أولا:
المشركون كانوا يعبدون الأصنام التي هي صور للصالحين، على أنها تقربهم إلى الله، وتشفع لهم عنده.
قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) يونس/18
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) الزمر/3
فهم معترفون بالله، لكنهم يشركون في عبادته على هذا النحو الذي ذكره الله تعالى.
ثانيا:
دلت النصوص على أن المشركين يوم القيامة لهم أحوال:
1-يعلنون أنه لا شريك مع الله.
1-قال تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ) الشورى/47، 48
قال ابن كثير في تفسيره (7/ 185): "وقوله: ويوم يناديهم أين شركائي أي: يوم القيامة ينادي الله المشركين على رءوس الخلائق: أين شركائي الذين عبدتموهم معي؟ قالوا آذناك أي: أعلمناك، ما منا من شهيد أي: ليس أحد منا اليوم يشهد أن معك شريكا.
وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل أي: ذهبوا فلم ينفعوهم، وظنوا ما لهم من محيص أي: وظن المشركون يوم القيامة، وهذا بمعنى اليقين، ما لهم من محيص أي: لا محيد لهم عن عذاب الله، كقوله تعالى: ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا [الكهف: 53] .
2-يتبرأ المعبود ممن عبده.
2-قال تعالى: (وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ * وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ) القصص/62-64
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (6/ 249): "يقول تعالى مخبرا عما يوبخ به الكفار المشركين يوم القيامة، حيث يناديهم فيقول: أين شركائي الذين كنتم تزعمون يعني: أين الآلهة التي كنتم تعبدونها في الدار الدنيا، من الأصنام والأنداد، هل ينصرونكم أو ينتصرون؟
وهذا على سبيل التقريع والتهديد، كما قال: ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون [الأنعام: 94] .
وقوله: قال الذين حق عليهم القول يعني: من الشياطين والمردة والدعاة إلى الكفر، ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون ، فشهدوا عليهم أنهم أغووهم فاتبعوهم، ثم تبرؤوا من عبادتهم، كما قال تعالى: واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ، وقال: ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون. وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين ، وقال الخليل لقومه: إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين ، وقال الله : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار ، ولهذا قال: وقيل ادعوا شركاءكم أي: ليخلصوكم مما أنتم فيه، كما كنتم ترجون منهم في الدار الدنيا، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب أي: وتيقنوا أنهم صائرون إلى النار لا محالة.
وقوله: لو أنهم كانوا يهتدون أي: فودوا حين عاينوا العذاب لو أنهم كانوا من المهتدين في الدار الدنيا. وهذا كقوله تعالى: ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا. ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا [الكهف: 52، 53].
3-يكذبون، فينكرون أنهم أشركوا في الدنيا.
ويظنون أنهم ينجون بذلك، فيختم الله على أفواههم وتنطق جوارحهم.
قال الله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) الأنعام/22-24.
قال ابن كثير رحمه الله في تفسير آيات الأنعام: "يقول تعالى مخبرا عن المشركين: ويوم نحشرهم جميعا يوم القيامة فيسألهم عن الأصنام والأنداد التي كانوا يعبدونها من دونه قائلا لهم: أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون كما قال تعالى في سورة القصص: ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون [الآية: 62] .
وقوله: ثم لم تكن فتنتهم أي: حجتهم. وقال عطاء الخراساني، عن ابن عباس: أي: معذرتهم. وكذا قال قتادة. وقال ابن جريج، عن ابن عباس: أي قيلهم. وكذا قال الضحاك.
وقال عطاء الخراساني: ثم لم تكن بليتهم حين ابتلوا إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين
وقال ابن جرير: والصواب ثم لم يكن قيلهم، عند فتنتنا إياهم، اعتذارا مما سلف منهم من الشرك بالله= إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو يحيى الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن مطرف، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجل فقال يا أبا عباس. سمعت الله يقول: والله ربنا ما كنا مشركين قال: أما قوله: والله ربنا ما كنا مشركين فإنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة، فقالوا: تعالوا فلنجحد، فيجحدون، فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثا، فهل في قلبك الآن شيء؟ إنه ليس من القرآن شيء إلا قد نزل فيه شيء، ولكن لا تعلمون وجهه.
وقال الضحاك، عن ابن عباس: هذه في المنافقين.
وفي هذا نظر، فإن هذه الآية مكية، والمنافقون إنما كانوا بالمدينة، والتي نزلت في المنافقين آية المجادلة: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له [كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون] [المجادلة: 18].
وهكذا قال في حق هؤلاء: انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون كما قال ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين" انتهى من "تفسير ابن كثير" (3/ 246).
