تقديم رواية الأوثق – عند أئمة الحديث والنقد- ليست قاعدة عامة مطردة تطبق على جميع الأحاديث التي يختلف فيها الثقة مع الأوثق، فلا يصححون حديث الثقة دوما، ولا يرجّحون حديث الأوثق دوما؛ وإنما لكل حديث قرائنه الخاصة تبيّن من هو الأولى بحفظ ذلك الحديث بعينه فتقدم روايته وترجّح.
إذا خالف الراوي الثقة من هو أوثق منه، فما العمل؟
السؤال 650927
هل تقبل مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
من المتفق عليه؛ أن من شرط صحة الخبر أن يكون راويه ثقة عدلا ضابطا لما يرويه.
قال الذهبي رحمه الله تعالى:
" الحديث الصّحيح:
هو ما دار على: عدل متقن واتّصل سنده ..." انتهى. "الموقظة" (ص 24).
ومن المعقول والواقع؛ أن الثقة قد يهم ويخطئ.
قال الترمذي رحمه الله تعالى:
"وإنّما تفاضل أهل العلم بالحفظ، والإتقان، والتّثبّت عند السّماع، مع أنّه لم يَسْلَم من الخطإ والغلط كَبِيرُ أحد من الأئمّة، مع حفظهم " انتهى. "سنن الترمذي – كتاب العلل" (6 / 240).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:
"فإنّهم – أئمّة الحديث - أيضا يضعّفون من حديث الثّقة الصّدوق الضّابط: أشياء تبيّن لهم أنّه غلط فيها، بأمور يستدلّون بها، ويسمّون هذا "علم علل الحديث"، وهو من أشرف علومهم، بحيث يكون الحديث قد رواه ثقة ضابط وغلط فيه، وغلطه فيه عرف؛ إما بسبب ظاهر ..." انتهى. "مجموع الفتاوى" (13 / 352).
ولذا لم يكتف أئمة النقد بقبول كل ما يحدّث به ثقة، بل يدققون في كل رواية للثقة، ويدققون في القرائن المحيطة بها لمعرفة: هل يغلب على الظن إصابة هذا الثقة في حديثه أم لا؟
وأهم خطوة يقومون بها لمعرفة مدى ضبط الثقة لحديثه، هي جمع كل طرق الحديث ثم المقارنة بينها.
رُوِي عن عليّ بن المدينيّ، أنّه قال: "الْبَابُ إِذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقَهُ، لَمْ يَتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ" انتهى من "الجامع لأخلاق الراوي" للخطيب البغدادي (2 / 212).
وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
" فبجمع هذه الرّوايات ومقابلة بعضها ببعض، تتميّز صحيحها من سقيمها، وتتبيّن رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفّاظ " انتهى. "التمييز" (ص 209).
فإن ظهر أن راوي الحديث الثقة خالف – في سند أو متن – غيرَه، ممن هو أوثق منه، أو أكثر عددا، فربما كان هذا قرينة على خطأ هذا الثقة ووهمه، فيحكم على مخالفته بالشذوذ أو النكارة.
قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
"والجهة الأخرى أن يروي نفر من حفّاظ النّاس حديثا عن مثل الزّهري أو غيره من الأئمّة بإسناد واحد، ومتن واحد، مجتمعون [كذا، بالرفع] على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم، عمّن حدّث عنه النّفر الّذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد، أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفّاظ= فيُعلمَ حينئذ أنّ الصّحيح من الرّوايتين ما حدّث الجماعة من الحفّاظ، دون الواحد المنفرد وإن كان حافظا.
على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينه ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي، وغيرهم من أئمّة أهل العلم" انتهى. "التمييز" (ص 172).
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
"(فإن خولف [أي الثّقة] بأرجح) منه؛ لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه التّرجيحات؛ (فالرّاجح) يقال له: (المحفوظ، ومقابله) - وهو المرجوح - يقال له: (الشّاذ)" انتهى. "نزهة النظر" (ص127).
لكن تقديم رواية الأوثق ليست قاعدة مطردة؛ بل أئمة النقد يبحثون في كل رواية عن قرائنها الخاصة التي تدل على وهم الثقة أو إصابته، فلا يكتفون بحال الراوي في ذاته، بل يدققون أيضا في حال صلة الراوي بشيخه، وحال أقرانه وصلتهم بذلك الشيخ، وحال الشيخ أيضا وحال مروياته.
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى:
"حذّاق النقّاد من الحفّاظ، لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرّجال وأحاديث كل واحد منهم= لهم فهم خاص يفهمون به أنّ هذا الحديث يشبه حديث فلان، ولا يشبه حديث فلان فيعلّلون الأحاديث بذلك.
