الأحد 21 شوّال 1443 - 22 مايو 2022
العربية

هل نهى القرآن الزوج أن يرضي زوجته؟

364970

تاريخ النشر : 08-11-2021

المشاهدات : 1511

السؤال

أنا فتاة في ٢٠ من عمري، وأحاول قدر المستطاع أن أتمسك بديني، والحمد لله تعالى، لكن لاختلاطي مع فتيات في سني وأكبر أقابل كثيرا من من يدعون نسويات، وأحاول أن أدعوهم قدر استطاعتي، لكن هناك سؤال عجزت عن الإجابة عليه، وتحيرت، وصمت، وهو في سورة التحريم لما قال الله عز وجل لنبيه: (يا أيها النبي لما تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك)، السؤال هو: ما الحكمة في عدم مراضات زوجاته، إذ أنها فقط شعرت بالسوء؛ لأن الأمر حدث في غرفتها؟

الجواب

الحمد لله.

أولا:

وردت نصوص عدة ترشد الرجال إلى الإحسان إلى زوجاتهم ومعاملتهن بالمعروف.

كقول الله تعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا النساء/19.

قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

" وقوله: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ )، أي: طيِّبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم، وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ )، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( خَيْرُكُمْ: خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي )، وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جميل العشرة؛ دائم البِشْر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه " انتهى من "تفسير ابن كثير"(2/242).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:

" (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) أي: ينبغي لكم -أيها الأزواج- أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا. من ذلك امتثال أمر الله، وقبولُ وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة.

ومنها أن إجباره نفسَه -مع عدم محبته لها- فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة. وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك.

وربما رزق منها ولدا صالحا نفع والديه في الدنيا والآخرة.

وهذا كله مع الإمكان في الإمساك، وعدم المحذور " انتهى من"تفسير السعدي" (ص172).

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِنِسَائِهِمْ رواه الترمذي (1162) وقال: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ".

فلا يصح للإنسان أن يترك ويعرض عن هذه النصوص البينة الواضحة ليتشبث بفهم خاطئ لنص أشكل عليه فهمه، فهذا التصرف لا يصدر إلا من جاهل، أو من مريض القلب لا يبحث عن الحق ، وإنما يبحث عما يوافق هواه ورأيه، فيصدق فيهم قول الله تعالى:

فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ آل عمران/7.

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: "تَلاَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الآيَةَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ، مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ... قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولَئِكِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ رواه البخاري (4547).

قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

" وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق، وهي أنهم يردّون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يُفسِّر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضُها بعضا، ويصدِّق بعضُها بعضا، فإنّها كلها من عند اللّه، وما كان من عند اللّه فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره " انتهى من "أعلام الموقعين" (4/ 58).

ثانيا:

قول الله تعالى:يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ التحريم/1.

فهؤلاء "النسويات" المعترضات على هذه الآية الكريمة، بهذا الاعتراض هن لا يطالبن بتكريم المرأة، وإنما يطالبن بعبادتها وبأن يرضيها الزوج بتحريم الحلال على نفسه!

فالآية الكريمة ليس فيها نهي للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرضي زوجاته ويدخل السرور عليهن .

فلم يقل له سبحانه وتعالى: لماذا ترضي أزواجك؟

وإنما عاتبه على تحريم الحلال على نفسه، وأن هذا الذي حصل كان الدافع له مرضاة الأزواج؛ ثم بيَّن له المخرج من هذا التحريم.

وهذا كنهيه سبحانه وتعالى للمؤمنين أن يحرموا المباحات على أنفسهم، ثم بيّن المخرج من ذلك، وهذا في قوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ* لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَالمائدة/87–89.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

" فالله تعالى نهى نبيه عن تحريم الحلال كما نهى المؤمنين، وأخبر أنه فرض لهم تحلة أيمانهم، كما ذكر كفارة اليمين بعد النهي عن تحريم الحلال في سورة المائدة.

وقوله: (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ)، هو ما ذكره في سورة المائدة.

وكان سبب نزول التحريم تحريم النبي صلى الله عليه وسلم الحلال: إما أمته مارية القبطية وإما العسل؛ وإما كلاهما. وكذلك آية المائدة فإن طائفة من المسلمين كانوا قد حرموا الطيبات إما تبتلا وترهبا، كما عزم على ذلك عثمان بن مظعون ومن وافقه من الصحابة حتى نهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ وإما غير ذلك " انتهى. "مجموع الفتاوى" (35 /329–330).

وأما مراضاة الزوجة بالمباح فهذا قد حثت عليه الشريعة، بل هو من مقاصد الزواج.

قال الله تعالى:وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَالروم/21.

فمراضاة الزوجة من المعروف، كما في قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم:

تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا  الأحزاب/51.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في الفوائد المستنبطة من هذه الآية:

" الفائدة السادسة: مراعاة قلوب زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وإدخال السرور عليهن، يؤخذ ذلك من قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ)، فإن في هذا مراعاة لقلوب هؤلاء النسوة حتى تقر أعينهن" انتهى من"تفسير سورة الأحزاب" (ص 402).

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب