إذا بعت البلح، فتلف من البرد قبل أوان جذاذه، فضمانه عليك، ومثل ذلك الحكم في بقية الثمار، وأما الزرع والحب فإنه يكون من ضمان المشتري عند الجمهور.
إذا باع ثمرا على الشجر فأتلفه البرد، فمن يتحمل الخسارة؟
السؤال: 571288
إذا بعت البلح علي رأس النخل، وجاء البرد فأتلفه، فهل يتلف علي، أم على المشتري؟ وهل الحكم ينطبق على بقية الثمار والزروع؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
لا يجوز بيع البلح على رؤوس النخل إلا إذا بدا صلاحه، بأن يحمرّ أو يصفرّ، إلا لو باعه بشرط القطع في الحال، وكان يُمكن أن يُنْتَفع به، أو باع البلح مع الأصل، أي النخلة، أو لو باع البلح لمالك النخلة، فيما لو كان هو قد ملك البلح بوصية مثلا، ثم باعه للوارث المالك للنخلة.
وكذلك الحب، كالقمح ونحوه: لا يجوز بيعه قبل اشتداده، إلا إذا بيع بشرط القطع، أو مع الأصل، أو لمالك الأصل.
والأصل في ذلك: ما روى البخاري (2194) ومسلم (1534) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاَحُهَا، نَهَى البَائِعَ وَالمُبْتَاعَ".
قال النووي رحمه الله في "شرح مسلم" (10/ 178): " وفي رواية "نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة". وفي رواية "لا تبتاعوا الثمر حتى يبدو صلاحه وتذهب عنه الآفة، قال: يبدو صلاحه؛ حمرته وصفرته"، وفي رواية "قيل لابن عمر: ما صلاحه؟ قال: تذهب عاهته"، وفي رواية "نهى عن بيع الثمر حتى يطيب"، وفي رواية "نهى عن بيع النخل حتى يأكل أو يؤكل وحتى يوزن. فقلت: ما يوزن؟ فقال رجل عنده يعنى عند ابن عباس: حتى يحرز"...
فإن باع الثمرة قبل بدو صلاحها، بشرط القطع: صح؛ بالإجماع...
قوله: (وعن السنبل حتى يبيض): فيه دليل لمذهب مالك والكوفيين وأكثر العلماء: أنه يجوز بيع السنبل المشتد...
وأما قبل الاشتداد: فلا يصح بيع الزرع إلا بشرط القطع كما ذكرنا.
وإذا باع الزرع قبل الاشتداد، مع الأرض، [بلا] شرط: جاز؛ تبعا للأرض. وكذا الثمر قبل بدو الصلاح، إذا بيع مع الشجر: جاز بلا شرط؛ تبعا.
وكذا حكم البقول في الأرض: لا يجوز بيعها في الأرض، دون الأرض؛ إلا بشرط القطع.
وكذا لا يصح بيع البطيخ ونحوه قبل بدو صلاحه.
وفروع المسألة كثيرة، وقد نقحت مقاصدها في روضة الطالبين، وشرح المهذب، وجمعت فيها جملا مستكثَرات. وبالله التوفيق.
قوله في الحديث: (نهى البائع والمشتري): أما البائع؛ فلأنه يريد أكل المال بالباطل. وأما المشتري فلأنه يوافقه على حرام، ولأنه يضيع ماله، وقد نُهِي عن إضاعة المال" انتهى.
وقال البهوتي رحمه الله في "كشاف القناع" (3/ 281): " (ولا يصح بيع الثمرة قبل بدو صلاحها)، لحديث ابن عمر قال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع متفق عليه والنهي يقتضي الفساد.
(ولا) يصح بيع (الزرع قبل اشتداد حبه)؛ لحديث ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة رواه مسلم.
وعن أنس مرفوعا: أنه نهى عن بيع الحب حتى يشتد رواه أحمد والحاكم، وقال: على شرط مسلم.
