إن كان الأستاذ سيء الخلق فاذهب إلى غيره، وإن كان فقط شديد في أسلوبه فاصبر عليه.
ما هي آداب الشيخ والطالب؟
السؤال 620306
إذا كان الشيخ الذي أتلقى العلم على يديه لا يتحلى بالأخلاق الحسنة، فهل ينبغي لي أن أستمر في التعلم منه؟ وتفصيل ما أبحث عنه يشمل النقاط التالية:
١. ما هي آداب العلماء؟
٢. ما هي الأخلاق التي تمنع من الأخذ عن الشيخ ؟
٣. إذا كان المصدر الوحيد في منطقتي المحلية هو الدراسة على يد مثل هذا الشيخ الذي يتصف بسوء الخلق، فماذا أفعل؟
٤. وأيضًا، إذا أمكنكم التفصيل في حقوق المعلم على الطالب، وحقوق الطالب على معلمه.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً:
أدب العالم مع طلبته:
أولاً: "أن يقصد بتعليمهم وتهذيبهم وجه الله تعالى، ونشر العلم، وإحياء الشرع، ودوام ظهور الحق، وخمول الباطل" تذكرة السامع لم (ص: 25).
ثانيًا: أن يكون قدوة في دينه وخلقه.
الطالب يتعلم من الأخلاق والمثُل أكثر من الأقوال.
قال ابن الجوزي رحمه الله: "أنفع المشايخ في صحبته: العامل بعلمه" انتهى من "صيد الخاطر" (ص: 158).
ثالثًا: تواضع المعلّم:
روى الأجري في "أخلاق حملة القرآن" (ص: 56)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/542) بسند حسن أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، وَتَعَلَّمُوا لَهُ الْوَقَارَ وَالسَّكِينَةَ، وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تَعَلَّمْتُمْ مِنْهُ وَلِمَنْ عَلَّمْتُمُوهُ، وَلَا تَكُونُوا جَبَابِرَةَ الْعُلَمَاءِ، فَلَا يُقَوَّمُ جَهْلُكُمْ بِعِلْمِكُمْ.
رابعاً: الرحمة والرفق بالطالب:
قال الله تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران/ 159].
قال الآجري رحمه الله: "وينبغي لِمن قرأ عليه القرآن فأخطأ عليه أو غلط: ألاَّ يُعنِّفه، وأن يرفق به، ولا يجفو عليه، فإني لا آمن أن يجفو عليه، فينفر عنه، وبالحريّ ألَّا يعود إلى المسجد". انتهى من "أخلاق حملة القرآن" (ص: 54).
خامسًا: الصبر وسعة البال:
قال القفال في فتاويه: "كان الربيع بطيء الفهم، فكرر الشافعي عليه مسألة واحدة أربعين مرة، فلم يفهم وقام من المجلس حياء، فدعاه الشافعي في خلوة، وكرر عليه حتى فهم". طبقات الشافعية الكبرى (2/134).
ثانيًا:
آداب طالب العلم تجاه شيخه.
الأدب الأول: الاستخارة في اختيار الشيخ.
قال ابن جماعة رحمه الله: "ينبغي للطالب أن يقدم النظر، ويستخير الله فيمن يأخذ العلم عنه ويكتسب حسن الأخلاق والآداب منه" انتهى من "تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم" (ص: 40).
الأدب الثاني: احترام الشيخ وإجلاله:
قال النووي رحمه الله: "وينبغي أن ينظر معلمه بعين الاحترام" انتهى من "المجموع" (1/36).
الأدب الثالث: الاعتراف بفضل الشيخ، وإقرار الطالب بأنه اكتسب العلم عنه.
يقول الخطيب يرحمه الله في : الفقيه والمتفقه (2/281): "يجب على المتعلم الاعتراف بفضل الفقيه، والإقرار بأن العلم من جهته اكتسبه ، وعنه أخذه" .
الأدب الرابع: الدعاء للشيخ.
قال ابن جماعة رحمه الله: "وينبغي أن يدعو له مدة حياته" انتهى من "تذكرة السامع" (ص: 42).
الأدب الخامس: ملازمته لشيخه للاستفادة من أدبه وأخلاقه وسمته.
قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: "طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب قبل العلم". غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري (1/446).
قال الذهبي رحمه الله تعالى: "كان يجتمعُ في مجلس أحمد بن حنبل -رحمه الله- زُهاء خمسة آلاف أو يزيدون، نحو خمسمائة يكتبون، والباقون يتعلَّمون منه حُسْنَ الأدب والسَّمْت" انتهى من "سير أعلام النبلاء (11/316).
الأدب السادس: الابتعاد عن غيبة العالم وحماية عرضه:
"قال سليمان بن سالم: قال لي أبو سنان: إذا كان طالب العلم لا يتعلم، أو قبل أن يتعلم مسألة في الدين، يتعلم الوقيعة في الناس: متى يفلح؟!!" انتهى من "ترتيب المدارك" (4/104).
الأدب السابع: أن يجلس بين يدي الشيخ جلسة الأدب:
قال ابن جماعة رحمه الله في تذكرة السامع (ص: 44):
"أن يجلس بين يدي الشيخ جلسة الأدب، كما يجلس الصبي بين يدي المقري ... ولا يعبث بيديه أو رجليه أو غيرهما من أعضائه ... ولا يستند بحضرة الشيخ إلى حائط أو مخدة ... ولا يكثر كلامه من غير حاجة، ولا يحكي ما يضحك منه، أو ما فيه بذاءة، أو يتضمن سوء مخاطبة أو سوء أدب، ولا يضحك لغير عجب، ولا يعجب دون الشيخ، فإن غلبه، تبسمَ تبسمًا بغير صوت البتة" انتهى.
