الأحد 17 ذو الحجة 1445 - 23 يونيو 2024
العربية

معنى حديث: (ولا شرطان في بيع)

357872

تاريخ النشر : 14-03-2022

المشاهدات : 12750

السؤال

الحديث الشريف لا شرطان في بيع، أريد أمثلة من واقعنا المعاصر، وهل لإذا وقع شرطان في بيع أقوم بفسخ عقد البيع برفع قضية في المحكمة بالفسخ؟ وهل يعني وقوع شرطان في البيع أن المال حرام؟

ملخص الجواب

القول الأقوى في معنى حديث (ولا شرطان في بيع): أنه اجتماع شرطين على وجه يؤدي إلى محذور شرعي كالربا، وهذا ينطبق على بيع العينة. وينظر للأهمية تفصيل ذلك في الجواب المطول. وأما اشتراط شرطين لا محذور فيهما، كالحمل والتكسير، أو الطحن والنقل، فهذا لا حرج فيه وليس المراد من الحديث.

الجواب

الحمد لله.

أولا:

روى الترمذي (1234)، وأبو داود (3504)، والنسائي (4611) عن عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنُ ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ وصححه الترمذي والألباني.

واختلف أهل العلم في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ) على قولين مشهورين:

القول الأول: أنه اشتراط شرطين، ولو صحيحين، ليسا من مقتضى العقد ولا من مصلحته، كما لو اشترى خشبا واشترط حمله وتكسيره، أو اشترى قماشا، واشترط على البائع خياطته وصبغه، أو اشترى حنطة واشترط طحنها وحملها، وإلى هذا ذهب الحنابلة. ومنع الجمهور (الحنفية والشافعية) من بيع وشرط واحد.

قال في "كشاف القناع" (3/ 191): " (وإن جمع) في بيع (بين شرطين، ولو صحيحين) كحمل حطب وتكسيره، أو خياطة ثوب وتفصيله: (لم يصح البيع)، لحديث عبد الله بن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك رواه أبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح.

(إلا أن يكونا) أي: الشرطان المجموعان، (من مقتضاه) أي: مقتضى البيع؛ كاشتراط حلول الثمن، مع تصرف كل منهما فيما يصير إليه؛ فإنه يصح بلا خلاف.

(أو) إلا أن يكونا (من مصلحته) أي: مصلحة العقد، كاشتراط رهن وضمين معينين بالثمن، فيصح كما لو كانا من مقتضاه" انتهى.

القول الثاني: أن المراد بالشرطين ما يؤدي إلى محذور كبيع العينة.

قال ابن القيم رحمه الله: " فالأولى تفسير كلام النبي صلى الله عليه وسلم بعضه ببعض، فنفسر كلامه بكلامه، فنقول: نظير هذا نهيه عن صفقتين في صفقة، وعن بيعتين في بيعة، فروى سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: نهى رسول الله عن صفقتين في صفقة.

وفي السنن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا)؛ وقد فسرت البيعتان في البيعة بأن يقول: أبيعك بعشرة نقدا أو بعشرين ونسيئة، هذا بعيد من معنى الحديث من وجهين:

أحدهما: أنه لا يدخل الربا في هذا العقد.

الثاني: أن هذا ليس بصفقتين، إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين.

وقد ردده بين الأوكس، أو الربا، ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد، لم يكن ربا؛

فليس هذا معنى الحديث.

وفُسر بأن يقول: خذ هذه السلعة بعشرة نقدا، وآخذها منك بعشرين نسيئة، وهي مسألة العينة بعينها، وهذا هو المعنى المطابق للحديث، فإنه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة، فهو لا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الثمنين، فإن أخذه أخذ أوكسهما، وإن أخذ الثمن الأكثر فقد أخذ الربا، فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا، ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى.

وهذا هو بعينه: الشرطان في بيع؛ فإن الشرط يطلق على العقد نفسه؛ لأنهما تشارطا على الوفاء به، فهو مشروط، والشرط يطلق على المشروط كثيرا، كالضرب يطلق على المضروب، والحلق على المحلوق، والنسخ على المنسوخ؛ فالشرطان كالصفقتين سواء، فشرطان في بيع، كصفقتين في صفقة.

وإذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى، فتأمل نهيه في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع. رواه أحمد، ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع، وعن سلف في بيع؛ فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع، ومع البيعتين في البيعة؛ وسر ذلك أن كلا الأمرين يؤول إلى الربا، وهو ذريعة إليه، أما البيعتان في بيعة فظاهر؛ فإنه إذا باعه السلعة إلى شهر، ثم اشتراها منه بما شرطه له، كان قد باع بما شرط له بعشرة نسيئة، ولهذا المعنى حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم العينة.

وأما السلف والبيع: فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل، ولولا هذا البيع لما أقرضه، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك.

فظهر سر قوله: (لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع)،  وقول ابن عمر: نهى عن بيعتين في بيعة، وعن سلف وبيع، واقتران إحدى الجملتين بالأخرى لما كانا سُلَّمًا إلى الربا.

ومن نظر في الواقع، وأحاط به علما؛ فهم مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من كلامه، ونزله عليه، وعلم أنه كلام من جمعت له الحكمة، وأوتي جوامع الكلم، فصلوات الله وسلامه عليه، وجزاه أفضل ما جزى نبيا عن أمته.

وقد قال بعض السلف: اطلبوا الكنوز تحت كلمات رسول الله صلى الله عليه وسلم " انتهى من حاشيته على "تهذيب سنن أبي داود" (2/518-520) ط عالم الفوائد.

وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله (7/ 78): " قوله: وإن جمع بين شرطين.. بطل البيع؛ لحديث: " ولا شرطان في بيع " .

الشيخ [أي ابن تيمية] وابن القيم يقولان: الشرطان في بيع هو: بيعتان في بيعة. ويصح العمل بما ذكره الشيخان من حيث الدليل والقوة" انتهى.

وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: " أقرأ في كتاب البيوع من كتب الحنابلة مثل منار السبيل أو غيره حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يحل شرطان في بيع) مع أن الفقهاء يجيزون شراء الشيء وحمله وتنزيله.

كيف توجه هذا الحديث؟

فأجاب: توجيه الحديث: أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم يفسر بعضه بعضاً ولا تناقض فيه، فالشرطان في بيع: أن يقول البائع للشخص: بعت عليك هذه السلعة بعشرة مؤجلة، بشرط أن تبيعها عليَّ بثمانية نقداً.

فتنطبق المسألة على مسألة العينة، ومسألة العينة هي: أن يبيع الإنسان الشيء بثمن مؤجل، ثم يشتريه ممن باعه عليه بأقل من ذلك نقداً، مثل أن يقول: بعتك هذه السيارة بخمسين ألفاً إلى سنة ثم يشتريها منه بأربعين ألفاً نقداً، هذه مسألة العينة وهي حرام، سواء اتفقا عليها قبل، أم لم يتفقا عليها، ويفسر هذا الحديث: (لا يحل سلف في بيع، ولا شرطان في بيع): على أن المراد بالشرطين بيع العينة.

وأما ما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله، من أنه إذا جمع بين شرطين فإن العقد لا يصح، مثل: أن يشترط على رجل حمل البضاعة وتنزيلها، فإن هذا القول ضعيف، والصحيح أن الشروط إذا جمعت ألف شرط، وهي معلومة يمكن الحصول عليها، فإنها جائزة؛ لعموم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]؛ والأمر بالوفاء بالعقد يشمل الوفاء بأصل العقد وبما شرط فيه؛ لأن الشروط في العقد من أوصاف العقد، فهي داخلة فيه، ولقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً [الإسراء:34]، ولما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: (المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً)، وهذا الحديث وإن كان في سنده كلام كثير، لكن يؤيده حديث عائشة الثابت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)؛ فمفهومه: كل شرط لا يخالف كتاب الله فهو حق" انتهى من "لقاء الباب المفتوح" (19/ 24).

والحاصل:

أن القول الأقوى في معنى الحديث: أنه اجتماع شرطين على وجه يؤدي إلى محذور شرعي كالربا، وهذا ينطبق على بيع العينة. وتقدم بيانها، وينظر للفائدة جواب السؤال رقم: (105339). 

وأما اشتراط شرطين لا محذور فيهما، كالحمل والتكسير، أو الطحن والنقل، فهذا لا حرج فيه وليس المراد من الحديث.

ثانيا:

إذا تضمن العقد شرطين ممنوعين كالعينة، فإنك ترفع الأمر للمحكمة لإبطاله.

ومن كسب المال من العينة، فقد كسب مالا حراما لأنه ربا، ومال ناتج من عقد محرم.

والله أعلم.

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

موضوعات ذات صلة