هل الشفيق او المشفق من صفات الله؟

السؤال 541371

هل الشفيق او المشفق من صفات الله
وهل يعقل ان تكون هذه الصفة للجبال والحجارة ولا تكون صفة لله
يقول العلامة السعدي رحمه الله في قوله تعالى وله المثل الأعلى في السموات والأرض سورة الروم
كل صفة كمال في المخلوقات فخالقها احق بالاتصاف بها على وجه لا يشاركها فيها احد

ملخص الجواب

الشفقة ليست من صفات الله تعالى، وهي صفة تتضمن معنى خوف العاقبة والحذر والوجل، فالله تعالى منزَّه عنها، والواجب هو الوقوف عند حدود ما أخبر الله تعالى به عن نفسه.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

الشفقة ليست من صفات الله تعالى، وبناء عليه فليس الشفيق من أسمائه تعالى، فأسماؤه تعالى وصفاته توقيفية، أي: تُعرَف بنصوص القرآن والسنة، ولا تتبع الذوق ولا الظن، وليس في الكتاب ولا السنة دلالة على أن الله تعالى شفيق.

وقد شرحنا في عدد من الأجوبة أن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية كلها، وبيَّنَّا معنى ذلك، كما في الأجوبة (158831)، (281133)، (204924)، (553556) على سبيل المثال، فلتراجع للفائدة.

والشفقة تتضمن معنى لا يليق بالله تعالى، وهي وإن كانت صفة تمدح في المخلوق، فليس كل ما يمدح به المخلوق يثبت صفة لله تعالى، كما سيأتي إن شاء الله.

ثانيا:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"القرآن يستعمل الاستدلال بالآيات، ويستعمل أيضًا في إثبات الإلهية قياسَ الأولى، وهو أنَّ ما ثبت لموجودٍ مخلوقٍ من كمالٍ لا نقص فيه؛ فالربُّ أحقُّ به، وما نُزِّه عنه مخلوقٌ من النقائص؛ فالربُّ أحقُّ بتنزيهه عنه"، انتهى من "الرد على المنطقيين" (ص 350).

وقد شرح رحمه الله أيضًا أنَّ هذا الدليل الشرعيَّ العقليَّ – وهو دليل: قياس الأولى - الذي استعمله القرآن لإثبات إلهية الله تعالى وإثبات صفاته وإثبات النبوة والمعاد؛ إنما يقيم البرهان العقلي الشرعي على ما هو ثابت أيضًا بالأدلة السمعية وهي شرعية أيضا.

فشرح رحمه الله مقدمتين يتبين بهما هذه المسألة:

فالمقدمة الأولى: أنَّ "الكمال ثابت لله، بل: الثابت له [تعالى] هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمالٍ لا نقصَ فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه".

والمقدمة الثانية: "أن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك".

ثم قال رحمه الله:

"دلالة القرآن على الأمور نوعان:

أحدهما: خبر الله الصادق؛ فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به.

والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال، وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب، فهذه (دلالة شرعية عقلية)، فهي شرعية لأن الشرع دلَّ عليها وأرشد إليها، وعقلية لأنها تُعلَم صحتُها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تعلَم إلا بمجرَّد الخبر"، انتهى من "مجموع الفتاوي" (6/ 71).

فيتبين بما سبق أمور، منها:

1- أن صفة الكمال الثابتة للمخلوق، ثم يقال: الله أولى بهذا الكمال: هي ما كانت كمالا لا نقص فيه، وليس كل صفة كمال في المخلوق يكون الله تعالى أولى بها.

2- أن قول أهل العلم: إن أسماء الله تعالى وصفاته توقيفية ولا مدخل للعقل فيها؛ معناه: أن العقل لا ينفرد بإثبات صفة من صفاته تعالى ولا اسمٍ من أسمائه عز وجل، من غير أن يكون في الأدلة الشرعية حجة دالة عليه، سواء كان الدليل الشرعي عقليا أو كان خبريا.

وأفسد من هذا، وأعظم جرما؛ ما ظنه بعض المبتدعة: "أن تفاصيل معرفة الجائز على الله، والمستحيل عليه؛ يؤخذ من أدلة العقول، ولا يؤخذ مما جاء به الرسول.

وأما أهل العلم والإيمان: فيعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه، ولا عدول عنه، وأنه لا سبيل لتلقي الهدى إلا منه"، كما قال الإمام ابن رجب رحمه الله في "فتح الباري" (7/ 233).

ثالثا:

لا يخالف الشيخ السعدي رحمه الله فيما قررنا هنا، بل يؤكده ويشرحه، وأما قوله رحمه الله في تفسيره (ص640):

"أهل العلم يستعملون في حق الباري قياس الأولى، فيقولون: كل صفة كمال في المخلوقات فخالقها أحق بالاتصاف بها على وجه لا يشاركه فيها أحد... " إلخ، فهو بمعنى كلام شيخ الإسلام السابق شرحه، وليس معنى كلامه جواز كل قياس في صفات الله أو أسمائه تعالى.

