الفعل الإلهي لم ينقطع بانتهاء الأيام الستة، بل لله تعالى في كل وقتٍ خلقٌ وتدبير، وفق حكمته وبمشيئته، كما قال تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ. ولا وجه للإشكال بين حقيقة الخلق في ستة أيام، وبين استمرار خلق الأعيان والأشخاص (كالنجوم والناس) بعد الستة أيام، والذي جاء به العلم، يصدق ما أخبر به الوحي، ولا يعارضه.
هل ولادة النجوم الآن تتعارض مع خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام؟
السؤال 487467
كيف نفهم أن الله تعالى خلق النجوم وكل شيء في ستة أيام خلقا أوليّا إن كان ما يقوله علماء الفلك صحيحاً؟ لماذا لا تزال هناك نجوم جديدة تتشكل بعد الأيام الستة؟ هل هذا يعني أن الله لا زال يخلق نجومًا جديدة بعدها؟ مثل التكاثر البشري، خلق الله تعالى آدم أول إنسان ولا يزال البشر يُخلقون حتى الآن إلى يوم القيامة.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
مخلوقات الله تعالى ليست محصورة فيما خلقه رب العالمين في الستة أيام، بل خلق الله تعالى قبل الستة أيام ما شاء أن يخلق، ويخلق تعالى بعد الستة أيام ما يشاء أن يخلق.
وهذا محل إجماع، لم يختلف فيه المسلمون.
والله رب العالمين تبارك وتعالى ما زال يخلق – بعد الستة الأيام - ما يشاء من النجوم وغير النجوم من المخلوقات، فهو تعالى يخلق ما يشاء متى يشاء، وفق حكمته ومشيئته تعالى.
ومخلوقات الله تعالى التي خلقها في الأيام الستة ليست هي - كما ورد في السؤال -: (النجوم وكل شيء)، بل ما خلقه الله تعالى في هذه الأيام الستة هو (بعض) مخلوقاته تعالى حسب، وليست كلها.
ومن المعلوم – بالحس والمشاهدة وبالنص والإجماع – أن الله تعالى ما يزال يخلق ما يشاء بعد انقضاء الستة الأيام.
فالله تعالى ما زال يحيي ويميت، ونحن نشهد كل يوم بعض ما يخلقه تعالى، ويحدِثه ويوجِده، بعد أن لم يكن، كما أننا نشهَد بعض ما يُميته تعالى.
فنحن نشهد ونرى ولادة ما يولد من حيوان وإنسان، وما يموت منها، ونرى ما ينشأ من السحاب وما ينزل منه من الماء وما يخرج بالماء الواحد، ماء المطر، من النبات، ونشهد أنه مختلِف أُكُله، صنوانٌ وغير صنوان، وكل هذا من برهان قدرة الله على الخلق والإبداع، وفعله لذلك الخلق، دائما، سبحانه وتعالى.
وهذه المخلوقات كلها – وغيرها – من مخلوقات الله تعالى؛ يُحدثها تعالى كلَّ يوم، بل كل لحظة.
وهذا من حجج الأنبياء على أقوامهم لدعوتهم إلى الإيمان بتفرد الله تعالى بالخلق والملك والتدبير، ومن ثمَّ استحقاقه تعالى أن يفرد بالدعاء والطلب والعبادة.
وهو من حجج الأنبياء كذلك على وجوب الإيمان بالبعث والجزاء!
وهذا كما:
1- قال تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ التوبة/115-116
2- وقال تعالى: أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ يونس/55-56
3- وقال تعالى حجةً على مشركي العرب:
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ، الآيات إلى قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [سورة المؤمنون].
4- ومعلوم ما احتج به إبراهيم عليه السلام: إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.
فربنا تبارك وتعالى - كما أخبر عن نفسه -: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، والذي ذكره المفسرون عند هذه الآية، هو كما نقله عنهم الواحدي؛ أنه تعالى:
"من شأنه أن يحيي ويميت، ويرزق ويمنع، وينصر ويعز ويذل، ويفك عانيًا، ويشفي مريضًا، ويجيب داعيًا ويعطي سائلًا، ويتوب على قوم، ويكشف كربًا، ويغفر ذنبًا، إلى ما لا يُحصَى من أفعاله وأحداثه في خلقه، ما يشاء.
ذكر ذلك مجاهد، والكلبي، وعبيد بن عمير، وأبو ميسرة، وعطاء عن ابن عباس، ومقاتل، وذكر السبب في نزوله، فقال: إن اليهود قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شيئًا فأنزل الله: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ"، انتهى من "التفسير البسيط" (21/ 162).
فلله عز وجل في كل وقتٍ شأنٌ من تقديره تعالى، وفعلٌ يفعله، وأمرٌ يُمضيه، وما لا يُحصَى من أفعاله وأحداثه في خلقه.
فالله تعالى - كما دلَّ القرآن والسنة والإجماع - : لم يعطَّل عن الخلق بعد الستة الأيام؛ بل ما زال خلَّاقا عليما، سبحانه وتعالى، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.
هذا؛
كما أن رب العالمين تعالى لم يكن معطَّلا عن الخلق قبل الستة الأيام، فقد دلت نصوص الوحي أن لله تعالى مخلوقاتٍ قبل الستة أيام، كالعرشَ، والماءَ، والقلمَ، واللوحَ، كما يدل عليه:
1- قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.
2- وحديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ أولَ ما خلَقَ اللهُ القلمَ، فقال له: اكتُبْ قال: ربِّ وماذا أكتُبُ؟ قال: اكتُبْ مقاديرَ كلِّ شيءٍ حتى تقومَ الساعةُ) رواه أبو داود (4700) والترمذي (3319) وصححه الشيخ الألباني.
