النظر إلى عورة الرجل بشهوة محرم، وبعض أهل العلم صرح بأنه من الكبائر، ولو كان صغيرة فإنه مع التكرار والإصرار يصير كبيرة من الكبائر، والذي يكشف عورته يتحمل وزر كل من نظر إليه راغبًا؛ فهو أشد إثمًا ووزرًا.
هل النظر إلى عورة الرجل من الكبائر؟
السؤال 646903
هل رؤية المرأة أو الرجل لعورة الرجل تعد من الكبائر؟ وعلى الرائي أم من أراهم العورة؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
عورة الرجل عند جمهور أهل العلم ما بين السرة والركبة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ عَوْرَةٌ" رواه الطبراني والدارقطني وأحمد وأبو داود، وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" برقم 271.
وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "الْفَخِذُ عَوْرَةٌ" رواه أحمد (15927)، وصححه الألباني في الإرواء (1/298)، وفي الصحيحة (4/260).
قال ابن القيم رحمه الله:
"وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: ما ذَكَره غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم أن العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السوأتان، والمخففة: الفخذان. ولا تنافي بين الأمر بغضِّ البصر عنهما، لكونهما عورةً، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة" "تهذيب سنن أبي داود" (3/53).
وينظر كلام ابن قتيبة رحمه الله "تأويل مختلف الحديث" (ص:454).
انظر: إجابة رقم (465352).
قال الألباني رحمه الله في سلسلة الأحاديث الصحيحة (4/260):
"واعلم أنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الفخذ عورة " وهو مخرج في " إرواء الغليل " (66) ، فقد يشكل هذا على بعض الناس فيدع العمل به لحديث الترجمة. وهذا خلاف ما عليه أهل العلم من وجوب التوفيق بين الأحاديث الصحيحة. وهنا يبدو للباحث وجوه من التوفيق:
الأول: أن يكون حديث الترجمة قبل حديث: " الفخذ عورة ".
الثاني: أن يحمل الكشف على أنه من خصوصياته صلى الله عليه وسلم، فلا يعارض الحديث الآخر، ويؤيده قاعدة: " القول مقدم على الفعل ". و " الحاظر مقدم على المبيح ". والله أعلم" انتهى.
ثانيًا:
جاء في "الموسوعة الفقهية" (14/19) : "لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ النَّظَرَ إِلَى عَوْرَةِ الْغَيْرِ حَرَامٌ مَا عَدَا نَظَرِ الزَّوْجَيْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلآْخَرِ .
فَلاَ يَحِل لِمَنْ عَدَا هَؤُلاَءِ النَّظَرُ إِلَى عَوْرَةِ الآْخَرِ ، مَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ ضَرُورَةٌ تَدْعُو إِلَى ذَلِكَ ، كَنَظَرِ الطَّبِيبِ الْمُعَالِجِ ، وَمَنْ يَلِي خِدْمَةَ مَرِيضٍ أَوْ مَرِيضَةٍ فِي وُضُوءٍ أَوِ اسْتِنْجَاءٍ وَغَيْرِهِمَا ، وَكَقَابِلَةٍ ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُمُ النَّظَرُ إِلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنَ الْعَوْرَةِ ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إِلَيْهِ ، كَضَرُورَةِ التَّدَاوِي وَالتَّمْرِيضِ وَغَيْرِهِمَا ، إِذْ الضَّرُورَاتُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ ، وَتَنْزِل الْحَاجَةُ مَنْزِلَةَ الضَّرُورَةِ .
ثُمَّ النَّظَرُ مُقَيَّدٌ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ ؛ لأِنَّ مَا أُبِيحَ لِلضَّرُورَةِ يُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا". انتهى .
ثالثًا :
النظر إلى الصورة - سواء كانت صورة حقيقة أم مرسومة باليد - تأخذ حكم النظر إلى الأصل، لما يترتب على هذا النظر من فتنة وإثارة للشهوة .
وينظر جواب السؤال رقم (115149) ورقم (145885)
رابعًا:
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو غضب، أو عذاب، أو لعنة "رواه البيهقي في شعب الإيمان (1/ 460).
