حديث: ( إِنِ الْمُخْتَلِعَاتِ الْمُنْتَزِعَاتِ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ ).

السؤال 426916

عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن المختلعات والمنتزعات هن المنافقات)، فما صحه الحديث؟ وما سبب نزوله؟ و مامعناه؟ وما الدليل أنه لا يشمل كل المختلعات جميعا، إنما فقط الذين يخلعون من غير عذر؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

هذا الحديث رواه ابن جرير الطبري في "التفسير" (4/151)، والطبراني في "المعجم الكبير" (17 / 339 ): عن قَيْس بْن الرَّبِيعِ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ ثَابِتِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( إِنِ الْمُخْتَلِعَاتِ الْمُنْتَزِعَاتِ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ).

وهذا إسناد ضعيف، ففيه:

قيس بن الربيع، وقد تُكلّم في حفظه.

قال الذهبي رحمه الله تعالى:

" قيس بن الربيع الأسدي الكوفي: صدوق سيء الحفظ. وكان شعبة يثني عليه، وقال أبو حاتم: محله الصدق وليس بقوي. وقال ابن معين وغيره: ليس بشيء. وقال ابن عدي: عامة رواياته مستقيمة " انتهى من "المغني" (2/ 526–527).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" قيس بن الربيع الأسدي، أبو محمد الكوفي، صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه؛ فحدث به " انتهى من "تقريب التهذيب" (ص 457).

وأشعث بن سوّار، ضعيف.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" أشْعَث بن سَوَّار الكِنْدي، النَّجَّار الأفْرَقُ الأثرَمُ صاحبُ التوابيت، قاضي الأهواز: ضعيف " انتهى من "تقريب التهذيب" (ص 113).

وقد ورد هذا الخبر عن غير عقبة بن عامر رضي الله عنه.

فرواه الترمذي (1186)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُزَاحِمُ بْنُ ذَوَّادِ بْنِ عُلْبَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ أَبِي الخَطَّابِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ، عَنْ ثَوْبَانَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (المُخْتَلِعَاتُ هُنَّ المُنَافِقَاتُ).

ثم قال الترمذي: " هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالقَوِيِّ " انتهى.

ورواه النسائي (3461)، وغيره: عن وُهَيْب بن خالد، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ( الْمُنْتَزِعَاتُ وَالْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ )، قَالَ الْحَسَنُ: " لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ "، ثم قال النسائي: " الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا " انتهى.

وكثير من أئمة الحديث يرون أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة .

وقد صحح بعض أهل العلم هذا الحديث، كالشيخ الألباني رحمه الله تعالى حيث رأى أن سند حديث أبي هريرة صحيح غير منقطع، وأن الروايات السابقة رغم ضعف أسانيدها تشهد له.

حيث قال رحمه الله تعالى معلقا على كلام الحسن:

" قلت: وهذا نص صريح منه أنه سمعه من أبي هريرة، وهو ثقة صادق فلا أدري وجه جزم النسائي رحمه الله تعالى بنفي سماعه منه! مع أن السند إليه صحيح على شرط مسلم، وقد قال الحافظ في " التهذيب " بعد أن ساقه في ترجمة الحسن:

" وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته، وهو يؤيد أنه سمع من أبي هريرة في الجملة، وقصته في هذا شبيهة بقصته في سمرة سواء ".

...

وبالجملة: فهذا الإسناد متصل صحيح، فلا يتلفت إلى إعلال النسائي بالانقطاع، لأنه يلزم منه أحد أمرين: إما تكذيب الحسن البصري في قوله المذكور، وإما توهيم أحد الرواة الذين رووا ذلك عنه. وكل منهما مما لا سبيل إليه، أما الأول فواضح، وأما الآخر، فلأنه لا يجوز توهيم الثقات بدون حجة أو بينة، وهذا واضح بين. ثم إن للحديث شواهد ... " انتهى من "السلسلة الصحيحة" (2 / 210 – 211).

وقال الشيخ علي بن آدم الإثيوبي رحمه الله تعالى:

" خلاصة القول في هذه المسألة: أن الراجح ثبوت سماع الحسن من أبي هريرة رضي اللَّه عنه، وصحّة حديث الباب؛ حيث إنه متّصل الإسناد، ورجاله ثقات، لا مطعن في أحد منهم " انتهى من "ذخيرة العقبى" (29 / 82).

فعلى قول من صحح الحديث؛ فإن معنى: ( الْمُخْتَلِعَاتِ الْمُنْتَزِعَاتِ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ ).

أن الطالبات للطلاق من غير سبب مشروع، قد وقعن في شيء من أوصاف النفاق؛ وليس المقصود أنهن منافقات النفاق الأكبر؛ لأن هذا العمل لا يكفر به المسلم.

قال المناوي رحمه الله تعالى:

" (إن) النساء (المختلعات) أي اللاتي يبذلن العوض على فراق الزوج، بلا عذر شرعي. (والمنتزعات) أي الجاذبات أنفسهن من أزواجهن كراهة لهم، كما ذكر.

(هن المنافقات) نفاقا عمليا، والمراد الزجر والتهويل، فيكره للمرأة طلب الطلاق بلا عذر شرعي " انتهى من "التيسير" (1/300).

وقال الصنعاني رحمه الله تعالى:

" (هن المنافقات) لأنهن تظهرن بذلك كراهة الزوج، وفي الباطن أنهن يردن سواه، يتزوجن به بعد الاختلاع " انتهى من "التنوير" (3/531).

وأما سبب تقييد أهل العلم هذا الوعيد بالخلع الذي يقع من غير سبب مشروع؛ لأن هناك جملة من النصوص قد بيّنت جواز طلب المرأة للخلع إذا كان لأجل إزالة ضرر واقع عليها.

كقول الله تعالى:

(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ) البقرة/229.

قال ابن العربي رحمه الله تعالى:

" وقد روى الترمذي وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال: ( المختلعات هن المنافقات )، وذلك، إن صح -والله أعلم-: مع استمرار الألفة ودوام المودة.

فأما مع العجز عن إقامة حدود الله تعالى: ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ )، وهذا بيّن من حديث - ثابت بن - قيس بن شمّاس " انتهى من "المسالك" (5/582).

وحديث ثابت بن قيس، هو ما رواه البخاري (5276) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: " جَاءَتْ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتٍ فِي دِينٍ وَلاَ خُلُقٍ، إِلَّا أَنِّي أَخَافُ الكُفْرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟) فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا".

وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ) رواه أبو داود (2226) والترمذي (1187) وقال: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ"، وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (7/100).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:

" وفيه أنّ الأخبار الواردة في ترهيب المرأة من طلب طلاق زوجها: محمولة على ما إذا لم يكن بسبب يقتضي ذلك؛ لحديث ثوبان: ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطلاق، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ ) رواه أصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وابن حبان.

ويدل على تخصيصه قوله في بعض طرقه: ( من غير ما بأس ) " انتهى من "فتح الباري" (9 / 402 – 403).

والله أعلم.

المراجع

الخلع

المصدر: 

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android