لا ينبغي للمعلم أن يطلب من طلابه قضاء حوائجه الشخصية، وينبغي للطالب أن يبادر لخدمة معلمه ما لم يؤثر على تحصيله.
ما حكم طلب المعلم من طلابه قضاء حاجاته الخاصة؟
السؤال 608957
أنا مدرس قرآن، وأحيانا أرسل بعض الطلبة داخل المركز لأمور تخصني؛ كتحضير قهوة أو شاي، لي أنا خاصة، مع العلم أنني أحيانا أقوم بهذا لدفع الملل الذي يحصل داخل الحلقة، فيكون هذا الأمر كالمنشط له على التلاوة ، فما حكم هذا؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
على المعلم أن يترفع عن الطلب من طلابه أن يقوموا بخدمته وقضاء حواجه الخاصة، وذلك أنه إذا كان تعليمه لهم بأجرة، فلا ينبغي له أن يتجاوز ما استؤجر عليه، وإن كان احتساباً فإن طلبه منهم أن يخدموه مما يقدح في نيته ومروءته، لهذا كره كثير من الأئمة للمعلم أن يطلب من طلابه قضاء حوائجه لتسلم له نيته ومروءته.
قال سحنون: ولا يجوز للمعلم أن يُرسل الصبيان في قضاء حوائجه" انتهى من " آداب المعلمين لسحنون" ضمن "كتاب الجامع في كتب آداب المعلمين" (ص: 117).
وقال الآجري رحمه الله:
"ينبغي لمن كان يُقرئ القرآن لله: أن يصون نفسه عن استقضاء الحوائج ممن يقرأ عليه القرآن، وأن لا يستخدمه، ولا يكلفه حاجة يقوم بها.
وأختار له، إذا عرضت له حاجة: أن يكلفها لمن لا يقرأ عليه، وأحب أن يصون القرآن على أن يقضى له به الحوائج...
وقد رويتُ فيما ذكرتُ أخبارا تدل على ما قلت، وأنا أذكرها ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة إن شاء الله.
حدثنا أبو الفضل العباس بن يوسف الشكلي، قال: حدثنا إسحاق بن الجراح الأذني قال: حدثنا ابن الربيع البوراني، قال: كنت عند عبد الله بن إدريس فلما قمت قال لي: سل عن سعر الأُشْنان، فلما مشيت ردني، فقال: لا تسأل؛ فإنك تكتب مني الحديث ، وأنا أكره أن أسأل من يسمع مني الحديث حاجة.
حدثنا أبو الفضل، قال: حدثنا إسحاق بن الجراح قال: قال خلف بن تميم: مات أبي وعليه دين، فأتيت حمزة الزيات، فسألته أن يكلم صاحب الدين أن يضع عن أبي من دينه شيئا ، فقال لي حمزة: ويحك إنه يقرأ علي القرآن، وأنا أكره أن أشرب من بيت من يقرأ علي القرآن الماء" انتهى من "أخلاق أهل القرآن" (ص122، 124).
وقال ابن الحاج المالكي رحمه الله:
"وينبغي له أن لا يستقضي أحدا من الصبيان فيما يحتاج إليه، إلا أن يستأذن أباه في ذلك، ويأذن له عن طيب نفس منه، ولا يستقضي اليتيم منهم في حاجة بكل حال...
فالذي ينبغي أن لا يستقضي أحدا منهم في حاجة أصلا؛ لأنه قد دخل على تعليمهم لله تعالى كما تقدم " "المدخل لابن الحاج" (2/ 318):
وقال المغراوي رحمه الله:
"ولا يجوز للمعلم أن يُكلف الصبيان بإتيان الخُبز للطلبة، إذ قد يخافون منه فيحملون غداءهم، ويبقون بالجوع إلا بشرط، ثم لا يجوز للطلبة أكله" انتهى من "جمع جوامع الاختصار والتبيان فيما يعرض بين المعلمين وآباء الصبيان، للمغراوي" ضمن "كتاب الجامع في كتب آداب المعلمين..." (576).
ثانياً:
للشيخ والمعلم حق كبير على طلابه، فله الفضل الأكبر بعد الله عز وجل في تعليمهم والأخذ بأيديهم إلى طريق المعرفة، ودلالتهم على سلوك سبيل النجاة، فللشيخ والمعلم حقوق كثيرة على طلابه، ذكرتها النصوص، وأكدتها الفطرة.
وفي الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه) رواه الترمذي (۱۹۲۰) وحسنه الألباني في "صحيح الجامع" برقم (٥٤٤٣).
وقد قرر العلماء وأهل السلوك أنّ مبادرة الطالب بخدمة شيخة، أو قضاء حاجته: ليست من باب الإذلال؛ بل هي من باب الأدب مع الشيخ ورد الجميل والاعتراف بالفضل والقيام حقه.
جاء في "سير أعلام النبلاء" (2/ 437):
"عن محمد بن عمرو: عن أبي سلمة: أن ابن عباس قام إلى زيد بن ثابت، فأخذ له بركابه، فقال: تنح يا ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنا هكذا نفعل بعلمائنا وكبرائنا" قال محققوه: " إسناده حسن، أخرجه ابن سعد 2 / 360، من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري بهذا الإسناد، وصححه الحاكم 3 / 423، وأقره الذهبي"
وقال شعبة: "كل من كتبت عنه حديثاً، فأنا له عبد" انتهى من "سير أعلام النبلاء" (۲۰۸/۷). وعن سعيد بن المسيب، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "من حق العالم ألا تكثر عليه بالسؤال، ولا تعنته بالجواب وأن لا تلح عليه إذا كسل ولا تأخذ بثوبه إذا نهض، ولا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تطلبن عثرته، وإن زل قبلت معذرته، وعليك أن توقره وتعظمه لله ما دام يحفظ أمر الله، ولا تجلسن أمامه وإن كانت له حاجة، سبقت القوم إلى خدمته" انتهى من "جامع بيان العلم وفضله" (1/ 519).
وقال النووي رحمه الله تعليقا على قصة الخضر مع موسى:
"لا بأس على العالم والفاضل: أن يخدمه المفضول ويقضي له حاجة ولا يكون هذا من أخذ العوض على تعليم العلم والآداب؛ بل من مروءات الأصحاب، وحسن العشرة.
ودليله من هذه القصة: حمل فتاه غداءهما، وحمل أصحاب السفينة موسى والخضر بغير أجرة، لمعرفتهم الخضر بالصلاح" انتهى من "شرح النووي على مسلم" (15/ 146).
ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (228743)، (228631)، (620306).
والحاصل:
أن المعلم ليس له أن يستخدم المتعلمين منه، ولا أن يكلفهم قضاء حاجته، لا سيما الحاجات التي لا تتعلق بمجلس العلم والمتعلمين.
وأما المتعلم: فمن مكارم الأخلاق، وحسن الأدب: أن يعين معلمه، ويقضي له ما يقدر عليه من حاجة، لا تشق عليه، ولا تشغله عن درسه، أو خاصة أمره؛ لا سيما ما كان منها يحتاج إلى معين، ولا ينهض به وحده. وهذا من حسن العشرة، ومكارم الأخلاق.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