إذا قدر أن الحديثين المذكورين صحيحان، فإنه لا تعارض بينهما؛ لأن "عدم الصبوة"، لا تعني: "العصمة من الذنب كله.
كيف نفهم حديث التعجب من الشاب الذي ليس له صبوة مع حديث (كل ابن آدم خطاء)؟
السؤال 487064
أولا بارك الله فيكم، وفيما تقدمونه من خير للأمة، أما بعد، فكنت أسأل عن كيف نجمع بين حديث كل بنى آدم خطاء، وبين (حديث أن الله يعجب من الشاب ليست له صبوة) وكيف تكون صفات الشاب الذى ليست له صبوة؟ وهل هو الذى كلما يذنب يتوب، حتى لو كان يجاهد نفسه على ترك ذنب، كلما وقع فيه تاب منه، أم إنه هو الذى لم يقع فى الذنوب، فقد التلبس علي الأمر، ولم أصل إلى نتيجة، فأرجوا منكم أن تحسنوا لنا فى شرح ذلك فى صورة واضحة وبينة.
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
نشكر لك أيها السائل الكريم حرصك على فهم نصوص السنة النبوية، والبحث عن وجه التوفيق بينها، وقد تقرر في القواعد الأصولية أنه لا تعارض بين نصوص الوحيين البتة، وإذا توهم العقل تعارضاً، فإن مسلك العلماء هو "الجمع والتوفيق" بين النصوص لتعمل كلها في مشكاة واحدة.
وللجواب عن سؤالك، وتوضيح هذه المسألة، ينبغي أن ندرس الموضوع من خلال النقاط التالية:
أولاً: تخريج الحديثين وبيان معناهما اللغوي والشرعي:
الحديث الأول: قوله عليه الصلاة والسلام: "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ" رواه الترمذي (2499)، وابن ماجه (4251)، وهو حديث ضعيف، ففي سنده عَلِيُّ بْنُ مَسْعَدَةَ البَاهِلِيُّ، وقد تفرد بروايته، وهو مختلف فيه، وقد أعل هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، فقال: "هذا حديث منكر" كما في "المنتخب من علل الخلال" لابن قدامة، رقم (37).
ينظر أيضا للفائدة: جواب السؤال رقم (389151).
قال المناوي في "التنوير شرح الجامع الصغير" (8/ 167): "(كل بني آدم خطاء): فعَّال صيغة مبالغة من الخطأ ... (وخير الخطائين التوابون): الرجَّاعون إلى الله بالتوبة والإنابة.
فالحديث أخبر أن كل أحد من بني آدم له حظ في الخطأ، لما سبقت به الأقدار من ضعف بنية هذا البشر، وجِبلته على الخطأ، وأنه لا يضره ذلك مع التوبة.
واسم التفضيل [=خير]: غير مراد به الزيادة، فإنه لا خير فيمن لم يتب". انتهى.
فكلمة "خَطَّاء" صيغة مبالغة على وزن "فَعَّال"، وتدل على الكثرة والتكرار.
فالحديث يقرر حقيقة طبيعة البشر، وهي أنهم عرضة للوقوع في الذنوب والزلات تكراراً، ولكن الاستثناء المحمود ليس في عدم الوقوع في الخطأ أصلا، لأن هذا ليس في مقدور بني آدم عادة؛ بل في كثرة التوبة (التَّوَّابُونَ).
قال الشيخ ابن عثيمين، رحمه الله: الإنسان ليس معصوما من الذنب لابد لكل إنسان من ذنوب كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون. وقال صلى الله عليه وسلم: (لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ثم جاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم)؛ فلابد للإنسان من ذنب، ولكن ماذا يصنع؟ يجب عليه إذا أذنب ذنبا أن يرجع إلى الله ويتوب إليه، ويندم ويستغفر حتى ينمحي عنه ذلك الذنب. انتهى، من شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (6/ 604).
الحديث الثاني: قوله عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ) رواه أحمد في مسنده (17371)، والحديث لا يصح موقوفاً ولا مرفوعاً، فيه رشدين بن سعد (ضعيف).
قال أبو حاتم في العلل (1843): "إنما هو موقوفٌ". انتهى.
وقال أحمد في العلل رواية ابنه (2204): "ليس له أصل". انتهى.
وقال ابن عدي في الكامل (9988): "وهذا الحديث لا أعلم يرويه غير ابن لَهِيعَة". انتهى.
وقال ابن حجر في "إتحاف المهرة" (7316): "رَوَاهُ الْحَارِثُ، وَأَبُو يَعْلَى، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَمَدَارُ أَسَانِيدِهِمْ عَلَى ابْنِ لَهِيعَةَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ". انتهى.
و"الصَّبْوَة" في اللغة مشتقة من الصِّبا، وهي الميل إلى الهوى والجهالة وطيش الشباب، والميل نحو النساء، والشغل بهن، والاندفاع وراء الشهوات بلا ضابط.
وينظر أيضا للفائدة: جواب السؤال رقم (544499).
قال الإمام ابن بطة، رحمه الله:
"والتعجب على وجهين:
أحدهما المحبة بتعظيم قدر الطاعة، والسخط بتعظيم قدر الذنب. ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: عجب ربك من شاب ليس له صبوة، أي أن الله محب له، راض عنه، عظيم قدره عنده.
