أولًا:
تحرير محل الإشكال
هذه المسألة من المسائل التي يكثر السؤال عنها، ويقع فيها الاشتباه لمن نظر إلى ظاهر الآية دون أن يجمع إليها غيرها من النصوص، وقد تكلم فيها أهل العلم من المفسرين وغيرهم بما يرفع الإشكال ويُجلّي وجه الجمع.
ومنشأ الإشكال فيها: أن الآية تُثبت أن كل أمة قد خلا فيها نذير، ووجودُ أهل الفترة يقتضي أن أقوامًا من "هذه الأمم": قد عاشوا، وماتوا؛ ولم يأتهم نذير.
ويزول الإشكال بالتفريق بين ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون قد سبق في تاريخ الأمة نذير بعثه الله إليها.
والثاني: أن يوجد "شخص" النذير في كل جيل من أجيالها.
والثالث: أن تبلغ نذارته كلَّ فرد من أفرادها على وجه تقوم به عليه الحجة.
فالذي تدل عليه الآية هو الأمر الأول، ولا يلزم منه الثاني ولا الثالث. وأهل الفترة قد فاتهم الأمر الثاني قطعًا، وقد يفوت بعضَهم الثالث، وذلك لا ينافي ثبوت الأول؛ فلا تعارض.
وتفصيل ذلك فيما يأتي.
ثانيًا:
معنى قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ
معنى خَلَا: مضى وسلف؛ فالآية خبر عن سنة الله الماضية في الأمم، أنه سبحانه لم يترك أمة من غير أن يبعث فيها نذيرًا، وليس معناها أن كل جيل من أجيال الأمة لا بد أن يكون فيه رسول حاضر.
قال ابن كثير رحمه الله:
«أي: وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله إليهم النُّذر، وأزاح عنهم العلل، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ [الرعد: 7]، وكما قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل: 36]، والآيات في هذا كثيرة».
انتهى من تفسير القرآن العظيم (6/ 543)، ت: سامي السلامة.
ويؤكد هذا المعنى سياقُ الآية؛ فقد جاءت بعد قوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، والمقصود بها تقرير أن إرسال الرسل سنة ماضية، لا أن كل فرد من كل أمة قد باشرته النذارة. قال الطاهر ابن عاشور رحمه الله:
«وقوله: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ إبطال لاستبعاد المشركين أن يرسل الله إلى الناس بشرًا منهم؛ فإن تلك الشبهة كانت من أعظم ما صدَّهم عن التصديق به».
انتهى من التحرير والتنوير (22/ 296).
ثالثًا:
إثبات القرآن لوقوع الفترة
أخبر الله تعالى نفسه بوقوع الفترة بين الرسل، فقال: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: 19].
والفترة: الزمن الذي ينقطع فيه إرسال الرسل. وأشهر الفترات: الفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، وقد روى البخاري (3948) عن سلمان رضي الله عنه قال: فترةٌ بين عيسى ومحمد ﷺ ستمائة سنة.
وقد جمع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين عموم الرسالة ووقوع الفترات، وبيَّن حقيقة زمن الفترة، فقال:
«وأخبر سبحانه أن الرسالة عمَّت الأمم كلهم بقوله سبحانه: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا... وقال سبحانه: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ. وكما أخبر سبحانه أنه لم يكن معذِّبًا أحدًا في الدنيا ولا في الآخرة حتى يبعث رسولًا، أخبر سبحانه أنه بعث في كل أمة رسولًا، لكن قد كان يحصل في بعض الأوقات فترات من الرسل، كالفترة التي بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم...
وزمان الفترة: زمان درست فيه شريعة الرسول، وأكثر الدعاة إليها؛ إلا القليل، ولم يدرس فيها علم أصول دين المرسلين، بل يبقى في الفترة من الدعاة من تقوم به الحجة، كما قال الإمام أحمد رحمه الله: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم...».
انتهى من جامع المسائل (5/ 52-53)، ط. عطاءات العلم.
