ما المقصود من الدعاء للميت بأن يُبدل دارا وأهلا خيرا من دراه وأهله؟

السؤال: 589641

هل في الدُعاء للميِّت أن يعطيه الله تعالى دارًا أفضل، وأهلًا أفضل، وزوجة أفضل، يعني أنَّ الميِّت في البرزخ سيكون له كل هذه الأمور؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

مما جاءت به السنة في الدعاء للميت.

ما رواه الإمام مسلم (963): عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، سَمِعْتُ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: "صَلَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى جَِنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلًا ‌خَيْرًا ‌مِنْ ‌أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، أَوْ مِنْ عَذَابِ النَّارِ).

قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ".

وجملة: ( وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ )، على ظاهرها، وإطلاقها:  دعاء للميت بأن يكون في قبره، وكذا بعد مبعثه: منزل في دار الرضوان والنعيم المقيم، وهي الجنة.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

" قوله: ( وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ ) يشمل الدارين؛ دار البرزخ، ودار الآخرة " انتهى. "الشرح الممتع" (5/326).

وبيان ذلك:

أن المؤمن إذا أدخل القبر ونجا من فتنته، فُسِح له في قبره، وعرضت عليه مقعده في الجنة. روى البخاري (1338)، ومسلم (2870)، واللفط له: عَنْ قَتَادَةَ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ، إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ. قَالَ: يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ. قَالَ نَبِيُّ اللهِ صلى الله عليه وسلم: فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا ).

قَالَ قَتَادَةُ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَيُمْلَأُ عَلَيْهِ خَضِرًا إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ.

وتسرح روحه في الجنة.

روى الإمام مالك في "الموطأ" (1 / 240)، والإمام أحمد في "المسند" ( 25 / 57)، والنسائي (2073)، وابن ماجه (4271): عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ يَعْلَقُ فِي ‌شَجَرِ ‌الْجَنَّةِ، حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ).

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

" وقد روينا في "مسند الإمام أحمد" حديثا فيه البشارة لكل مؤمن بأن روحه تكون في الجنة، تسرح أيضا فيها، وتأكل من ثمارها، وترى ما فيها من النضرة والسرور، وتشاهد ما أعده الله لها من الكرامة، وهو ‌بإسناد ‌صحيح ‌عزيز عظيم، اجتمع فيه ثلاثة من الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فإن الإمام أحمد رحمه الله، رواه عن محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله، عن مالك بن أنس الأصبحي رحمه الله، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللَّهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ ) " انتهى. "تفسير ابن كثير" (2 / 467).

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" قلتُ: لا تنافي بين قوله صلى الله عليه وسلم: ( نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ )، وبين قوله: (إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّار).

وهذا الخطاب يتناول الميِّتَ على فراشه، والشهيد، كما أنّ قوله: ( نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ ): ‌يتناول ‌الشهيد ‌وغيره.

ومع كونه يُعرَض عليه مقعده بالغداة والعشيّ، تَرد روحُه أنهارَ الجنة، وتأكل من ثمارها.

وأما المقعد الخاص به، والبيت الذي أُعِدّ له: فإنّه إنما يدخله يوم القيامة.

ويدلّ عليه: أنّ منازل الشهداء ودُورهم وقصورهم التي أعدّ الله لهم: ليست هي تلك القناديل التي تأوي إليها أرواحهم في البرزخ قطعا. فهم يَرَوْن منازلهم ومقاعدهم من الجنّة، ويكون مستقرّهم في تلك القناديل المعلّقة بالعرش، فإنّ الدخول التامّ الكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك " انتهى. "الروح" (1/294).

فتكون داره في البرزخ أنعم دار، لذا لا يحب الرجوع إلى الدنيا ولو أعطي ملك الدنيا.

روى البخاري (2817)، ومسلم (1877)، واللفظ له: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( ‌مَا ‌مِنْ ‌نَفْسٍ ‌تَمُوتُ لَهَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ يَسُرُّهَا أَنَّهَا تَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا وَلَا أَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدُ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ فِي الدُّنْيَا لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ ).

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى:

" والدار التي ينتقل إليها أول ما ينتقل من الدنيا هي: القبر، فهل يمكن أن تكون خيرًا من داره؟ نعم، ولولا ذلك ما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم بها، إذ إن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدعو بأمر محال، والقبر يكون خيرًا من الدنيا، إذا فسح للإنسان مد بصره، وقيل له: نم صالحا، وفتح له باب إلى الجنة، وأتاه من ريحها ونعيمها وفرش له من الجنة، فيكون - والله- أحسن من الدنيا ألف مرة، ولهذا قال: ( أَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ ) " انتهى. "فتح ذي الجلال والإكرام" (2 / 569).

وأما جملة: ( وَأَهْلًا ‌خَيْرًا ‌مِنْ ‌أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ ).

فيحتمل أنه عندما يرى مقعده من الجنة يرى زوجاته وخدمَه فيها، فيحصل له أصل الإبدال، لكن تنعمه بأهله وزوجاته في الجنة، إنما يكون بعد الدخول التام، بعد بعث الأرواح مع أجسادها.

قال الشيخ عبد الرحمن البراك أثابه الله تعالى:

" وقوله: ( وَأَبْدِلْهُ ‌دَارًا ‌خَيْرًا ‌مِنْ ‌دَارِهِ )، وهي الجنَّة، ( وَأَهْلاً خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ )، الأهل ما يكون في الجنَّة من زوجات وخدم، وما جاء في رواية: ( وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ )، من قبيل عطف الخاصّ على العامّ.

وقد يراد بذلك دخوله في الجنّة في الآخرة الدّخول التّامّ.

( وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ ) قد يراد به الدّخول النّسبيّ الّذي يكون في البرزخ. والله أعلم " انتهى. "الجامع لفوائد بلوغ المرام" (1 / 525).

الخلاصة:

المؤمن من يوم يدفن وينجو من فتنة القبر يبدل دارا خيرا من داره، وذلك بسعة قبره ونوره، ورؤية مقعده من الجنة التي سيتنعم فيها بأهله وزوجاته حين يدخلها، وتسرح روحه في نعيم الجنة، فيرى نعيمه في دار البرزخ خيرا من ملك الدنيا جميعا، ويستمر في هذا النعيم إلى أن يبعث، ثم يدخل بعد ذلك الجنة الدخول الكامل التام ويحصل له التنعم بأهله وزوجاته فيها.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" فإنّ الدخول التامّ الكامل إنما يكون يوم القيامة، ودخول الأرواح الجنة في البرزخ أمر دون ذلك " انتهى. "الروح" (1 / 294).

والله أعلم.
 

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android