المستدرك على مجموع الفتاوى (3/ 212)
قال ابن تيمية رحمه الله : "على نص أحمد الكبيرة: ما فيه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة" انتهى. الآداب الشرعية (1/242)
وهذا الضابط لا ينطبق على النظر لعورة الرجل إلا أن بعض أهل العلم عده من الكبائر.
قال الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/533): "الكبيرة الثانية والأربعون والثالثة والأربعون والرابعة والأربعون بعد المائتين: نظر الأجنبية بشهوة، مع خوف فتنة، ولمسها كذلك، ... أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة؛ العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه انتهى.
وقال (2/ 537): " كما يحرم ذلك على الرجل للمرأة، كذلك يحرم عليها أن ترى شيئا منه، ولو بلا شهوة ولا خوف فتنة" انتهى.
خامسًا:
الإعلان بأن هذه المعصية بعينها صغيرة ليس هديًا نبويًا، ولم يُعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نص على أن معصية بعينها من الصغائر، أو من اللمم، وإنما ورد عن غيره تفسير اللمم الوارد في الآية.
ولا ينبغي الاغترار بالتفريق بين الكبائر والصغائر؛ فالصغائر قد تجر إلى الكبائر، وتورث الاعتياد على المعاصي. وربما وقع إنسان في كبيرة وهو خائف نادم، ويقع آخر في صغيرة وهو غير مبال بها، فيكون الأول أحسن حالًا من غيره؛ لما في قلبه من خوف ووجل.
قال ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين (1/337):
"وهاهنا أمر ينبغي التفطن له، وهو أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف، والاستعظام لها ما يلحقها بالصغائر، وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء، وعدم المبالاة، وترك الخوف، والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر، بل يجعلها في أعلى رتبها.
وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب، وهو قدر زائد على مجرد الفعل، والإنسان يعرف ذلك من نفسه ومن غيره" انتهى.
ولهذا لا ينبغي التساهل في إطلاق القول بأن هذه المعصية بعينها صغيرة، وإن كانت في نفس الأمر من الصغائر؛ وذلك لأسباب:
1-أن إطلاق وصف الصغر عليها قد يورث الاستخفاف بالمعصية، ولا يجوز التهاون بالصغائر؛ فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إيَّاكم ومحقَّراتِ الذنوب! فإنما مثَل محقَّرات الذنوب كقومٍ نزلوا في بطن وادٍ، فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعودٍ، حتى أنضجوا خبزتهم، وإن محقَّرات الذنوب متى يؤخذ بها صاحبها تهلكه)، أحمد في المسند (22808) وحسن إسناده ابن حجر في "فتح الباري" (11/329)، وصححه الألباني في "الصحيحة" (389).
والتهاون بالذنوب عدّه بعض أهل العلم من الكبائر؛ قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله -: " "قال النووي: اختلفوا في ضبط الكبيرة اختلافا كثيرًا منتشرًا جدًا... قال أبو حامد الغزالي في البسيط: "والضابط الشامل المعنوي في ضبط الكبيرة: أن كل معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف، وحذار ندم كالمتهاون بارتكابها، والمتجرئ عليه اعتيادًا فما أشعر بهذا الاستخفاف والتهاون فهو كبيرة...". ... وقال الشيخ الإمام أبو محمد بن عبد السلام - رحمه الله - في كتابه القواعد: "لم أقف لأحد من العلماء على ضابط للكبيرة لا يسلم من الاعتراض، والأولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها بدينه إشعارًا دون الكبائر المنصوص عليها"، قال الحافظ: "وهو ضابط جيد" شرح النووي على مسلم (2/ 85)، فتح الباري (10/410 - 411).
وانظر: روضة الطالبين (7/65)، مجموع فتاوى ابن تيمية (11/50)، الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/13)، تحفة المحتاج (10/213)، نهاية المحتاج (8/ 294). الاختيارات الفقهية للصيدلاني (ص: 65).