(إلا) إذا باع الثمرة قبل بدو صلاحها، والزرع قبل اشتداد حبه، (بشرط القطع في الحال)، فيصح. قال في المغني: بالإجماع. لأن المنع إنما كان خوفًا من تلف الثمرة، وحدوث العاهة عليها، بدليل ما روى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: نهى عن بيع الثمار حتى تُزهي. قال: أرأيت إذا منع الله الثمرة؛ بمَ يأخذ أحدكم مال أخيه؟ رواه البخاري.
(إن كان) ما ذُكر (منتفعا به حينئذ)؛ أي حين القطع. فإن لم يُنتفع بها، كثمرة الجوز وزرع الترمس: لم يصح؛ لعدم النفع بالمبيع ...
(إلا أن يبيعه) أي ما ذكر من الثمرة قبل بدو صلاحها، والزرع الأخضر (مع الأصل، بأن يبيع الثمرة مع الشجر): فيجوز. (أو) يبيع (الزرع مع الأرض): فيجوز. (أو يبيع الثمرة لمالك الأصل)، أي الشجر: فيجوز. (أو) يبيع (الزرع لمالك الأرض: فيجوز) البيع، ويصح؛ لأنه إذا بيع مع أصل، دخل تبعا في البيع، فلم يضر احتمال الغرر فيه، كما احتُملت الجهالة في بيع اللبن في الضرع مع الشاة، والنوى في التمر مع التمر، وفيما إذا بيع مفردا لمالك الأصل، قد حصل التسليم التام للمشتري، لكونه مالك الأصل والقرار" انتهى.
ثانيا:
إذا بعت البلح بعد بدو صلاحه، وخليت بينه وبين المشتري، ثم تلف بالبرد قبل مجيئ وقت الجذاذ، كان ذلك من ضمانك، وترد الثمن للمشتري. هذا مذهب أحمد، والشافعي في القديم، ومذهب مالك فيما لو تلف الثلث فأكثر.
وإن جاء وقت الجذاذ، وتأخر المشتري في أخذ البلح حتى تلف، كان من ضمانه؛ لأن التقصير منه.
والأصل في ذلك: ما روى مسلم (1554) عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ.
قال النووي رحمه الله في "شرح مسلم" (10/ 216): " اختلف العلماء في الثمرة إذا بيعت بعد بدو الصلاح، وسلمها البائع إلى المشتري بالتخلية بينه وبينها، ثم تلفت قبل أوان الجذاذ بآفة سماوية، هل تكون من ضمان البائع أو المشتري؟ فقال الشافعي في أصح قوليه، وأبو حنيفة والليث بن سعد وآخرون: هي في ضمان المشتري، ولا يجب وضع الجائحة؛ لكن يستحب.
وقال الشافعي في القديم وطائفة: هي في ضمان البائع، ويجب وضع الجائحة.
وقال مالك: إن كانت دون الثلث لم يجب وضعها، وإن كانت الثلث فأكثر وجب وضعها وكانت من ضمان البائع.
واحتج القائلون بوضعها بقوله: "أمر بوضع الجوائح"، وبقوله صلى الله عليه وسلم: "فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا"، ولأنها في معنى الباقية في يد البائع؛ من حيث إنه يلزمه سقيها، فكأنها تلفت قبل القبض، فكانت من ضمان البائع" انتهى.
والآفة السماوية: هي التي لا صنع للآدمي فيها كالريح، والحر، والبرد، والعطش.
وينظر: "المغني" (4/ 80)، "المبدع" (4/ 165).
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "الشرح الممتع" (9/ 37): " قوله: وإن تلفت بآفة سماوية الضمير يعود على الثمرة، أي: إذا تلفت الثمرة بعد أن بيعت بعد بدو الصلاح بآفة سماوية مثل حر شديد أفسد الثمر، أو برد أسقط الثمر، أو جراد أكلها...