ويؤكد ذلك: أنه قد نصَّ رحمه الله في كتابه "تفسير أسماء الله الحسنى" (ص 159) على قاعدة أهل السنة في الباب، فقال رحمه الله:

"المبحث الثالث: أسماء الله تعالى توقيفية:

مذهب جمهور أهل السنة والجماعة أن أسماء الله تعالى توقيفية، فلا يجوز تسميته سبحانه بما لم يرد به السمع، وذلك أن أسماء الله تعالى من الأمور الغيبية التي لا يمكن لنا معرفة شيء منها إلا عن طريق الرسل الذين يطلعهم الله على ما يشاء من الغيب، ثم هم يبلغونه للناس، فلا يجوز القياس فيها أو الاجتهاد لأن هذا الباب ليس من أبواب الاجتهاد"، انتهى.
ثم نقل عن الخطابي كلاما نفيسا وأقره عليه، ننقله للفائدة، قال السعدي رحمه الله:

"وقال أبو سليمان الخطابي: ومِن عِلْم هذا الباب؛ أعني الأسماء، والصفات، ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط= أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس، فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة، ومتعارف الكلام، فالجواد: لا يجوز أن يقاس عليه السخي، وإن كانا متقاربين في ظاهر الكلام، وذلك أن السخي لم يرد به التوقيف كما ورد بالجواد، ثم إن السخاوة موضوعة في باب الرخاوة واللين، يقال: أرض سخية وسخاوية، إذا كان فيها لين ورخاوة، وكذلك لا يقاس عليه السمح، لما يدخل السماحة من معنى اللين، والسهولة. وأما الجود فإنما هو سعة العطاء، من قولك جاد السحاب؛ إذا أمطر فأغزر، وفرس جواد؛ إذا بذل ما في وسعه من الجري.

وقد جاء في الأسماء القوى، ولا يقاس عليه الجَلْد، وإن كان يتقاربان في نعوت الأدميين، لأن باب التجلد: يدخله التكلف، والاجتهاد.

ولا يقاس على القادر: المطيق، ولا المستطيع؛ لأن الطاقة، والاستطاعة إنما تطلقان على معنى قوة البنية، وتركيب الخلقة.

وفي أسمائه العليم، ومن صفته العلم، فلا يجوز قياساً عليه أن يسمى عارفاً، لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل إلى علم الشيء وكذلك لا يوصف بالعاقل.

وهذا الباب يجب أن يراعى، ولا يغفل فإن عائدته عظيمة، والجهل به ضار، وبالله التوفيق"، انتهى.

رابعا:

قال الأزهري رحمه الله:

"تقول: أنا مشفق عليك أي: خائف. وأنا مشفق من هذا الأمر أي: خائف، والشفق أيضا الشفقة، وهو أن يكون الناصح، من بلوغ نصحه: خائفا على المنصوح، تقول: أشفقت عليه أن يناله مكروه ... وقال الله عز وجل: إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ. قال الليث: إنا كنا في أهلنا خائفين لهذا اليوم"، انتهى من "نهذيب اللغة" (8/ 332) باختصار.

وعلى هذه المعاني تتابعت كلمات أهل العلم، فيتبيَّن بذلك أن (الشفقة) تتضمن الخوف والحذر والترقب والخشية من مجهول، ونحو ذلك.

وهذه المعاني لائقة بالمخلوقات، وقد أثبِتت الشفقة في الكتاب العزيز من صفات المخلوقات، تارةً مدحا للمخلوقات في الدنيا، سواء كانت الملائكة أو الجبال أو المؤمنين، وتارة حكاية لما يقع للظالمين والكافرين في الآخرة من الخوف والحذر، كما سبق من قول المؤمنين، وكما:

1- قال الله تعالى في سورة الأنبياء عن الملائكة: وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ.

قال الطبري في التفسير (16/ 253): "وهم من خوف الله وحذار عقابه أن يحل بهم: مشفقون، يقول: حَذِرونَ أن يعصوه ويخالفوا أمره ونهيه" انتهى.

وقال تعالى في صفة المتقين وأهل النعيم: الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ، وقال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ.

قال الطبري (23/ 276): "والذين هم في الدنيا من عذاب ربهم وجلون أن يعذبهم في الآخرة، فهم من خشية ذلك لا يضيعون له فرضا، ولا يتعدون له حدًّا".

2- وقال الله تعالى: وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ.

قال الطبري (18/ 38): "فترى المجرمين المشركين بالله مشفقين، يقول: خائفين وجلين مما فيه مكتوب، من أعمالهم السيئة التي عملوها في الدنيا أن يؤاخذوا بها"، انتهى.

ولهذه الآية نظائر في الظالمين، ومعاني الشفقة فيها كلها لا تخرج عن الوجل والخوف والحذر، التي هي معنى الشفقة اللغوي كما سبق شرحه.

والمقصود:

أن الشفقة ليست كمالا في المخلوقات، في كل وقت وعلى أية حال، ومعناها لا بد أن يتضمن الخوف والحذر والترقب والوجل، بسبب الجهل بالعاقبة، وما سيكون من فعل الملك القوي المتين القدير سبحانه وتعالى بالعبد الضعيف المحتاج.

فهذه المعاني قد تمدح في المخلوق في الدنيا، إذا ترتب عليها عمل صالح، فهي بهذا الاعتبار: كمال في المخلوق، لائق بضعفه وحاجته.

لكنه كمال يتضمن نقصا وحاجةً وضعفًا ينزَّه عنه رب العالمين تعالى.

قال الشاطبي في "شرح ألفية ابن مالك" (3/ 628): "ونسبة الإشفاق إلى الله عز وجل، كنسبة الترجِّي إليه؛ في أن ذلك عليه: مستحيل"، انتهى.

فعلم بذلك أن الشفقة ليست (صفة كمالٍ مطلق؛ لا نقص فيه) حتى يقال: الله تعالى أولى بها.

لكن ربنا سبحانه هو الغفور الودود، وهو بالناس رءوف الرحيم، والله رءوف بالعباد، سبحانه وعزَّ وجلَّ، فهذه أسماؤه وصفاته التي أثبتها لنفسه تعالى، كمال لا نقص فيه، فالحمد لله رب العالمين.

والله أعلم.

المراجع

الأسماء والصفات

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android