فهذا النقل مفيد في محل المسألة؛ إذ جمع -رحمه الله- بين عموم إرسال الرسل إلى الأمم، ووقوع فترات تنقطع فيها الرسالة وتندرس فيها كثير من معالم الشريعة، مع بقاء أصول دين المرسلين وبقاء من تقوم به الحجة في الغالب.
وقد أورد ابن جزي رحمه الله هذا الإشكال بعينه وأجاب عنه، فقال في تفسير الآية:
«معناه: أن الله قد بعث إلى كل أمة نبيًّا يقيم عليهم الحجة.
فإن قيل: كيف ذلك وقد كان بين الأنبياء فترات وأزمنة طويلة؟ ألا ترى أن بين عيسى ومحمد ﷺ ستمائة سنة لم يُبعث فيها نبي؟
فالجواب: أن دعوة عيسى ومن تقدمه من الأنبياء كانت قد بلغتهم، فقامت عليهم الحجة».
انتهى من التسهيل لعلوم التنزيل (2/ 174)، ط. دار الأرقم.
فالفترة انقطاعٌ لإرسال الرسل مدةً من الزمن، لا انقطاعٌ لأصل النذارة في الأمة؛ فالنذير قد خلا فيها، وبقيت من دعوته بقايا.
وإلى هذه "البقايا" التي بقيت في أمة "العرب" قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم: يشير الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في "صحيحه" (2865)، عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ:
( أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ.
وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا.
وَإِنَّ اللهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ؛ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ). الحديث.
وكان من هؤلاء : "البقايا": زيد بن عمرو بن نفيل، رحمه الله، ورضي عنه:
روى البخاري في "صحيحه" (3828): عَنْ أَسْماءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما، قالَتْ: ( رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قائِمًا، مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى الْكَعْبَةِ، يَقُولُ: يا مَعاشِرَ قُرَيْشٍ، واللَّهِ ما مِنْكُمْ على دِينِ إِبْراهِيمَ غَيْرِي ).
وروى البخاري أيضا (3826): عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ على النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأكُلَ مِنْها، ثُمَّ قالَ زَيْدٌ: ( إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ على أَنْصابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا ما ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كانَ يَعِيبُ على قُرَيْشٍ ذَبائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَها اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَها مِنَ السَّماءِ الْماءَ، وَأَنْبَتَ لَها مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَها على غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ؟! إِنْكارًا لذلك وَإِعْظامًا لَهُ ).
رابعًا:
الجمع بين الآية والآيات التي تنفي مجيء النذير إلى قوم معيَّنين
جاء في القرآن نفيُ مجيء النذير إلى قوم معيَّنين، كقوله تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [السجدة: 3]، وقوله: وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ [سبأ: 44]، وقوله: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس: 6].
وهذه الآيات أصرح في صورة الإشكال من مجرد وجود أهل الفترة؛ لأنها نفت النذير عن العرب الذين بُعث فيهم النبي ﷺ.
وللعلماء في الجمع بينها وبين آية فاطر أوجه:
الوجه الأول: أن المنفي هو النذير المعاصر المباشر لهم، لا أصل النذارة في أمتهم. قال ابن عطية رحمه الله في تفسير آية سبأ:
«والمعنى: وما أرسلنا من نذير يشافههم بشيء، ولا يباشر أهلَ عصرهم ولا مَن قَرُب من آبائهم، وإلا فقد كانت النذارة في العالم وفي العرب مع شعيب وصالح وهود، ودعوة الله، وتوحيده: قائم لم تخلُ الأرض من داعٍ إليه، فإنما معنى هذه الآية: مِنْ نَذِيرٍ يختص بهؤلاء الذين بعثناك إليهم، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل».
انتهى من المحرر الوجيز (4/ 424)، ط. دار الكتب العلمية.
وقال ابن جزي رحمه الله:
«فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ؟
فالجواب: أنهم لم يأتهم نذير معاصر لهم، فلا يعارض ذلك من تقدم قبل عصرهم».
الوجه الثاني: اختلاف مساق الآيتين؛ وقد ذكره ابن جزي عقب ما سبق فقال:
«وأيضًا فإن المراد بقوله: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ أن نبوة محمد ﷺ ليست ببدع فلا ينبغي أن تُنكر؛ لأن الله أرسله كما أرسل من قبله.
