إذا كانت الشركة غير معسرة ولا مماطلة، لزم المقرض أن يزكي المال كلما حال الحول، أو أن يزكيه إذا قبضه عما مضى من السنين، ويخرج الزكاة تبعا لحول المال، لا تبعا لوقت الإقراض.
هل تسقط زكاة القرض عن المقرض إذا زكّته الشركة؟
السؤال 650102
شخص قدّم قرضاً حسناً لشركة لمساندتها، والمبلغ مستمر في ذمة الشركة منذ سنوات ولم يُسدد منه إلا جزءا بسيطا، والشركة ملتزمة سنوياً بدفع زكاة هذا القرض ضمن وعائها الزكوي، فهل تبرأ ذمة هذا المُقرض من إخراج الزكاة من ماله؟ وهل يقاس الحول بتاريخ الدين أو بتاريخ زكاة المقرض المعتادة؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
من له دين عند غيره، من قرض أو ثمن مؤجل، أو غيره، ففي زكاته تفصيل:
1 - فإن كان الدين على مليء، أي موسر قادر على السداد، لزمه زكاته ولو بقي الدين سنوات، إذا كان المال يبلغ نصابا بنفسه، أو بما انضم إليه من مال آخر. والنصاب ما يعادل 595 جراما من الفضة.
ويخير في إخراج زكاته بين أن يخرجها كلما حال الحول، أو أن يخرجها إذا قبض المال فيزكي عن السنوات كلها.
2 - وإن كان الدين على معسر أو مماطل، لم تلزمه زكاته حتى يقبضه ويحول عليه الحول، وهذا مذهب أبي حنيفة، أو يزكيه إذا قبضه لسنة واحدة، وهذا مذهب مالك.
وأوجب الشافعي وأحمد زكاته عن كل السنوات، كالدين على مليء.
قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (2/ 345): " وجملة ذلك أن الدين على ضربين:
أحدهما: دين على معترف به باذل له، فعلى صاحبه زكاته، إلا أنه لا يلزمه إخراجها حتى يقبضه، فيؤدي لما مضى. روي ذلك عن علي رضي الله عنه، وبهذا قال الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي.
وقال عثمان وابن عمر رضي الله عنهما وجابر وطاوس والنخعي وجابر بن زيد والحسن , وميمون بن مهران والزهري وقتادة وحماد بن أبي سليمان والشافعي وإسحاق وأبو عبيد: عليه إخراج الزكاة في الحال , وإن لم يقبضه ; لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه , فلزمه إخراج زكاته , كالوديعة ...
الضرب الثاني: أن يكون على معسر أو جاحد أو مماطل به، فهذا هل تجب فيه الزكاة؟ على روايتين:
إحداهما: لا تجب، وهو قول قتادة وإسحاق وأبي ثور وأهل العراق؛ لأنه غير مقدور على الانتفاع به، أشبه مال المكاتب.
والرواية الثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى. وهو قول الثوري وأبي عبيد؛ لما روي عن علي رضي الله عنه في الدين المظنون قال: إن كان صادقا، فليزكه إذا قبضه لما مضى. وروي نحوه عن ابن عباس. رواهما أبو عبيد. ولأنه مملوك يجوز التصرف فيه، فوجبت زكاته لما مضى كالدين على المليء.
وللشافعي قولان كالروايتين.
وعن عمر بن عبد العزيز والحسن والليث والأوزاعي ومالك: يزكيه إذا قبضه لعام واحد " انتهى من "المغني" (2/ 348).
وينظر: الموسوعة الفقهية (23/ 238).
ورجح الشيخ ابن عثيمين رحمه الله مذهب في مالك في الدين على المعسر؛ أنه يزكيه لسنة واحدة.
قال رحمه الله: "والصحيح: أنه تجب الزكاة فيه كل سنة، إذا كان على غني باذل؛ لأنه في حكم الموجود عندك؛ ولكن يؤديها إذا قبض الدين، وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله، والأول رخصة، والثاني فضيلة، وأسرع في إبراء الذمة.