وهذا مما لا يعبَّر عنه بعبارة تحصره، وإنما يرجع فيه أهله إلى مجرّد الفهم، والمعرفة الّتي خصّوا بها عن سائر أهل العلم" انتهى. "شرح علل الترمذي" (2 / 861).
ولذا فهم قد يرجحون رواية الثقة أحيانا، في حديث معيّن، لقرائن أحاطت بروايته، تُغلّب الظن بصواب روايته، وربما قدموا رواية الأوثق؛ فيقدمون من هو أولى بحفظ وضبط ذلك الحديث بعينه.
ومن صور ذلك أن يكون الراوي الثقة له طول ملازمة لشيخه كأن يكون من أهل بلده، أو ابنًا للشيخ له مزيد اعتناء بحديث والده، فلربما سمع منه الحديث الواحد عشرات المرات، فضبطه لأحاديث هذا الشيخ بعينه يكون أقوى من ضبط الراوي الأوثق الذي ليس له ملازمة لهذا الشيخ.
ومن أمثلة ذلك:
قال ابن أبي حاتم رحمه الله تعالى:
"سألتُ أَبِي عن حديث: رَوَاهُ ابْنُ المُبارك، عن عبد الرحمن بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ بُسْر بن عُبَيد الله، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الخَوْلاني، عَنْ واثِلَة بْنِ الأَسْقَع، عَنْ أَبِي مَرْثَد الغَنَوِيّ، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.
قال أبو محمّد: وابن المبارك أدخل بينهما أبا إدريس، فأيّهما أصحّ عندك؟
فقال: الصّحيح ما يقوله أهل دمشق؛ ليس بينهما أبو إدريس، وقد وَهِمَ ابن المبارك في زيادته أبا إدريس؛ لأنّ بسر بن عبيد الله روى عن واثلة ولقيه، ولا أعلم أبا إدريس روى عن واثلة شيئا، وأهل الشّام أضبط لحديثهم من الغرباء" انتهى. "العلل" (3 / 567).
وربما صححوا رواية الثقة والأوثق إذا رأوا أن القرائن تدل على ذلك؛ كأن يختلفوا على شيخهم في إسناد الخبر، ويكون شيخهم واسع الرواية ، فيمكن أن يكون الخبر عنده على الوجهين، فحدث جماعةً بوجه، وحدَّث آخرين بالوجه الآخر.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
"إذا روى الحفّاظ الأثبات حديثا بإسناد واحد، وانفرد واحد منهم بإسناد آخر، فإن كان المنفرد ثقة حافظا، فحكمه قريب من حكم زيادة الثّقة في الأسانيد أو في المتون، وقد تقدّم الكلام على ذلك.
وقد تردد الحفّاظ كثيرا في مثل هذا. هل يُرَّد قول من تفرّد بذلك الإسناد، لمخالفة الأكثرين له، أم يقبل قوله، لثقته وحفظه.
ويقوِّي قبول قوله إن كان المرويّ عنه واسع الحديث، يمكن أن يحمل الحديث من طرق عديدة كالزّهري، والثوري، وشعبة، والأعمش" انتهى. "شرح علل الترمذي" (2 / 838).
ومن أمثلة ذلك:
ما ورد في "علل الدارقطني" (5 / 251):
"وسُئِلَ [أي الدارقطني] عن حديث مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ: (سَأَلَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الرُّوحِ فَسَكَتَ، فَظَنَنَّا أنه يوحى إليه، ثم قال: يسألونك عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي، الآية).
فقال: يرويه عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن عبد الله بن مرة، عن مسروق، عن عبد الله.
وخالفه وكيع، وعيسى بن يونس، وعلي بن مسهر، فرووه: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله؛ وهو المشهور.
ولعلّهما صحيحان، وابن إدريس من الأثبات، ولم يتابَع على هذا القول" انتهى.
الخلاصة:
تقديم رواية الأوثق – عند أئمة الحديث والنقد- ليست قاعدة عامة مطردة تطبق على جميع الأحاديث التي يختلف فيها الثقة مع الأوثق، فلا يصححون حديث الثقة دوما، ولا يرجّحون حديث الأوثق دوما؛ وإنما لكل حديث قرائنه الخاصة تبيّن من هو الأولى بحفظ ذلك الحديث بعينه فتقدم روايته وترجّح.
قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى:
"إذا انفرد الرّاوي بشيء نظر فيه: فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو أولى منه بالحفظ لذلك، وأضبط، كان ما انفرد به شاذّا مردودا" انتهى. "مقدمة ابن الصلاح" (ص79).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