هل يصح حديث سؤال اليهود عن أيام خلق السماوات والأرض؟

السؤال 485750

يوجد حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يوجد في بعض المواقع الإسلامية الموثوق بها، مكتوب في فتوى بأنه صحيح، وهو هو نفسه في فتوى أخرى من الإسرائيليات، ويوجد أشكال مختلفة لهذا الحديث بين الصحيح والضعيف، فأرجو الإيضاح.
والحديث هو: " أن اليهود أتت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقال: (خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الله الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة، فقال عز وجل: ( أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين )، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقين منه، فخلق في أول ساعة من هذه الثلاث الساعات الآجال حين يموت من مات، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة آدم أسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة".
ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد ؟ قال : (ثم استوى على العرش)، قالوا : قد أصبت لو أتممت، قالوا : ثم استراح، قال : فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم غضبا شديدا، فنزلت : ( ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون ).

ملخص الجواب

هذا الحديث ليس له إسناد صحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نص على ضعفه وغرابته عدد من أهل العلم.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

هذا الخبر بهذا اللفظ ورد بإسناد متصل:

من حديث ابن عباس رضي الله عنه:

رواه الطبري في "التفسير" (20 / 382)، وأبو الشيخ في "العظمة" (4/1362)، والحاكم في "المستدرك" (2/543)، و(2 / 450)، وغيرهم: عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أن اليهودَ أتَتِ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فسأَلته عن خلقِ السماواتِ والأرضِ، قال: خلَق ‌اللهُ ‌الأرضَ ‌يومَ ‌الأحَدِ ‌والاثنينِ، وخلَق الجبالَ يومَ الثلاثاءِ وما فيهنَّ من منافِعَ، وخلَق يومَ الأربعاءِ الشجرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخرابَ، فهذه أربعَةٌ. ثم قال: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ. لِمَن سأل.

قال: وخلَق يومَ الخميسِ السماءَ، وخلَق يومَ الجُمُعةِ النجومَ والشمسَ والقمرَ والملائكةَ إلى ثلاثِ ساعاتٍ بقيَتْ منه، فخلَق في أولِ ساعةٍ من هذه الثلاثةِ الآجالَ؛ حينَ يموتُ مَنْ ماتَ، وفى الثانيةِ ألْقَى الآفةَ على كلِّ شيءٍ مما يَنتفِعُ به الناسُ، وفى الثالثة آدمَ وأسْكَنه الجنةَ، وأمَر إبليسَ بالسجودِ له، وأخرَجه منها في آخرِ ساعةٍ.

ثم قالت اليهودُ: ثم ماذا يا محمدُ؟ قال: ثم اسْتَوَى على العرشِ.

قالوا: قد أصَبتَ لو أتْمَمتَ. قالوا: ثم استراحَ.

فغضِب النبيُّ صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا، فنزَل: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ، فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ).

ثم قال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" انتهى.

لكن في إسناده أبو سعد البقال: وهو ضعيف الحديث.

قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:

"سعيد بن الْمَرْزُبان أبو سعد ‌البقّال الأعور العبسي الكوفي...

كان يحيى بن سعيد لا يستحل أن يروي عنه، وقال يحيى بن معين: ليس بشيء، ولا يكتب حديثه.

وقال عمرو بن عليّ: متروك الحديث. وقال البخاريّ: منكر الحديث. وقال النّسائيّ: ضعيف. وقال ابن حبان: كثير الوهم فَاحش الخطأ. وقال أبو أسامة: كان ثقة. وقال أبو زرعة صدوق مدلّس" انتهى. "الضعفاء والمتروكون" (1/325).

لذا إسناد هذا الخبر لا يصح.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

"صحّحه الحاكم، وأنَى ذلك والبقّال قد ضعفه ابن معين والنّسائيّ" انتهى. "العلو للعلي الغفار" (ص95).

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى:

"هذا الحديث فيه غرابة" انتهى. "تفسير ابن كثير" (6/517).

وورد له إسناد آخر إلى ابن عباس رضي الله عنه:

رواه الضياء في "الأحاديث المختارة" (10/301): عن يَحْيَى بْن يَزِيدَ الْأَهْوَازِيّ، حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقَانِ، عَنْ هُدْبَةَ بْنِ الْمِنْهَالِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: (أَنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! أَخْبِرْنَا عَنِ الْأَحَدِ مَا خَلَقَ اللهُ فِيهِ …) الخبر.

لكن راويه يحيى بن يزيد: مجهول.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

"يحيى بن يزيد ‌الأهوازي عن محمد الزبرقان، في أكل الطين: منكر، وهذا يجهل" انتهى. "المغني في الضعفاء" (2/746).

وعطاء بن السائب ممن اختلط، وليس هدبة بن خالد من المذكورين ممن روى عن عطاء قبل الاختلاط.

قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:

"سمعت أبي يقول: كان عطاء بن السائب محله الصدق قديما قبل ان يختلط، صالح مستقيم الحديث، ثم بأخرة تغير حفظه، في حديثه تخاليط كثيرة، وقديم السماع من عطاء: سفيان وشعبة. وحديث البصريين الذين يحدثون عنه تخاليط كثيرة، لأنه قدم عليهم في آخر عمره، وما روى عنه ابن فضيل ففيه غلط واضطراب، رفع أشياء ‌كان ‌يرويه ‌عن ‌التابعين ‌فرفعه ‌إلى ‌الصحابة" انتهى. "الجرح والتعديل" (6/334).

وقد رواه أبو الشيخ في "العظمة" (4/1372)، من حديث عَفَّان، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، نَحْوَهُ.

لكن حماد بن سلمة ممين قيل فيه أنه سمع من عطاء قبل الاختلاط وبعده.

جاء في "سؤالات السلمي للدارقطني" (ص366):

"دخل عطاء بنُ السائب البصرة، وجلس؛ فسماع أيوب وحماد بن سلمة ‌في ‌الرحلة ‌الأولى صحيح، والرحلة الثانية فيه اختلاط" انتهى.

ثم إنه قد ورد من طريق حماد بن سلمة، عن عكرمة، قوله، ليس فيه ذكرُ ابن عباس.

كما رواه الطبري في "التاريخ" (1/23)، وأبو الشيخ في "العظمة" (4/1371): عن حَجَّاج بْن الْمِنْهَالِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ الْيَهُودَ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَا يَوْمُ الْأَحَدِ؟ … الحديث.

وورد أيضا من حديث أبي بكر رضي الله عنه:

رواه الطبري في "التفسير" (21/465): حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا مهرانُ، عن أبي سنانٍ، عن أبي بكرٍ قال: (جاء اليهودُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمدُ أَخْبِرْنا ما خلَق اللَّهُ من الخلقِ في هذه الأيامِ الستةِ؟ ...)الخبر.

وهذا إسناد ضعيف جدا.

شيخ الطبري محمد ‌بن ‌حميد: ضعيف الحديث.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

"محمد ‌بن ‌حميد الرازي الحافظ …: ضعيف لا من قبل الحفظ، قال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير. وقال البخاري: فيه نظر. وقال أبو زرعة: يكذب. وقال النسائي: ليس بثقة. ..." انتهى. "المغني في الضعفاء" (2/573).

وقال رحمه الله تعالى:

"قد ‌أكثر ‌عنه ‌ابن ‌جرير في كتبه… ولا تركن النّفس إلى ما يأتي به - فالله أعلم" انتهى. "سير أعلام النبلاء" (11/505).

وفي الإسناد علل أخرى.

قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، عن هذا الإسناد:

" لكنه إسناد ضعيف مسلسل بالعلل:

الأولى: الانقطاع بين أبي سنان وأبي بكر رضي الله عنه؛ فإن أبا سنان - وهو الشيباني البرجمي -؛ لم يدرك أبا بكر؛ فهو من أتباع التابعين، يروي عن طاوس وسعيد بن جبير وطبقتهما.

الثانية: أبو سنان هذا؛ مع كونه من رجال مسلم - واسمه سعيد بن سنان -؛ فقد تكلم فيه الإمام أحمد وغيره، وقال الحافظ: " صدوق، له أوهام ".

الثالثة: مهران - وهو ابن أبي عمر العطار الرازي -؛ قال الحافظ: " له أوهام، سيئ الحفظ ".

الرابعة: ابن حميد - واسمه محمد الرازي -؛ قال الذهبي في " الميزان ":" من بحور العلم، وهو ضعيف "...

قلت: ولعل أصل الحديث من الإسرائيليات، وهم بعض الرواة فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد روى الطّبري أكثره عن عبد الله بن سلام موقوفا عليه. والله أعلم." انتهى. "سلسلة الأحاديث الضعيفة" (12 / 948).

وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم: (218080)، ورقم: (280536)، ورقم: (240599).

ثانيا:

المشهور عند أهل العلم بالتفسير أن نزول قول الله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ ق (38)= هو رد على اليهود القائلين بأن الله استراح بعد خلق الخلق، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

قال الواحدي رحمه الله تعالى:

"‌‌قال جماعة المفسرين: إن اليهود قالت: خلق الله السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فذلك لا يعمل فيه شيئا. فأكذبهم الله تعالى بقوله: وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ" انتهى "التفسير البسيط" (20/415).

وقال ابن رجب رحمه الله تعالى:

"وقد ذكر غير واحد من التابعين: أن هذه الآية نزلت بسبب قول اليهود: أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع، منهم: عكرمة وقتادة" انتهى "فتح الباري" (3/407).

والله أعلم.

المراجع

بدء الخلق وعجائب المخلوقات

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android