قوله: رجع على البائع أي: يرجع المشتري، على البائع بكل الثمن الذي دفعه له، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا بعت من أخيك ثمرا، فأصابته جائحة: فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟. وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه أمر بوضع الجوائح، واللفظ الأول مفصل: إذا بعت من أخيك ثمرا، فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا؛ بم تأخذ مال أخيك بغير حق.
فإن قال البائع: كيف أضمن وهو في ملك المشتري الآن؟
قلنا: لأن بيعك إياه التزام منك بحفظه، والقيام عليه، حتى يأتي وقت الجذاذ، فهي الآن في حفظك، وإن كان المشتري قد ملكها وله أن يجذها، وله أن يبيعها، لكنها مضمونة عليك؛ لكونك أنت المطالب بحفظها إلى وقت الجذاذ.
يستثنى من ذلك ما إذا أخر المشتري جذها عن العادة، فإن الضمان عليه لا على البائع، فإذا قدر أن المشتري تهاون في جذها في وقت الجذاذ، حتى جاء المطر فأفسدها، فهل يرجع على البائع؟ لا يرجع؛ لأنه هو الذي فرط، فإذا قال المشتري: أنا لي سيارات أجذ النخل وأحمله، ولم تأت السيارات بعد، وتركها حتى فات وقت الجذاذ وتلفت بآفة سماوية، فهنا لا يرجع؛ لأن هذا التفريط من نفس المشتري فلا يرجع على البائع بشيء" انتهى.
ثانيا:
بقية الثمار كالبلح فيما ذكرنا، ومثل ذلك أيضا: ما يلقط لقطا، كالقثاء والخيار والباذنجان والبامية، فإن أصيب بجائحة، كان من ضمان البائع.
قال في "كشاف القناع" (3/ 285): " (وإن تلفت ثمرة، ولو في غير النخل)، كرمان وعنب (أو) تلف (بعضها) أي الثمرة...
(وما له أصل يتكرر حَمله، كقثاء وخيار وباذنجان وشبهها: كشجر) فيما تقدم. (وثمرته كثمر) شجر كبار (فيما تقدم من) وضع (جائحة وغيرها)، على التفصيل السابق" انتهى.
ثالثا:
أما الزرع، كالقمح والذرة والشعير، ففيه خلاف، والمذهب عند المالكية والحنابلة: أن الزرع ليس كالثمرة، بل تكون من ضمان المشتري.
قال النفراوي رحمه الله في "الفواكه الدواني" (2/ 130): " (ولا جائحة في الزرع)، كالقمح والفول وغيرهما من أنواع الحبوب؛ لأن ما ذكره لا يحل بيعه إلا بعد يبسه واستحصاده، فتأخيره محض تفريط من المشتري، فلا يوضع عنه شيء من الثمن" انتهى.
وقال في "كشاف القناع" (3/ 285): "وعُلم مما تقدم: أن الحب إذا اشتراه وتلف: أنه من ضمان المشتري، وليس كالثمرة" انتهى.
وقال المرداوي رحمه الله في "الإنصاف" (5/ 76): "وقال في الكافي، والمحرر: وتثبت أيضا في الزرع. وذكر القاضي: فيه احتمالين. ذكره الزركشي. وقال في عيون المسائل: إذا تلفت الباقلا أو الحنطة في سنبلها، فلنا وجهان؛ الأقوى: يرجع بذلك على البائع. واختار الشيخ تقي الدين - رحمه الله -: ثبوت الجائحة في زرعِ مستأجِرٍ وحانوتٍ نقَص نفعه عن العادة" انتهى.
والحاصل:
أن ثمار النخيل وغيرها، وما يلقط كالقثاء، إن أصابته جائحة كالبرد، والحر، والريح، فتلف كله أو بعضه، فإن التالف يكون من ضمان البائع، وأن الحبوب لا توضع فيها الجوائح في مذهب مالك وأحمد، فتكون من ضمان المشتري.
وعلى هذا؛ فالجمهور على عدم وضع الجوائح في الزرع.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