والمراد بقوله: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ: أنهم محتاجون إلى الإنذار، لكونهم لم يتقدم من ينذرهم، فاختلف سياق الكلام، فلا تعارض بينهما». انتهى من التسهيل لعلوم التنزيل (2/ 174-175).
الوجه الثالث: أن المراد بالأمة في آية فاطر: الأمة بمعناها الجامع، لا كل قوم أو جيل؛ فالذين نُفي عنهم النذير بعضُ أمة، لا أمة مستقلة. وقد قرر ذلك الشنقيطي رحمه الله فقال بعد أن ذكر أن الأمم محصورة في عدد معلوم كما في الحديث:
«فآباء القوم الذين لم يُنذَروا مثلًا، المذكورون في قوله: لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ ليسوا أمة مستقلة، حتى يَرِد الإشكال في عدم إنذارهم مع قوله: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ، بل هم بعضُ أمة». انتهى من دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب (ص 179)، ط. عطاءات العلم.
الوجه الرابع: أن ما في قوله: مَا أَتَاهُمْ ومَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ موصولة لا نافية، فلا نفي في الآيتين أصلًا. وهذا اختيار أبي حيان رحمه الله، قال:
«والذي أذهب إليه، غيرُ ما ذهب إليه المفسرون؛ وذلك أنهم فهموا من قوله: مَا أَتَاهُمْ، ومَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ أن ما نافية، وعندي أن ما موصولة، والمعنى: لتنذر قومًا العقاب الذي أتاهم... أي: أتاهم على لسان نذير من قبلك... وهذا القول جارٍ على ظواهر القرآن، قال تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ». انتهى من البحر المحيط (8/ 430)، ط. دار الفكر.
وهذا الوجه خلاف ما عليه عامة المفسرين من أن ما نافية، كما صرح به أبو حيان نفسه، والمعتمد هو الوجه الأول، والأوجه الأخرى مؤيدة له.
خامسًا:
سبق النذير في الأمة لا يستلزم بلوغ نذارته كل فرد من أفرادها
العبرة في حق الشخص المعيَّن ببلوغ الرسالة إليه، لا بمجرد كون رسولٍ قد بُعث في أمته في زمن سابق. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
الكتاب والسنة قد دلَّا على أن الله لا يعذب أحدًا إلا بعد إبلاغ الرسالة، فمن لم تبلغه جملةً، لم يعذبه رأسًا، ومن بلغته جملةً دون بعض التفصيل، لم يعذبه إلا على إنكار ما قامت عليه الحجة الرسالية. انتهى من مجموع الفتاوى (12/ 493).
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن النذارة لم تنقطع عن أحد، وأن أصحاب الفترات إنما يُذكرون على سبيل الفرض؛ قال ابن عطية رحمه الله في تفسير آية فاطر:
معناه: أن دعوة الله تعالى قد عمَّت جميع الخلق، وإن كان فيهم من لم تباشره النذارة فهو ممن بلغته؛ لأن آدم بُعث إلى بنيه، ثم لم تنقطع النذارة إلى وقت محمد ﷺ... وما ذكره المتكلمون من فرض أصحاب الفترات ونحوهم، فإنما ذلك بالفرض، لا أنه تُوجد أمة لم تعلم أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله. انتهى من المحرر الوجيز (4/ 436).
وهذا صحيح باعتبار جملة الأمم وغالب أهلها؛ فلا تكاد توجد أمة تجهل بالكلية أن في الأرض دعوة إلى عبادة الله. لكنه لا يمنع أن يوجد في الأمة أفراد لم تبلغهم النذارة على وجه تقوم به الحجة، لبُعدهم عن مواطن العلم، أو لعارض في عقولهم أو أسماعهم.
ويدل على وجود هؤلاء حديث الأسود بن سريع رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
أربعة يحتجُّون يوم القيامة: رجلٌ أصم، ورجلٌ أحمق، ورجلٌ هَرِم، ورجلٌ مات في الفترة... وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب، ما أتاني لك رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعُنَّه، فيرسل إليهم رسولًا أن ادخلوا النار. قال: فوالذي نفسي بيده لو دخلوها كانت عليهم بردًا وسلامًا.
