ما المقصود بإشهاد الملائكة وحملة العرش وسائر الخلق في أذكار الصباح؟

السؤال 644655

لدي سؤال: لماذا لا يُعد الدعاء الوارد في سنن أبي داود من الشرك؟ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلاَئِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ وَحْدَكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ) (رواه أبو داود).
هل نتوجه بالدعاء والنداء في هذا الذكر إلى الله وحده ليُشهد ملائكته وخلقه، أم أننا ننادي كل طرف منهم على حدة؟ وما النية التي ينبغي استحضارها عند قول هذا الذكر؟ وماذا يفعل المرء لو قاله بنية خاطئة؟
[أود التوضيح أن هذا السؤال لا يصدر عن قلة احترام، وإنما هو دافع الفضول المعرفي؛ إذ يراودني خوف شديد من أن أكون قد اقترفت ذنباً عظيماً حين شككت في نفسي بأن الحديث قد ينطوي على شرك].
وهل كتابتي لهذا السؤال تعد ذنباً أيضاً؟ وهل يلحقني إثم إذا طرحت مثل هذه التساؤلات حول الأحاديث النبوية؟

ملخص الجواب

هذا الذكر النبوي محض إشهادٍ وإقرارٍ بالتوحيد بين يدي الله، وليس فيه نداءُ طلبٍ أو استغاثةٍ بالمخلوقين حتى يُتوهم فيه الشرك.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

لا بد من التفريق بين نداء الطلب، وبين غيره من أنواع الخطاب والإعلام، التي منها إشهاد المخلوق كما هو المراد في هذا الذكر الوارد في السؤال.

فالذي في هذا الحديث الوارد في السؤال هو إشهاد، أي: إعلام وإظهار للمقالة بين يدي السميع العليم سبحانه، ثم من يسمع من المخلوقات، وليس هو سؤالًا للمخلوق أن يقضي حاجةً أو يجلب نفعًا أو يكشف ضرًّا، فليس فيه أيُّ طلبٍ من المخلوق.

فليس هو إلا محض إقرارٍ بصدق الاعتقاد.

وأما شرك الطلب: ففيه يطلب المشرك ويدعو من لا يسمع دعاءه، أو يسمع ولا يستجيب له، فذاك الدعاء الباطل، والضلال الذي يصل بصاحبه إلى الإشراك بالله.

أما قول العبد: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ ...)، ففيه نداء لله تعالى وحده، فإن (اللهم) معناها: (يا الله)، وليس فيه نداء لغير الله تعالى، فضلا أن يكون فيه طلب من غيره تعالى.

"وقد قال سبحانه: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فهو سبحانه يشهد لنفسه بالوحدانية، والملائكة يشهدون، وأولو العلم من عباده يشهدون، والشهادات متطابقة متوافقة"، انتهى من "منهاج السنة" لابن تيمية (5/ 374).

فغاية ما في هذا الذكر أن يتوجه العبد إلى الله تعالى وحده، إعلانا من العبد، وإقرارا منه بمعنى الآية، وحكاية لليقين في نفسه، وإلا فإن الله تعالى قد أخبر أنه شهد تعالى، وشهدَتْ الملائكة وأولو العلم بالفعل.

قال السندي في "فتح الودود في شرح سنن أبي داود" (4/ 660):

"فإن قلتَ: كيف يصحُّ إشهادُهم؟

قلتُ: كأنَّه أراد بإشهادهم أنه لا يُخفي شهادته بالتوحيد والرسالة عند أحدٍ منهم، حتى لو تيسر عنده اجتماع كلهم لشهد بالأمرين عندهم جميعًا"، انتهى.

والمقصود: أن العبد في قوله (وأُشهد حملةَ عرشك، وملائكتَك، وجميعَ خلقك) لا يسألهم شيئا، ولا يستغيث بهم، ولا يطلب منهم، بل يقرر أنهم يشهدون، ويحكي اليقين عن نفسه، لا غير. وهذا مطابق لقوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ الآية.

وقال الملا علي القاري في الحرز الثمين للحصن الحصين (1/ 434):

«(اللهم إني أصبحت أشهدك) بضم همزة وكسر هاء، من الإشهاد، أي: أجعلك شاهدًا على إقراري بوحدانيتك في الألوهية والربوبية، وهو إقرار بالشهادة، وتجديد اعتراف بها في كل صباحٍ ومساءٍ.

وغرَضه: عرْضُه من نفسه أنه ليس من الغافلين عنها». انتهى.

فليس هذا الدعاء من الشرك في شيء، والتوجه فيه إنما هو لله وحده، والملائكة والخلق هنا مجرد شهود على ما أخبر الله تعالى في الآية أنهم يشهدون به، وليسوا أربابًا مدعوين.

وبذلك يتبين أن نية العبد حين ينطق بهذا الذكر هي: حكاية اليقين عن نفسه بالتوحيد، وإشهاد رب العالمين وجميع الخلق بإذعانه لله تعالى واعترافه بالعبودية.

وأما سؤالك: ماذا يفعل المرء لو قاله بنية خاطئة؟

فالجواب: أنه لا يلزمه شيء سوى تصحيح النية مستقبلًا، ومجرَّد خوفك الذي تجده من الوقوع في الشرك، وكراهتك لذلك، هو دليل إن شاء الله على يقينك وصدق إيمانك؛ وهو ما سماه النبي صلى الله عليه وسلم (صريح الإيمان).

فما مضى من نية شابها الجهل، أو لوَّثَتْها الوساوسُ؛ فإن الله تعالى واسع المغفرة، متجاوز عن الخطإ والنسيان، وحديث النفس، فأعرض عن ذلك كله، واطَّرِحِ الشكوكَ كلها، وامضِ في ذكر ربك مطمئن البال.

واعلم أنه ليس في أسئلتك إثم ولا حرج، ولا يلحقك لومٌ على شيءٍ منها، بل لا بد للمسلم أن يسأل إذا عرضت له شبهة، أو خطر في باله إشكال، فإنما (العلم بالتعلُّم)، مع الحرص على الالتجاء إلى الله وسؤاله العلم النافع، والعمل الصالح.

واحذر من الوساوس كلها، فإنها باب شر، فلا يفتحه العبد على نفسه، ومتى رأيت إلحاحها عليك، فاعرض نفسك على طبيب نفسي، ثقة.

وينظر للفائدة:

الوسواس القهري

والله أعلم.

المراجع

العقيدة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android