والثاني: التعجب على معنى الاستنكار للشيء، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؛ لأن المتعجب من الشيء على معنى الاستنكار هو الجاهل به الذي لم يكن يعرفه، فلما عرفه ورآه استنكره، وعجب منه، وجل الله أن يوصف بذلك. وقد جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم بما دل على التعجب الأول». انتهى، من الإبانة الكبرى (7/ 131).
وقال العز ابن عبد السلام، رحمه الله:
«تعجب الرب سُبْحَانَهُ:
إِن تعلق بِحسن الْفِعْل؛ دلّ على الْأَمر بِهِ، كَقَوْلِه صلى الله عليه وسلم: (يعجب رَبك من شَاب لَا صبوة لَهُ).
وَإِن تعلق بقبح الْفِعْل؛ دلّ على النَّهْي عَنهُ: وَإِن تعجب فَعجب قَوْلهم، بل عجبت ويسخرون...، والسياق مرشد إِلَى حسن الْفِعْل المتعجب مِنْهُ، وقبحه، كَمَا يرشد سِيَاق الْوَعْظ إِلَى أَن تحقير الشَّيْء وذمه: تزهيدٌ فِيهِ، وحث على تَركه. وَأَن تفخيمه ومدحه: ترغيب فِيهِ، وحث على فعله". انتهى، من الإمام في بيان أدلة الأحكام (133-134).
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (468851)، ورقم(220710)، ورقم (127605).
ثانياً: توجيه الجمع بين الحديثين ونفي التعارض:
الإشكال الذي أوردته في سؤالك ينحل تماماً إذا أدركنا أن نفي "الصبوة" لا يعني نفي "الخطأ" بالكلية، فالشاب الذي ليس له صبوة، ليس مَلَكاً مطهراً، ولا نبياً معصوماً، بل هو بشر تسري عليه قاعدة (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ)، لكنه يختلف عن غيره في أمرين:
الأول: أن هواه وميله الغالب عليه، وشأنه في أمره كله: إنما هو الطاعة، والأخذ بسبيلها، حتى لا تميل نفسه إلى جانب المعصية، واشتهائها، والميل إلى مسالكها؛ فقد: (نشأ في طاعة الله)، حتى كانت هي هجيراه، وشأنه، وسمته.
وإن قدر أنه غلب إلى معصية، فليس لأنه ميله إلى طريقها بطبعه، بل لأنه غير معصوم، ومن الذي ما ساء قط. ثم هو، بعد ذلك: يبادر إلى أن يتبع الحسنة السيئة، حتى تمحو آثارها عنه؛ فكأنه لا ذنب له.
فالمنفي في الحديث الثاني هو "الاستغراق والميل الدائم للهوى"، والمثبت في الحديث الأول هو "الوقوع العارض في الخطأ". وبذلك يتفق الحديثان ولا يختلفان.
قال المناوي رحمه الله في "فيض القدير" (263/2): "(ليست له صبوة) أي ميل إلى الهوى، بحسن اعتياده للخير وقوة عزيمته في البعد عن الشر". انتهى.
وهذا كله بتقدير أن المراد بـ(الصبوة): مطلق الميل إلى الذنب كله، أو العمل به.
وهذا يتبين بالوجه:
الثاني: أن المراد بالصبوة هنا، ليس مطلق الذنوب، بل هي الميل إلى "الهوى" والشهوات، الملائمة لطبيعة الشباب، وطيشه، وفورة الهوى والشهوة فيه؛ وليس كل ذنب يلم به الصغير أو الكبير.
قال الحافظ أبو موسى المديني، رحمه الله: أي مَيْلٌ إلى الهَوَى، وهي المَرَّةُ مِنه. انتهى، من المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (2/ 251).
وقال الإمام أبو العباس القرطبي، رحمه الله: وإنما كان ذلك: لغلبة التقوى، التي بسببها ارتفعت الصبوة. انتهى، من المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (3/ 75).
وإلى هذا المعنى أشار الحافظ ابن حجر رحمه الله في "فتح الباري" (145/2): "خص الشاب: لكونه مظنة غلبة الشهوة لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى؛ فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى". انتهى.
وقال ابن رجب رحمه الله تعالى: " والثاني: الشاب الّذي نشأ في عبادة الله عز وجل. فإن الشباب شعبة من الجنون، وهو داع للنفس إلى استيفاء الغرض من شهوات الدنيا ولذاتها المحظورة، فمن سلم منه فقد سلم... " انتهى. انظر "فتح الباري" (6 / 46).
فهذه النقولات تثبت أن الشاب الممدوح هو من "يقهر" شهوته ويلجمها، والقهر دليل على وجود الصراع والمجاهدة، والمجاهدة قد يتخللها كبوة، لكن صاحبها ينهض تائباً.
وينظر أيضا للفائدة: جواب السؤال رقم :(223556).
والحاصل:
لا تعارض بين الحديثين؛ فحديث "كل بني آدم خطاء" يقرر الطبيعة البشرية القابلة للزلل، وحديث "شاب ليست له صبوة" يمدح الشاب الذي جاهد نفسه ولم يسترسل مع طيش الشباب وشهواتهم، بل لزم الطاعة، وإن وقع في ذنب تاب منه سريعاً.
وليس معنى "ليست له صبوة" أنه معصوم من الخطأ تماماً، فالعصمة للأنبياء، بل الممدوح هو من جاهد هواه، وكلما زلّت قدمه عاد وتاب، ولم يتخذ الذنب عادة وطبعاً.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