رواه أحمد (16301)، وابن حبان (7357) واللفظ له، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1434).
فأثبت الحديث وجود من مات في الفترة ولم يأته رسول، مع ثبوت أن كل أمة قد خلا فيها نذير.
وقد استدل الصنعاني رحمه الله بآية فاطر على أن الذي مات في الفترة مخاطَب بشرع من قبله، واستشكل الحديث، فتعقبه الشيخ الألباني رحمه الله بقوله:
«لم يتبين لي وجه الإشكال، إلا أن يكون بدا له التعارض بين الآية: إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ، وبين قول الذي مات في الفترة: (ما أتاني من نذير)، فإن كان هذا هو المشكل، فلا إشكال عندي؛ لأنه ليس من الضروري أن تبلغ النذارة كل فرد من أفراد كل أمة، بل يمكن أن يكون في كل أمة من لم تبلغهم الدعوة، حتى في هذه الأمة المحمدية...».
ثم قال:
«وثانيًا: فإن قول المؤلف: إن الذي مات في الفترة مخاطب بشرع من قبله، لا يدل عليه قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ؛ لأن المعنى: ما من أمة من الأمم الماضية إلا مضى فيها نذير من الأنبياء ينذرها، كما قال الشوكاني في فتح القدير».
انتهى من تعليقه على رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار للصنعاني (ص 114).
وقد عُرض هذا السؤال على الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله، فأفاد بأن أهل الفترة الذين يذكرهم العلماء: هم أهل الجاهلية الذين كانوا بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأنهم من ذرية أمة قد سبقت فيها النذارة، وكان أصل ملة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام معروفًا فيهم، لكن طال عليهم العهد، وبعدت أسباب البلاغ، فوقع فيهم الجهل. ومثَّل لذلك بما يقع في أمة محمد ﷺ نفسها؛ فقد يوجد فيها من لم تبلغه الدعوة لبعده عن مواطن العلم، وهذا أمر عارض لا ينافي أن النذير قد بُعث في الأمة.
ولما سئل: هل يصح أن يقال في أهل الفترة: إن النذير قد خلا في أمتهم، ولكن النذارة لم تصل إليهم؟ وافق على هذا المعنى. هذا حاصل ما أفاده الشيخ مشافهةً.
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
ونعلم أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وأن الله سبحانه وتعالى أرسل لكل أمة رسولًا تقوم به الحجة عليهم... والبشر إذا لم يأتهم رسول يبين لهم، فهم معذورون. انتهى من القول المفيد على كتاب التوحيد (2/ 411).
فقيام الحجة بالرسول على الأمة في الجملة شيء، وبلوغها إلى كل فرد بعينه، على وجه تقوم الحجة بها عليه: شيء آخر.
سادسًا:
أهل الفترة ليسوا صنفًا واحدًا
ينبغي التفريق بين أهل الفترة بالمعنى الزمني، وهم من عاشوا في زمن انقطاع الرسل، وبين من لم تبلغه الدعوة بالمعنى الحكمي؛ فليس كل من عاش في زمن الفترة معذورًا.
فقد ثبت في السنة أن بعض من مات في الجاهلية في النار، كقوله ﷺ للرجل الذي سأله عن أبيه: إن أبي وأباك في النار رواه مسلم (203)، وقوله ﷺ في عمرو بن لحي الخزاعي: رأيت عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي يجر قُصْبه في النار، وكان أول من سيَّب السوائب رواه البخاري (3521) ومسلم (2856).
قال النووي رحمه الله:
وفيه أن من مات في الفترة، على ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان: فهو من أهل النار، وليس هذا مؤاخذة قبل بلوغ الدعوة؛ فإن هؤلاء كانت قد بلغتهم دعوة إبراهيم وغيره من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم. انتهى من شرح النووي على مسلم (3/ 79).