2-أن الصغيرة مع الإصرار ليست كالصغيرة المجردة، وكثير من الناس عندما يتكلمون عن النظر إلى عورة الرجل أو المرأة لا يكادون يتركونه، بل قد ابتُلوا به مصرين عليه. وقد قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع إصرار". رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (3/934)، وابن جرير الطبري في تفسيره (جامع البيان) (8/245).
3-أن معصية النظر غالبًا لا تنفك عن معاصٍ أخرى؛ فكثرة المشاهدات تؤدي إلى انتشارها، فيكون المشاهد مشاركًا في الإثم ولو في بعضها، نسأل الله السلامة والعافية.
سادسًا: النظر إلى العورات - مع خطورته - ليس على مرتبة واحدة، بل هو درجات في الإثم. فمن يشاهد عورة رجل أو امرأة في اليوتيوب مثلًا فقد شارك في الإثم، ويُخشى أن يلحقه من الإثم بقدر مشاركته في نشر ذلك؛ لأنه يرفع نسبة المشاهدة، فيعين على انتشار هذا المنكر، وقد يكون في ذلك نوع مشاركة في إشاعة الفاحشة، قال تعالى: إنكم إذًا مثلهم النساء/140، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا المُجَاهِرِينَ رواه البخاري (6069)، ومسلم (2990). انظر: إجابة رقم (426365).
ومن أعظم ذلك وأشدِّه: مشاهدة عورات الناس خفية وهم في بيوتهم؛ فقد جاء الوعيد فيه شديدًا.
فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه، قَالَ: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ البَصَرِ رواه البخاري (6241)، ومسلم (2156).
وعن أبي هُرَيْرَةَ، رضي الله عنه، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: مَنْ اطَّلَعَ فِي دَارِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقَئُوا عَيْنَهُ، فَقَدْ هَدَرَتْ عَيْنُهُ رواه أبو داود (5172)، وصححه الألباني.
فلا يمكن أن تهدر عين في صغيرة من صغائر الذنوب.
سادسا:
لا شك أن الذي كشف عورته متعمدًا للناس فإن عليه وزر ما فعل ، ووزر من فعل فعله مقتديا به فيه أو نظر إلى عورته، من غير أن ينقص من أوزار من تبعه أو نظر إليه شيء، ومن تبعه أو نظر إلى عورته فعليه وزره. والذي كشف عورته يتحمل وزر كل من نظر إليه راغبًا؛ فهو أشدّ وزرًا.
لما رواه مسلم (1017) عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ . وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ).
وإذا كان التهتك بكشف العورة محرما على الكاشف، ويأثم به، فالأمر كذلك بالنسبة للناظر: أنه يحرم عليه أن ينظر إلى العورات، ولو استهان صاحبها بكشفها، ولو أحب الكاشف أن ينظر الناس إليه، فإن ذلك النظر محرم لحق الله، ومحرم لأجل دفع الفتنة والفساد عن الناظر، ومحرم لئلا تشيع الفواحش والتهتك بكشف العورات في الناس.
جاء في حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني (2/ 460):
"والحاصل: أن ما يحرم فعله، يحرم النظر إليه، وما يكره يكره وما يباح يباح" انتهى .
وفي نهاية المحتاج (2/376)، وحاشية البجيرمي على شرح الخطيب (2/261): "وما هو حرام في نفسه يحرم التفرج عليه؛ لأنه رضا به، كما قاله ابن قاسم على المنهج" انتهى.
وجاء في حاشية الشرواني على تحفة المحتاج (10/221): "قال الحلبي: وكل مَا حَرُمَ حَرُمَ التفرج عليه؛ لأنه إعانة على المعصية" انتهى.
ومن الكبائر: الرضا بالكبيرة والإعانة عليها، كما قال الهيتمي رحمه الله في الزواجر (1/227): "الكبيرة الثانية والثالثة والستون: الرضا بكبيرة من الكبائر أو الإعانة عليها بأي نوع كان" انتهى.
رحم الله جميع علمائنا.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