3- وحديث عبد الله بن عمرو سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)، قال: (وعرشه على الماء) رواه مسلم (2653).
قال الإمام النووي رحمه الله:
"قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير، فإن ذلك أزلي لا أول له، وقوله: (وعرشه على الماء) أي: قبل خلق السماوات والأرض. والله أعلم"، انتهى من "شرح مسلم" (16/ 203).
فهذه الأدلة صريحة في أن هذه المخلوقات المذكورة متقدِّمة على ما خلقه الله تعالى في الأيام الستة، وأما الستة الأيام فهي ميقات بداية خلق عالمنا المشهود، وليست بداية جنس الخلق الإلهي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"ثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف - الذي لا يُعلم فيه نزاع - أن الله لَمَّا خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام: كان عرشه على الماء قبل ذلك، فكان العرش موجودا قبل ذلك، وكان الماء موجودا قبل ذلك.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(إن الله قدر مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وكان عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء)، وقد أخبر سبحانه أنه: اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ"، انتهى من "نقد مراتب الإجماع" (ص 305).
وقال الله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ.
قال السعدي رحمه الله في "تفسيرها" (ص 644):
"... يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ بحسب حكمته. ومن حكمته أن يُري العبدَ ضعفَه ... وليَعلم العبادُ كمالَ قدرة الله التي لا تزال مستمرةً، يخلق بها الأشياء، ويدبر بها الأمور، ولا يلحقها إعياء ولا ضعف ولا نقص بوجه من الوجوه" انتهى مختصرا.
والمقصود:
أن الله تعالى قد خلق ما شاء من مخلوقات قبل مخلوقاته في الأيام الستة، وما زال تعالى يخلق بعدها ما يشاء.
والله تعالى يخلق نعيم أهل الجنة وحركاتهم ولذتهم في الجنة، شيئا بعد شيء، بلا انقطاع، إلى الأبد، فهو نعيم دائم من مخلوقات الله، ولا آخر له ولا نهاية، فهي لذة دائمة لا تنقطع، وكذلك يقال في عذاب أهل النار، كل ذلك من مخلوقاته تعالى، يحدِثها تعالى شيئا بعد شيء في المستقبل بلا نهاية.
والأنبياء إنَّما: "أخبروا الناس بخلق هذا العالم الموجود المشهود، وابتداء خلقه، وأنه خلقه في ستة أيام، وأما ما خلقه قبل ذلك شيئا بعد شيء؛ فهذا بمنزلة ما سيخلقه بعد قيام القيامة ودخول أهل الجنة وأهل النار منازلهما. وهذا مما لا سبيل للعباد إلى معرفته تفصيلًا"، كما في "مجموع فتاوي ابن تيمية" (18/ 231).
ثانيًا:
ذكر الله تعالى خلْقَ الأرضِ في يومين ثم قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ.
قال الشيخ السعدي رحمه الله في "تفسيره" (ص 745):
"ثُمَّ بعد أن خلق الأرض اسْتَوَى أي: قصد إِلَى خلق السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ قد ثارَ على وجه الماء"، انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في "درء تعارض العقل والنقل" (1/ 123):
"الذي جاء به القرآن والتوراة، واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع أئمة أهل الكتاب: أن هذا العالم خلقه الله وأحدثه من مادة كانت مخلوقة قبله، كما أخبر في القرآن أنه: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ، أي: بخارٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا"، انتهى.
وقال ابن تيمية كذلك في "نقد مراتب الإجماع" (ص 305):
"ثبت عن غير واحد من الصحابة والتابعين وغيرهم من علماء المسلمين أنه خلق السماء من بخار الماء"، انتهى.
والمقصود:
أن الله تعالى لم يخبر في القرآن أنه خلق السماوات من العدم المحض، بمعنى عدم وجود مادة قبلها، بل أخبر أنه خلقها من دخان، وهو ما عبر عنه السلف ببخار الماء كما سبق نقله.
فإذا قال علماء الفلك: إن النجوم (تتشكل) مما يسمونه سحبا غازية أو دخانا كونيا؛ فإن قولهم لا يعارض ما أخبر به عز وجل؛ أنه (يخلق) السماء - وفيها النجوم والكواكب - من الدخان، أو من بخار الماء.
بل بين المعنيين توافق ظاهر.
وكذلك لا إشكال فيما يذكره الفلكيون أن النجوم تتكوَّن بأسبابٍ (كالجاذبية والحرارة)؛ فهذا من قبيل الأسباب التي يوجدها الله تعالى. وهذا كما أن خلق آدم عليه السلام كان من طين، وهو الابتداء للجنس البشري، ثم استمر خلق البشر بأسباب، كالماء المهين (نطفة الرجل)، كما أخبرَ تعالى أنه: بَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ.
فكذلك خلق السماوات في الستة الأيام؛ كان ابتداءً للنظام الفلكي، ثم استمر تشكُّل النجوم والكواكب عبر "الأسباب الكونية" التي أودعها الله فيها، وكل ذلك يسمى "خلقا" ويضاف إلى الله حقيقةً.
وكل من النجوم والكواكب للسماء، والأولاد للبشر: من مخلوقاته تعالى، التي حدثت بمشيئته وقدرته تعالى.
وما يراه الفلكيون من (ولادة النجوم) وتشكُّلها؛ ما هو إلا (شهود لأفعال الله المتجددة) في ملكوته، وَفق ما أخبر به الوحي، كما نشهد كلَّ يوم ولادة من يولد من البشر، ولا تعارض بين العلم والوحي في شيء من ذلك.
بل ما جاء به العلم الصحيح، يصدِّق ما أخبر به الوحي.
ويراجع للفائدة جواب السؤال (332913) و(180866).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