أولاً:
مذهب الحنابلة : أنه يحرم الزواج من الزانية ويشترط توبتها، ولا يشترط توبة الزاني بها إذا نكحها.
فهم يشترطون توبة المرأة فقط ، ولا يشترطون توبة الرجل.
قال الحجاوي رحمه الله في "الإقناع" (3/186):
"فإذا تابت: حل نكاحها؛ للزاني وغيره. ولا يشترط توبة الزاني بها إذا نكحها" انتهى.
وفي "الإنصاف" للمرداوي رحمه الله (8/132):
"مفهوم كلام المصنف: أنه لا يشترط توبة الزاني بها إذا نكحها. وهو صحيح، وهو المذهب. جزم به في المغني، والشرح" انتهى.
ثانياً:
قول الجمهور (الحنفية والمالكية والشافعية) وهم أكثر العلماء: يجب التوبة من الزنا؛ ومع ذلك؛ فيصح عقد نكاح الزانية بعد العدة، وإن لم يتوبا.
جاء في "الدر المختار وحاشية ابن عابدين رد المحتار" (3/ 48):
"(قوله: وصح نكاح حبلى من زنى)؛ أي عندهما. وقال أبو يوسف: لا يصح.
والفتوى على قولهما، كما في القهستاني، عن المحيط ... (وإن حرم وطؤها حتى تضع)" انتهى.
وفي "تفسير القرطبي" (12/ 169- 170):
"السادس- أنها منسوخة، روى مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال:" الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك" قال: نسخت هذه الآيةُ التي بعدها" (وأنكحوا الأيامى منكم) [النور/ 32]، وقاله ابن عمرو، قال: دخلت الزانية في أيامى المسلمين. قال أبو جعفر النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء. وأهل الفتيا؛ يقولون: إن من زنى بامرأة فله أن يتزوجها، ولغيره أن يتزوجها.
وهو قول ابن عمر وسالم وجابر بن زيد وعطاء وطاوس ومالك بن أنس، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
وقال الشافعي: القول فيها كما قال سعيد بن المسيب، إن شاء الله؛ هي منسوخة...
وفي هذه الآية: دليل على أن التزوج بالزانية صحيح. وإذا زنت زوجةُ الرجل لم يفسد النكاح، وإذا زنى الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته. وهذا على أن الآية منسوخة" انتهى.
وفي "مغني المحتاج" الشافعي (5/ 84): "يجوز نكاح ووطء الحامل من زنا" انتهى.
ثالثاً:
بناء على ما سبق، يقال:
إنه لا حرج عليكم أن تترخصوا بقول جمهور العلماء بصحة النكاح السابق، لأمور:
الأول: أنه إذا كان الزوج هو الزاني، وليست الزوجة: فالحنابلة يوافقون الجمهور على صحة النكاح، على ما سبق بيانه. فإذا كان الأمر على ما ذكر في السؤال، من أن الزوج هو الزاني: فالنكاح صحيح على المذاهب الأربعة الفقهية المتبوعة.
ثانيًا: أن هذا هو المفتى في بلدكم، وعقود الأنكحة في بلدكم على مذهب مالك؛ ولو استفتيتم فقهاء الأنكحة في بلدكم في ذاك الوقت لأفتوكم بصحة العقد. لا سيما وأنها قد تحققت التوبة.
ومن "القواعد الفقهية كما في الأشباه والنظائر" للسيوطي (ص: 102): "الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد ... ومن فروعها:
لو خالع زوجته ثلاثا، ثم تزوجها الرابعة بلا محلل، لاعتقاده أن الخلع فسخ، ثم تغير اجتهاده وهو باق معها بذلك النكاح، قال الغزالي: إن حكم حاكم بصحته: لم تجب عليه مفارقتها، وإن تغير اجتهاده؛ لما يلزم في فراقها من تغير حكم الحاكم في المجتهدات" انتهى.
وفي مسألتكم: قد قال بصحة العقد المذاهب الأربعة، إن كان الزاني هو الزوج. وإن كانت الزوجة هي الزانية، أو كلاهما زان، ولم يتب قبل العقد: فالنكاح صحيح عند جمهور الفقهاء.
فالأخذ بهذا القول ـ في حالتكما ـ لا يُعد تتبعًا للرخص، بل هو من التيسير المشروع، ورفقٌ للنفس، وهو من المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد؛ جاء في الإنصاف للمرداوي (23/490): "وقال في الانْتِصارِ، في نِكاحِ الزَّانيةِ: يسُوغُ الاجْتِهادُ فيه" انتهى.
قال ابن قدامة رحمه الله :
"فَإِنْ حَكَمَ بِصِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ حَاكِمٌ، أَوْ كَانَ الْمُتَوَلِّي لِعَقْدِهِ حَاكِمًا، لَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْكِحَةِ الْفَاسِدَةِ.
... لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، وَيَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ ، فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُ الْحُكْمِ لَهُ ، وَهَذَا النَّصُّ مُتَأَوَّلٌ ، وَفِي صِحَّتِهِ كَلَامٌ ، وَقَدْ عَارَضَهُ ظَوَاهِرُ" انتهى من "المغني"(9/347) .
ينظر: إجابة رقم: (381188).
والله أعلم.