وهذا يؤكد ما تقدم؛ فإن النذير قد خلا في العرب، وبلغت دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كثيرًا منهم، فقامت عليهم الحجة، ومن بدَّل منهم دين إبراهيم وشرع الشرك لم يكن معذورًا. وأما من لم تبلغه الدعوة على وجه تقوم به الحجة، فهو الذي يتعلق به الحكم الآتي.
تتمة: حكم من لم تبلغه الدعوة
الأصل في هذا الباب قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء: 15]، وقوله: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: 165]، وحديث الأسود بن سريع المتقدم.
وقد عدَّ ابن القيم رحمه الله من لم تبلغه الدعوة في طبقات المكلفين، فقال:
الطبقة الرابعة عشرة: قوم لا طاعة لهم ولا معصية، ولا كفر ولا إيمان، وهؤلاء أصناف: منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع لها بخبر، ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئًا ولا يميز، ومنهم الأصم الذي لا يسمع شيئًا أبدًا، ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا شيئًا. فاختلفت الأمة في حكم هذه الطبقة اختلافًا كثيرًا، والمسألة التي وسَّعوا فيها الكلام هي مسألة أطفال المشركين.
ثم ساق المذاهب في أطفال المشركين، وذكر المذهب الثامن فقال:
أنهم يُمتحنون في عرصة القيامة، ويُرسل إليهم هناك رسول وإلى كل من لم تبلغه الدعوة، فمن أطاع الرسول دخل الجنة، ومن عصاه أدخله النار. وعلى هذا فيكون بعضهم في الجنة وبعضهم في النار. وبهذا يتألف شمل الأدلة كلها، وتتوافق الأحاديث. انتهى من طريق الهجرتين وباب السعادتين (2/ 840-841، 864)، ط. عطاءات العلم.
وذكر ابن كثير رحمه الله عند قوله تعالى: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا أقوال العلماء في هذا الباب، ثم قال:
ومنهم من ذهب إلى أنهم يُمتحنون يوم القيامة في العَرَصات، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرًا وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة. وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة، الشاهدُ بعضها لبعض. انتهى من تفسير القرآن العظيم (5/ 57-58)، ت: سامي السلامة.
ثم نقل ابن كثير اعتراض ابن عبد البر على أحاديث الامتحان بأنها ليست قوية، وأن الآخرة دار جزاء لا دار عمل وابتلاء، وأجاب عنه بأن من أحاديث الباب ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، ومنها ضعيف يتقوى بهما، وبأن التكليف قد يقع في عرصات القيامة كما دلت عليه النصوص.
وجاء في "فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء":
الذين لم تبلغهم الدعوة على وجه تقوم به الحجة عليهم: فأمرهم إلى الله عز وجل، والأصح من أقوال أهل العلم في ذلك: أنهم يُمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع الأوامر دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وقد أوضح هذا المعنى الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره... والعلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه [طريق الهجرتين] في آخره تحت عنوان (طبقات المكلفين). انتهى من فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى (2/ 146)، وانظر: (3/ 497-498).
وفي المسألة أقوال أخرى، والراجح ما تقدم: أن من مات ولم تبلغه الدعوة على وجه تقوم به عليه الحجة فإنه يُمتحن يوم القيامة، فمن أطاع نجا، ومن عصى هلك. وهذا الحكم نفسه شاهد لما سبق: أن بعثة النذير في الأمة لا تستلزم بلوغ نذارته كل فرد من أفرادها.
والحاصل
أن قوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ خبر عن سنة الله الماضية في إرسال النذر إلى الأمم.
وقوله تعالى: عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ يثبت وقوع أزمنة ينقطع فيها إرسال الرسل، وتندرس فيها كثير من معالم الرسالة، مع بقاء أصولها في الغالب.
وقوله تعالى: مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ ونحوه المراد به نفي النذير المعاصر المباشر لقوم معيَّنين، لا نفي أصل النذارة في أمتهم.
وأهل الفترة صنفان: من بلغته دعوة الرسل السابقين فقامت عليه الحجة، ومن لم تبلغه على وجه تقوم به الحجة، وهذا يُمتحن يوم القيامة.
فلا تعارض بين الآيات والأحاديث، والحمد لله.
وينظر لمزيد الفائدة: (98714)
والله أعلم.