فدل قول ابن عباس رضي الله عنه على أنهم يكذبون، ظنا أن الكذب ينجيهم.
ثالثا:
أما آيات سورة غافر، فقال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ) غافر/69-74.
وهذه الآيات تدل على أن التوبيخ يقع لهم أيضا في النار، وأنهم يكذبون فيقولون: لم نكن ندعوا من قبل شيئا.
وللمفسرين قول آخر، وهو أنهم لم يكذبوا، وإنما يقولون: إن الأصنام لم تكن شيئا ينفع أو يضر.
قال ابن الجوزي رحمه الله في "زاد المسير" (4/ 43): "وفي قوله: لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً قولان: أحدهما: أنهم أرادوا أن الأصنام لم تكن شيئاً، لأنها لم تكن تضُر ولا تنفع، وهو قول الأكثرين. والثاني: أنهم قالوه على وجه الجحود، قاله أبو سليمان الدمشقي" انتهى.
وقال القرطبي رحمه الله في تفسيره (15/ 333): "" بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا" أي شيئا لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع. وليس هذا إنكارا لعبادة الأصنام، بل هو اعتراف بأن عبادتهم الأصنام كانت باطلة" انتهى.
رابعا:
دل القرآن على أن هذا التوبيخ يقع لهم أيضا في ساعة الوفاة.
قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ) الأعراف/37
قال ابن الجوزي رحمه الله: "قوله تعالى: حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا فيهم ثلاثة أقوال: أحدها: أنهم أعوان مَلَكِ الموت، قاله النخعي. والثاني: ملك الموت وحده، قاله مقاتل. والثالث: ملائكة العذاب يوم القيامة.
وفي قوله: يَتَوَفَّوْنَهُمْ ثلاثة أقوال: أحدها: يتوفَّونهم بالموت، قاله الأكثرون. والثاني:
يتوفَّونهم بالحشر إلى النار يوم القيامة، قاله الحسن. والثالث: يتوفَّونهم عذاباً، كما تقول: قتلت فلاناً بالعذاب، وإن لم يمت، قاله الزجاج.
قوله تعالى: أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ أي: تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ، وهذا سؤال تبكيت وتقريع. قال مقاتل: المعنى: فليمنعوكم من النار. قال الزجاج: ومعنى ضَلُّوا عَنَّا: بطلوا وذهبوا، فيعترفون عند موتهم أنهم كانوا كافرين. وقال غيره: ذلك الاعتراف يكون يوم القيامة" انتهى من "زاد المسير" (2/ 117).
وعلى هذا فالتوبيخ يقع للكفار في المواضع الثلاثة:
1-عند الوفاة.
2-ويوم القيامة.
3-وفي النار.
خامسا:
قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ) النحل/86.
وها فيه اعتراف بالشرك، وأنهم كانوا يدعون آلهتهم من دون الله، وما في الأنعام وغافر إنكار لذلك.
ولا تعارض؛ فإنهم لما كذبوا وأنكروا الشرك، ختم الله على ألسنتهم وأنطق جوارحهم، فاعترفوا وأقروا بشركهم التماسا للرحمة، أو ليقع العذاب على معبوداتهم، ويرفع أو يخفف عنهم.
قال ابن الجوزي رحمه الله: " (وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ) يعني: الأصنام التي جعلوها شركاء لله في العبادة، وذلك أن الله يبعث كل معبود من دونه، فيقول المشركون: (رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا) أي: نعبد من دونك.
فان قيل: فهذا معلوم عند الله تعالى، فما فائدة قولهم: هؤلاء شركاؤنا ؟
فعنه جوابان:
أحدهما: أنهم لما كتموا الشرك في قولهم: (واللهِ ما كنا مشركين)، عاقبهم الله تعالى بإصمات ألسنتهم، وإِنطاق جوارحهم، فقالوا عند معاينة آلهتهم: (رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا) أي: قد أقررنا بعد الجحد، وصدَّقنا بعد الكذب، التماساً للرحمة، وفراراً من الغضب، وكأنَّ هذا القول منهم على وجه الاعتراف بالذنْب، لا على وجه إِعلام من لا يَعلم.
والثاني: أنهم لما عاينوا عِظَم غضب الله تعالى قالوا: (هؤلاء شركاؤنا)، تقديرَ أن يعود عليهم من هذا القول رَوْح، وأن تلزم الأصنام أجرامهم، أو بعض ذنوبهم، إِذْ كانوا يدَّعون لها العقل والتمييز، فأجابتهم الأصنام بما حسم طمعهم" انتهى من "زاد المسير" (2/ 577).
والحاصل:
أنهم لجأوا إلى الكذب أولا، فلما لم ينفعهم، اعترفوا بذنبهم وأقروا بشركهم.
والله أعلم.