كيف يكون التطبيق العملي لحديث (فليقل خيرا أو ليصمت)؟

السؤال 644348

أود معرفة الشرح الصحيح للحديث النبوي الشريف:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ( (رواه البخاري ومسلم).
أرجو شرح هذا الحديث، وبيان كيفية تطبيقه في حياتي اليومية.
وما المقصود بـ "قول الخير" هنا؟ هل يقتصر على الكلام النافع فقط؟ وهل يمنع الأحاديث الجانبية والدردشة المعتادة؟ أم أن المقصود به هو مجرد اجتناب الكلام المحرم (مثل الغيبة)؟

ملخص الجواب

"قول الخير" يشمل الواجب والمستحب، أما الكلام المباح كالدردشة والأحاديث الجانبية فلا يمنع منه الحديث إن خلا من المحرمات كالغيبة، بل يصير خيراً بالنية الصالحة كإيناس الجليس وإدخال السرور، لكن يُستحب تقليله خشية الوقوع في الزلل وإضاعة الوقت.

موضوعات ذات صلة

الجواب

هذا الحديث العظيم هو أصلٌ من أصول التربية الإسلامية، وقاعدة من قواعد الأخلاق والآداب، وفيه رسمَ النبي ﷺ للمسلم منهجاً متكاملاً في التعامل مع نعمة النطق، وحفظ اللسان عن كل ما يغضب الله جل وعلا.

أولاً: المعنى الإجمالي للحديث ومنزلته

قوله صلى الله عليه وسلم : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ  رواه البخاري (6018)، ومسلم (47).
يُعدّ هذا الحديث من جوامع الكلم التي أوتيها النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال الكوراني رحمه الله في "الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري" (10/ 157) عن هذا الحديث: "هذا من جوامع الكلام الذي خُصَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، انظر كم اندرج تحته؟". انتهى.
وقال النووي رحمه الله في شرحه على مسلم (2/ 19): "وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي زَيْدٍ إِمَامُ الْمَالِكِيَّةِ بِالْمَغْرِبِ فِي زَمَنِهِ: جِمَاعُ آدَابِ الْخَيْرِ يَتَفَرَّعُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ؛ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ... ". انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر، رحمه الله: «وهذا من جوامع الكلم لأن القول كله إما خير وإما شر وإما آيل إلى أحدهما، فدخل في الخير كل مطلوب من الأقوال فرضها وندبها، فأذن فيه على اختلاف أنواعه، ودخل فيه ما يؤول إليه.

وما عدا ذلك، مما هو شر، أو يئول إلى الشر: فأمر عند إرادة الخوض فيه بالصمت». انتهى، من فتح الباري لابن حجر (10/ 446 ط السلفية).

ثانياً: دلالة الاقتران بالإيمان واليوم الآخر:

افتتح النبي صلى الله عليه وسلم توجيهه بجملة شرطية: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر"، والمقصود بهذه الصيغة عند أهل العلم: هو الحث والإغراء على قول الخير أو السكوت.

قال ابن بطال، رحمه الله: يعنى من كان يؤمن بالله واليوم الآخر الإيمان التام؛ فإنه ستبعثه قوة إيمانه على محاسبة نفسه في الدنيا، والصمت عما يعود عليه ندامةً يوم القيامة. انتهى، من شرح صحيح البخاري (10/ 186).

وقال الوزير ابن هبيرة، رحمه الله: ولما كان القول هو الذي تركب عليه أرواح المعاني، حتى يوصلها القول إلى أوكد الأذكار، وكان مما هدى الله به إلى الحق، هو القول الطيب، وكان مما يوصل إلى النار، هو القول الخبيث، كان قول المؤمن الخير إن قدر عليه، أو الصمت عن الشر إن لم يقدر على قول الخير، من خصال الإيمان إلا إنه يدلك هذا أن قول الخير؛ هو أعلى وأرفع وأكمل، فإن لم يقدر على ذلك انتقل عنه إلى الصمت قانعًا فيه بالسلامة؛ إذ لم يتهيأ له الربح في قول الخير. انتهى، من الإفصاح عن معاني الصحاح (6/ 392).

وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في "شرح الأربعين النووية" (ص176): "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ" هذه جملة شرطية، جوابها: "فَليَقُلْ خَيْرَاً أَو لِيَصْمُتْ"، والمقصود بهذه الصيغة الحث والإغراء على قول الخير أو السكوت؛ كأنه قال: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فقل الخير أو اسكت". انتهى.
وقال الشيخ عبد الكريم الخضير في "دروسه" (5/ 1 بترقيم الشاملة آليا): "هذا الحديث المتفق عليه ربط هذه الأعمال بالإيمان، بالإيمان بالله الذي لا يصح أي عمل بدونه، الإيمان بالله شرط لقبول الأعمال، وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَاّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ [(54) سورة التوبة]، فالكافر لا يقبل منه أي عمل، فلا بد أن يكون العامل مؤمناً ليقبل عمله.

وربط أيضاً بالإيمان باليوم الآخر الذي هو ركن من أركان الإيمان، فلا يصح إيمان إلا باجتماع أركانه الستة، ومنها الإيمان باليوم الآخر، والتنصيص على الإيمان باليوم الآخر مع إمكان الاكتفاء بالإيمان بالله -جل وعلا- الذي يتطلب الإيمان باليوم الآخر، التنصيص عليه ليستشعر الإنسان اليوم الآخر الذي فيه الحساب والجزاء على هذه الأعمال وغيرها". انتهى.
وقال المناوي رحمه الله في "فيض القدير" (6/ 210): "قال القرطبي: معناه أن المصدق بالثواب والعقاب المترتبين على الكلام في الدار الآخرة: لا يخلو إما أن يتكلم بما يحصل له ثواباً أو خيراً فيغنم، أو يسكت عن شيء يجلب له عقاباً أو شراً فيسلم". انتهى.


ثالثاً: حقيقة القول الخير وحكم الدردشة المباحة:

وقد قسّم العلماء (الكلام) في ضوء هذا الحديث إلى أقسام، وبيّنوا ضابط "الخير" المأمور به:

1- الخير المحض: وهو ما يقرب إلى الله جل وعلا، وتُكتب به الحسنات. وقد بيّن النووي رحمه الله في "شرحه على مسلم" (2/ 19) ضابطه بقوله: "أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَكَلَّمَ؛ فَإِنْ كَانَ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ خَيْرًا مُحَقَّقًا يُثَابُ عَلَيْهِ، وَاجِبًا أو مندوباً: فَلْيَتَكَلَّمْ". انتهى.
وهذا القسم لا تردد في قوله؛ لورود الأمر الصريح به: "فليقل خيراً".

2-الشر المحض: وهو الكلام المحرم كالغيبة والنميمة، وتقرير البدع، والأمر بالشر، والنهي عن الخير. وهذا يجب السكوت عنه قطعاً؛ لأنه يُكتب في ديوان السيئات.

قال الشيخ عبد الكريم الخضير في "شرح الأربعين النووية" (11/ 17 بترقيم الشاملة آليا): "وإذا كان شراً من أنواع الكلام المحرم؛ غِيبةً ونميمةً، وغير ذلك من النطق بالكلام المحرم كتقرير البدع وغيرها ، وأمر الإنسان بأن يكف عن الخير، أو أمره أن يفعل شراً= كل هذا الكلام شر، لا يجوز له أن ينطق به؛ لأنه يكتب في ديوان سيئاته". انتهى.

3-ما لا خير فيه ولا شر (المباح): وهو الذي استوى طرفاه، فهذا القسم، إذا لم يترتب عليه مصلحة، أو تدع إليه حاجة: فينبغي بالإمساك عنه.

روى الخلال عن عطاء، قال: كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام ما عدا كتاب الله أن نقرأه أو أمرا بمعروف، أو نهيا عن منكر أو أن تنطق في معيشتك بما لا بد لك منه. نقله ابن مفلح في الآداب الشرعية (1/ 34).

وقد نصّ العلماء على أن الأفضل والأولى هو الإمساك عن هذا المباح والسكوت عنه؛ لسببين:
1- أنه يدخل في باب ما لا يعني المرء.

قال النووي رحمه الله في "شرحه على مسلم" (12/ 31): "يَنْبَغِي لَهُ الْإِمْسَاكُ عَنِ الْكَلَامِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ خير ولا شر لأنه مما لا يعنيه ومن حسن إسلام المرء تركه مالا يَعْنِيهِ". انتهى.

2- الخشية من الانزلاق إلى المحرم: فالاسترسال في الدردشة المباحة غالباً ما يجرّ إلى الوقوع في الغيبة أو الكذب أو تزكية النفس.

قال النووي رحمه الله في "شرحه على مسلم" (2/ 19): "وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَنَّهُ خَيْرٌ يُثَابُ عَلَيْهِ: فَلْيُمْسِكْ عَنِ الْكَلَامِ، سَوَاءٌ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ أَوْ مُبَاحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْكَلَامُ الْمُبَاحُ مَأْمُورًا بِتَرْكِهِ، مَنْدُوبًا إِلَى الْإِمْسَاكِ عَنْهُ، مَخَافَةً مِنِ انْجِرَارِهِ إِلَى الْمُحَرَّمِ أَوِ الْمَكْرُوهِ وَهَذَا يَقَعُ فِي الْعَادَةِ كَثِيرًا أَوْ غَالِبًا". انتهى.
وبهذا يتبين أن الحديث لا يمنع الدردشة المعتادة إذا خلت من المحرمات، وقُصد بها المؤانسة. ومن باب أولى: إذا دعت إليها الحاجة، أو كان وراءها مصلحة. لكن ينبغي للمسلم أن يقلل من فضول الكلام، قدر الطاقة، ولا يسترسل فيه مما يحتاج إليه، إلى ما يستغنى عنه.