أما إذا كان على مماطل أو معسر: فلا زكاة عليه، ولو بقي عشر سنوات؛ لأنه عاجز عنه، ولكن إذا قبضه يزكيه مرة واحدة في سنة القبض فقط، ولا يلزمه زكاة ما مضى.
وهذا القول قد ذكره الشيخ العنقري في حاشيته عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأحفاده رحمهم الله، وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله، وهذا هو الراجح لما يلي:
أولاً: أنه يشبه الثمرة التي يجب إخراج زكاتها عند الحصول عليها، والأجرة التي اختار شيخ الإسلام وجوب الزكاة فيها حين القبض، ولو لم يتم عليها حول.
ثانياً: أن من شرط وجوب الزكاة: القدرة على الأداء، فمتى قدر على الأداء زكى.
ثالثاً: أنه قد يكون مضى على المال أشهر من السنة قبل أن يخرجه ديناً.
رابعاً: أن إسقاط الزكاة عنه لما مضى، ووجوب إخراجها لسنة القبض فقط، فيه تيسير على المالك؛ إذ كيف نوجب عليه الزكاة، مع وجوب إنظار المعسر، وفيه أيضاً تيسير على المعسر؛ وذلك بإنظاره" انتهى من الشرح الممتع (6/ 27).
ثانيا:
لا عبرة بكون المقترض يحتفظ بالمال ويؤدي زكاته. فسواء أنفق المال، أو أدخله في تجارة أو احتفظ به نقودا، زكاه أو لم يزكه، فإن الدائن تلزمه الزكاة حسب التفصيل السابق؛ لأن كلا من الدائن والمدين يؤدي زكاة نفسه، فالمدين ـ الشركة المقترضة ـ إنما تزكي أموالها، وموجوداتها الزكوية التي تملكها، ولا تزكي مال الدائن، ولا تزكي عنه.
ولا إشكال في كون المال يزكى مرتين، على فرض أن المال باق بعينه عند المقترض فيزكيه، وكذلك يزكيه الدائن؛ لانفكاك الجهة.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في كون المدين يزكي ولو كان عليه دين:
"وأما قولهم: إن إيجاب الزكاة يقتضي إيجاب الزكاة في المال مرتين.
فالجواب: أن المدين قد لا يكون في يده نفس المال الذي أخذه من الدائن؛ فقد يستدين دراهم، ويكون عنده مواش، أو بالعكس، وهذا كثير.
ثم على فرض أن يكون هو نفس المال، فيقال: الجهة منفكة؛ لأن المال الذي بيد المدين ماله يتصرف فيه كيف يشاء، فملكه له ملك تام، والدين الذي للدائن في ذمة المدين لا دخل له في هذا المال الذي بيد المدين" انتهى من الشرح الممتع (6/ 33).
ثالثا:
المقرض يخرج زكاة الدين تبعا لحول المال، دون نظر لوقت إعطاء القرض.
فلو كان حول ماله في رمضان، أو ملك نصابا من المال في رمضان ثم أقرضه في ذي الحجة، فإنه يزكيه في رمضان.
وبناءً على ذلك:
يُنظر في واقع حال الشركة: فإن كانت مليئة مقرّة بالدين، ويمكن استيفاؤه منها عند حلول أجله، وجبت زكاة الدين على المقرض عن كل سنة، تبعًا لحول أمواله المعتاد، وله أن يخرج الزكاة كل عام، أو يؤخر إخراجها حتى يقبض الدين، ثم يزكيه عن جميع السنوات الماضية.
أما إن كانت الشركة معسرة أو متعثرة، أو كان تحصيل الدين منها متعذرًا بسبب المماطلة ونحوها، فلا زكاة فيه مدة تعذر قبضه، فإذا قبضه المقرض زكاه مرة واحدة عن سنة القبض، على القول الراجح المذكور في الجواب.
ولا يبرئ ذمة المقرض كون الشركة تدخل هذا الدين ضمن وعائها الزكوي؛ لأن زكاتها متعلقة بأموالها هي، لا بزكاة الدين المملوك للمقرض.
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