أولا:
إذا تراضى البائع مع المشتري على ثمن معين، وصرحا بذلك، حرم أن يأتي مشتر آخر يعرض سعرا أعلى؛ لما روى مسلم (1408) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ وَلَا يَسُومُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ).
قال النووي رحمه الله: "وأما السوم على سوم أخيه: فهو أن يكون قد اتفق مالك السلعة، والراغب فيها، على البيع، ولم يعقداه، فيقول الآخر للبائع: أنا أشتريه، وهذا حرام بعد استقرار الثمن" انتهى من "شرح مسلم" (10/ 158).
وقال البهوتي رحمه الله في "شرح منتهى الإرادات" (2/ 23): " (وسومٌ) بالرفع (على سومه) أي المسلم، (مع الرضا) من بائع (صريحا: محرم) لحديث أبي هريرة مرفوعا: " لا يسم الرجل على سوم أخيه رواه مسلم.
فإن لم يصرح بالرضا لم يحرم؛ لأن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة" انتهى.
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (13/ 119): "تجوز المساومة على السلعة؛ رعاية لحق البائع، ما لم يركن البائع إلى سوم أحد السائمين، فلا يجوز؛ رعاية لحق من رست عليه، وهذا هو المقصود بالنهي عن سوم الإنسان على سوم أخيه.
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز" انتهى.
ثانيا:
إذا رجع البائع لأنه نَدِم على قَبول العَرض، ويريد الانتظار للحصول على عَرضٍ أفضل، فلا شيء عليه؛ لأن المساومة والمواعدة ليست بيعا، وليست ملزمة، فلكل منهما الرجوع.
ثالثا:
رجوع البائع لأن مشتريا جديدا قدم عرضا أعلى، فيه تفصيل:
1-فإن كان المشتري الجديد يعلم بالسوم السابق، فسومه محرم، وإجابته إلى ذلك محرمة، أي البيع له محرم.
قال البجيرمي في "حاشيته على شرح المنهج" (2/ 222): " والمراد بالسوم: ما يشمل الإسامة من صاحب السلعة ...
والإسامة: كون المالك يعطيها له ليسومها" انتهى.
2-وإن كان لا يعلم بالسوم السابق، فسومه جائز، ويجوز البيع له.
وهذا التفصيل يعلم مما ذكره الفقهاء في الخطبة على الخطبة، والنهي عنها جاء مقرونا بالنهي عن السوم على سوم الأخ، والأقرب أن الحكم فيهما واحد.
قال ابن قدامة : " وَالْمَرْأَةُ فِي الْجَوَابِ , كَالرَّجُلِ فِي الْخِطْبَةِ , فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ ; لِأَنَّ الْخِطْبَةَ لِلْعَقْدِ , فَلَا يَخْتَلِفَانِ فِي حِلِّهِ وَحُرْمَتِهِ ". انتهى من "المغني" "(7/112)
وجاء في "الموسوعة الفقهية " (19/194) : " حُكْمُ جَوَابِ الْمَرْأَةِ أَوْ وَلِيِّهَا لِلْخَاطِبِ كَحُكْمِ خِطْبَةِ هَذَا الْخَاطِبِ ، حِلًّا وَحُرْمَةً ". انتهى .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله "مجموع الفتاوى(10/43) "
" أما بالنسبة لأب المرأة: فلا يحل له أن يقبل خطبة الرجل الأخير، وهو قبل من الأول ، ما لم يكن هناك موجب شرعي " انتهى .
وينظر: جواب السؤال رقم: (144120).
رابعا:
إذا وقع السوم المحرم على سوم المسلم، وأجابه البائع: فإن البيع يصح في قول الجمهور من المذاهب الأربعة.
قال ابن عبد البر: "ولا خِلافَ عن الشّافِعيِّ وأبي حَنِيفةَ، في أنَّ هذا العقدَ صحيحٌ، وإن كُرِهَ لهُ ما فعلَ. وعليه جُمهُورُ العُلماءِ" "التمهيد " ابن عبد البر (8/ 412 ت بشار).
وقال المرداوي في "الإنصاف" (4/ 331): " سومه على سوم أخيه محرم مع الرضى صريحا. على الصحيح من المذهب. وقيل: يكره. ذكره فى الرعاية الكبرى. فعلى المذهب، يصح البيع. على الصحيح من المذهب. " انتهى. وينظر: "كشاف القناع" (3/ 183).
وعلل الحنابلة صحة البيع، مع المنع من السوم: بأن المنهي عنه السوم، لا البيع ممن سام. قال الرحيباني: "(ويصح عقد) مع سومه على سوم أخيه؛ لأن المنهي عنه السوم؛ لا البيع. مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى (3/ 56).
وقال إمام الحرمين ـ الجويني، من الشافعيةـ في تعليل ذلك: "هذا هو البيع على البيع، وهو محرم باتفاق الأصحاب، غيرَ أن البيع يصح؛ فإن التحريم لا يرجع إلى معنى في البيع، وإنما يرجع إلى معنى كلِّي في محاذرة الإضرار بالغير" "نهاية المطلب في دراية المذهب" (5/ 437).
وفي "الموسوعة الفقهية" (9/ 217): " هذا الشراء أو السوم بهذه الصور والقيود منهي عنه، غير جائز عند الجميع، لكنه صحيح عند الجمهور، باطل عند الحنابلة إلا في وجه محتمل للصحة عندهم كالجمهور. والحنفية يعنون بعدم الجواز كراهة التحريم، لا الحرمة" انتهى.
وما نسبوه للحنابلة ليس صحيحا، فالحنابلة لا يبطلون البيع في هذه المسألة كما تقدم.
والحاصل:
أن رجوع البائع عن البيع فيه تفصيل يعلم من الجواب. والبيع صحيح، بكل حال، كما سبق نقله.
والله أعلم.