الأدب الثامن:
"أن يحسن خطابه مع الشيخ بقدر الإمكان ولا يقول له (لمَ؟)، ولا (لا نسلم)، ولا (من نقل هذا؟)، ولا أين موضعه؟ وشبه ذلك. فإن أراد استفادته تلطف في الوصول إلى ذلك، ثم هو في مجلس آخر أولى على سبيل الإفادة.
... وإذا ذكر الشيخ شيئًا فلا يقل: (هكذا قلت) أو (خطر لي) أو (سمعت..) أو (هكذا قال فلان)، إلا أن يعلم إيثار الشيخ ذلك، وهكذا لا يقول: (قال فلان خلاف هذا)، (وروى فلان خلافه)، أو هذا غير صحيح ونحو ذلك". تذكرة السامع (ص: 46)
الأدب التاسع:
"أن يصبر على جفوة تصدر من شيخه، أو سوء خلق، ولا يصده ذلك عن ملازمته، ويتأول أفعاله التي يظهر أن الصواب خلافها على أحسن تأويل". تذكرة السامع (ص: 42).
الأدب العاشر:
"ألا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو جواب سؤال، منه أو من غيره، ولا يساوقه فيه، ولا يظهر معرفته به، أو إدراكه له قبل الشيخ، فإن عرض الشيخ عليه ذلك ابتداء والتمسه منه فلا بأس.
وينبغي ألا يقطع على الشيخ كلامه؛ أي كلام كان، ولا يسابقه فيه ولا يساوقه؛ بل يصبر حتى يفرغ الشيخ كلامه ثم يتكلم، ولا يتحدث مع غيره والشيخ يتحدث معه أو مع جماعة المجلس". تذكرة السامع (ص: 48)
الموقف من زلّة الشيخ:
موقف الطالب من زلة الشيخ كالتالي:
- توطين الطالب نفسه على أن شيخه قد يغلط، وتقع منه الزلة . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ رواه ابن ماجه (4251)، وحسنه الألباني.
- التثبت من وقوع الزلة. قال المعلمي رحمه الله في التنكيل (1/240): "والحكم في العلماء والرواة يحتاج إلى نظر وتدبر وتثبت، أشد مما يحتاج إليه الحكم في كثير من الخصومات؛ فقد تكون الخصومة في عشرة دراهم، فلا يخشى من الحكم فيها عند الغضب إلا تفويت عشرة دراهم، فأما الحكم على العالم والراوي، فيخشى منه تفويت علم كثير وأحاديث كثيرة، ولو لم يكن إلا حديثاً واحداً لكان عظيماً" انتهى.
- التماس العذر للشيخ عند ثبوت الزلة والخطأ .
في الموافقات (3/356): "قال ابن النحاس: يجب أن يتأول للعلماء، ولا يتأول عليهم الخطأ العظيم، إذا كان لما قالوه وجه".
- حفظ جاه الشيخ ومقداره، ولو بدرت منه زلة .
قال الذهبي في السير (14/ 376): "ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه، وتوخيه لاتباع الحق - أهدرناه، وبدعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا، رحم الله الجميع بمنه وكرمه" انتهى.
- عدم متابعة الشيخ في زلته وخطئه . قال ابن تيمية رحمه الله: "وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في العلم والإيمان إلا بما هم له أهل" انتهى من "مجموع الفتاوى" (32/239).
- عند مناصحة الشيخ، (ينبغي التلطف، والإسرار وعدم التشهير). قال ابن النجار رحمه الله في شرح الكوكب المنير (4/ 393): "ويجتنب القول له: (هذا خطأ)، أو (غلط)، أو (ليس كما تقول)، بل يكون قوله له: (أرأيت إن قال قائل: يلزم على ما ذكرت كذا؟)، (وإن اعترض على ما ذكرت معترض بكذا)= فإن نفوس الكرام الرؤساء المقدَّمين تأبى خشونة الكلام؛ إذ لا عادة لهم بذلك، وإذا نفرت النفوس عميت القلوب، وجمدت الخواطر وانسدت أبواب الفوائد" .
للاستزادة ينظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (مقدمة المجموع للنووي، حلية طالب العلم)، وشرحهما لابن عثيمين، تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، من هدي السلف في طلب العلم د.محمد مطر الزهراني، أدب التتلمذ، المدرس ومهارات التوجيه-د. محمد الدويش.
ثالثأ:
يتضح مما سبق: أن المعلم إذا كان سيء الخلق؛ كأن يكون طعانًا لعانًا كثير الغيبة، فاحشًا متفحشا بذيء اللسان، أو يكذب، أو عُرف بالخيانة العلمية، أو يحتال لأخذ أموال الناس بشكل واضح، فابتعدْ عنه؛ فإن الطبع سَرَّاق وقد تتأثر به، فتكون مثله، وابحث عن غيره ولو في منطقة أخرى تستطيع الذهاب إليها، فإن هذه الأخلاق تمنع من الأخذ عنه، فإن لم تستطع، فانتفع من الدروس المسموعة من أهل العلم أهل التزكية والأخلاق والعمل، واستفسر منهم واسألهم فيما أردت بالتواصل الاجتماعي.
والذي نخشاه أن تكون مبالغًا في وصف شيخك؛ فربما اشتدّ عليك في أسلوب النصح، فلم تكن دقيقًا في الوصف، فحينها نقول: اصبر على جفا المعلم. وخذ منه ما صفا واترك ما كدر. وأحسن الظن به، وادعُ له بحسن الخلق. واجتهد ألا تغضبه.
"وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء، وقال: اللهم استر عيب شيخي عني، ولا تذهب بركة علمه مني" كما في المجموع للنووي (1/36).
وانظر: إجابة رقم (3151)، (138873)، (21576)، (198487)، (102843).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