أولا:
إذا كان خروجك من بلدك خوف السجن أو القتل، ولم يكن لديك مال تسافر به، وكان لوالدك مال زائد عن حاجته: فإنه يلزمه بذل المال لك؛ لأنها ضرورة أو حاجة ماسة لا تقل عن الحاجة للطعام والشراب والمسكن، فتلحق بالنفقة التي تجب عليه.
وقد ذهب جماعة من الفقهاء إلى وجوب النفقة على الابن الفقير البالغ، ولو كان قادرا على الكسب، وهو مذهب الحنابلة.
قال في "الإنصاف" (9/ 289): "شمل قوله: "وأولاده وإن سفلوا" الأولاد الكبار الأصحاء الأقوياء إذا كانوا فقراء وهو صحيح. وهو من مفردات المذهب" انتهى.
وينظر: "المغني" (9/ 258).
وقال أبو حنيفة: ينفق على الغلام حتى يبلغ، فإذا بلغ صحيحا انقطعت نفقته، ولا تسقط نفقة الجارية حتى تتزوج، ونحوه قال مالك إلا أنه قال ينفق على النساء حتى يتزوجن ويدخل بهن الأزواج.
وتجب النفقة عند الشافعية في حال عجز الولد البالغ لزمانة أو مرض فقط، فإن كان صحيحا لم تجب نفقته.
فعلى قول الجمهور: لا يلزم والدك أن يعطيك تكاليف السفر.
وعلى مذهب الحنابلة يلزمه ذلك ما دامت لا تجد المال.
ثانيا:
إذا أخذ والدك بقول الجمهور، وأعطاك المال على نية الرجوع ومطالبتك، فله ذلك.
وأمر النية إلى الله.
جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (16/ 205): " لي والد يناهز من العمر حوالي خمسة وسبعين عاما، ولا زال على قيد الحياة، له بيت مبني من الطين وقديم، ويقع في مكان مناسب، وقمت بهدم البيت وإعادة بنائه من جديد من المسلح على حسابي أنا ... الخ ".
وجاء في الجواب: " أما ما ذكرته من إنفاقك على بيت أبيك:
فإن كنت متبرعا بذلك في قرارة نفسك وقت الإنفاق: فالله يأجرك، وليس لك الرجوع به على والدك.
وإن كنت أنفقته بنية الرجوع: فلك ذلك" انتهى.
ثالثا:
إن لم ينو والدك، عند إعطائك النفقة، الرجوع عليك، فليس له ذلك الآن؛ لأن الرجوع في الهبة محرم، وإباحته للوالد إنما هو في حال بقاء الهبة مع الولد.
وقد دل على جواز رجوع الوالد في هبته لولده: ما روى أبو داود (3539)، والترمذي (2132)، والنسائي (3690)، وابن ماجه (2377) عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً فَيَرْجِعَ فِيهَا، إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ. وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا، كَمَثَلِ الْكَلْبِ: يَأْكُلُ، فَإِذَا شَبِعَ قَاءَ، ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ) والحديث صححه الألباني في "صحيح أبي داود".
قال ابن قدامة رحمه الله: " وللرجوع في هبة الولد شروط أربعة:
أحدها: أن تكون باقية في ملك الابن، فإن خرجت عن ملكه، ببيع أو هبة أو وقف أو إرث أو غير ذلك، لم يكن له الرجوع فيها؛ لأنه إبطال لملك غير الوالد ...
الثاني: أن تكون العين باقية في تصرف الولد، بحيث يملك التصرف في رقبتها" انتهى من "المغني" (6/ 56).
فإذا كان قد نوى الرجوع، وطالبك بالمال، فعليك أن تبادر بذلك، فإن لم يكن معك مال، فاطلب منه أن ينظرك إلى ميسرة، أو اسستسمحه في تقسيط المال.
والله أعلم.