٧٥ إلى ٧٧ من سورة التوبة، والتي تذكر النفاق في القلب، خاصةٌ بالعهود والمواثيق، ولا تشمل الأيمان (جمع يمين)؟ أرجو الإجابة على هذا السؤال بشكل مباشر.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
من حلف على أمر مستقبل أن يفعله أو ألا يفعله، فهذه اليمين المنعقدة، التي إن حنث فيها لزمته الكفارة.
قال تعالى: (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) المائدة/89
قال المرداوي رحمه الله في الإنصاف (11/ 15): "اليمين: منعقدة، وهي اليمين التي يمكن فيها البر والحنث، وذلك: الحلف على مستقبل ممكن" انتهى.
وقال في (11/ 20): " (وإن سبقت اليمين على لسانه من غير قصد إليها كقوله): (لا والله) و (بلى والله) في عُرض حديثه: (فلا كفارة عليه) " انتهى.
ومن حنث في أيمانه ولم يكفّر حتى مات، مع قدرته على الكفارة ولو بالصيام فإنه يأثم بذلك؛ لأن إخراج الكفارة واجب على الفور كما هو قول جمهور الفقهاء، وينظر: جواب السؤال رقم (220190)
وتكون الكفارات دينا عليه يجب إخراجها من تركته إن كان له تركة.
والجمهور على أن من حلف أيمانا ولم يكفر عنها، ففيها تفصيل:
1 - فإن كانت على شيء واحد، فتكفيه كفارة واحدة.
2 - وإن كانت على أشياء مختلفة، كأن حلف لا يأكل، ولا يلبس، ولا يكلم فلانا، فلكل نوع كفارة.
لأنها أيمان على أفعال مختلفة، لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى، فلم تتداخل.
وينظر جواب السؤال رقم (103424).
وعلى هذا فيلزم الورثة أن يخرجوا من التركة كفارات الأيمان التي حنث فيها، فإن لم تكف تركته فلا يلزمهم إخراج شيء من أموالهم ، ولكن الأفضل لهم أن يخرجوا الكفارات إحسانا منهم إلى ميتهم .
وينظر: جواب السؤال رقم (227726)
ثانيا:
من حنث في أيمانه ولم يكفر عنها، ثم مات، فلا يقال: إنه مات على النفاق الأكبر المُخرِج من ملة الإسلام؛ لعدم ما يدل على ذلك، بل هو مسلم عاص، لتركه إخراج الكفارة الواجبة على الفور كما تقدم.
ثالثا:
قال الله تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ* فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ*فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) التوبة/ 75 - 77
وهذه في شأن من عاهد الله ولم يوفّ، وليست فيمن حلف ولم يكفّر.
قال السعدي رحمه الله في تفسيره، ص345: " أي: ومن هؤلاء المنافقين من أعطى الله عهده وميثاقه لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ من الدنيا فبسطها لنا ووسعها لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فنصل الرحم، ونقري الضيف، ونعين على نوائب الحق، ونفعل الأفعال الحسنة الصالحة.
فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ لم يفوا بما قالوا، بل بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا عن الطاعة والانقياد وَهُمْ مُعْرِضُونَ أي: غير ملتفتين إلى الخير.
فلما لم يفوا بما عاهدوا الله عليه، عاقبهم فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ مستمرا إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ
فليحذر المؤمن من هذا الوصف الشنيع، أن يعاهد ربه، إن حصل مقصوده الفلاني ليفعلن كذا وكذا، ثم لا يفي بذلك، فإنه ربما عاقبه الله بالنفاق، كما عاقب هؤلاء.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت في الصحيحين: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف"
فهذا المنافق الذي وعد الله وعاهده، لئن أعطاه الله من فضله، ليصدقن وليكونن من الصالحين، حدث فكذب، وعاهد فغدر، ووعد فأخلف.
ولهذا توعد من صدر منهم هذا الصنيع، بقوله: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلامُ الْغُيُوبِ وسيجازيهم على ما عملوا من الأعمال التي يعلمها الله تعالى" انتهى.
وينبغي أن يعلم أن النفاق نوعان:
1-أكبر، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وهذا الذي يخلد صاحبه في النار.
2-أصغر، وهو النفاق العملي، وحمل عليه حديث: (آية المنافق ثلاث) فلا يكفر الإنسان بكذبه وإخلاف وعده وخيانته، لكن يخشى أن يقوده النفاق الأصغر إلى الأكبر، كما أن المعاصي قد تؤدي بصاحبها إلى الكفر .
فكما يخشي على من أصر على المعصية أن يسلب الإيمان عند الموت؛ كذلك يخشي على من أصر على خصال النفاق أن يسلب الإيمان، فيصير منافقا خالصا.
لكن، وبكل حال: الأصل أن من مات على النفاق الأصغر فإنه لا يخلد في النار.
وينظر: جواب السؤال رقم: (153691)، ورقم: (145700).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