وينظر للفائدة جواب السؤال رقم (9410)، ورقم (82465)، ورقم (333555).


رابعاً: التطبيق العملي للحديث في الحياة اليومية

ينبغي للمسلم مراعاة القواعد التربوية التالية التي استنبطها العلماء:
1- وزن الكلام بميزان الشرع قبل النطق:  قال الشيخ عبد الكريم الخضير في "شرح الأربعين النووية" (11/ 17 بترقيم الشاملة آليا): "فعلى الإنسان إذا أراد أن يتكلم أن يزن هذا الكلام بميزان الشرع". انتهى.  فإن وجده خيراً أقدم، وإن وجده لغواً أو شراً صمت.
وقال الإمام ابن حبان البستي في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" (ص47): "لسان العاقل يكون وراء قلبه، فإذا أراد القول رجع إلى القلب، فإن كان له قَالَ، وإلا فلا. والجاهل قلبه في طرف لسانه مَا أتى على لسانه تكلم به". انتهى.

2- استحضار الرقابة الإلهية:

من أعظم ما يعين على حفظ اللسان تذكر قوله تعالى: مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق:18].

قال الكوراني رحمه الله في "الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري" (10/ 157): "ولا شك أن العاقل إذا تأمل أن عليه رقيبًا حاضرًا من سلطان يعتمد عليه أقواله، وسيعرضها عليه وهو واقف بين يديه، فلا يلفظ إلَّا بما يقدر على الجواب الشافي عنه". انتهى.

3. الاستماع أكثر من التحدث: قال الإمام ابن حبان البستي في "روضة العقلاء ونزهة الفضلاء" (ص45): "الواجب على العاقل أن ينصف أذنيه من فيه، ويعلم أنه إنما جعلت له أذنان وفم واحد، ليسمع أكثر مما يقول لأنه إذا قَالَ ربما ندم، وإن لم يقل لم يندم". انتهى.
فالكلمة متى خرجت ملكت صاحبها، وإن سكت عنها ملكها.

4. عدم السكوت عن الحق: الصمت لا يعني السكوت عن إنكار المنكر أو قول الحق متى لزم الأمر.

قال القشيري في "الرسالة القشيرية" (1/ 245): "والسكوت فِي وقته صفة الرجال، كَمَا أَن النطق فِي موضعه من أشرف الخصال. سمعت الأستاذ أبا عَلِيّ الدقاق يَقُول: من سكت عَنِ الحق فَهُوَ شَيْطَان أخرس".

وقال الإمام أبو بكر ابن العربي، رحمه الله: "وقولُه: "أو لِيَصْمُتْ" يريد- والله أعلم -: أنّ هذا حُكْمُ من كان يؤمن بالله وعَلِمَ أنّه يُجَازَى في الآخرةِ، وممّا يَلْزَمُه: أنّ يقول خيرًا يُؤْجَرُ عليه، أو يَصْمُتَ عن شَرٍّ يُعَاقَبُ عليه.

وأمّا الصّمتُ عن الخيرِ وذِكْرِ الله عز وجل والأمرِ بالمعروفِ والنَّهيِ عن المُنْكَرِ، فليس بمأمورِ به، بل هو منهىٌّ عنه نَهْيَ تحريم أو نَهْيَ كراهيةٍ، وإنّما معناه: أنّ يقول خيرًا أو يَسْكُتَ عن شَرٍّ، وأن تكون "أو" ههناَ بمَعْنَى الواوِ، فيكون المعنى: يقول خيرًا ويَصْمُتُ عن شرٍّ، وقد قيل ذلك في قوله تعالى: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ". انتهى، من المسالك في شرح موطأ مالك (7/ 393).

الحاصل:
هذا الحديث أصل في وجوب التفكير قبل الكلام، ووزن الألفاظ بميزان الشرع، فلا يحرم عليك التحدث في أمور الدنيا المباحة، ولا يمنعك من الأحاديث الجانبية مع أصحابك والتبسط مع أهلك، بل يضع لك حارساً داخلياً (مراقبة الله تعالى)، و"القول الخير" يشمل كل ما يُثاب عليه المسلم من واجب أو مستحب، وكل ما يقربه إلى الله. فيمنعك من تحويل هذه الدردشة إلى ساحة للذنوب (كالغيبة والكذب). ويمكنك أن تجعل من كلماتك المباحة خيراً بنيتك الصالحة، وما سوى ذلك فصمتك عنه حكمة ونجاة. والتطبيق العملي يقتضي أن يجعل المسلم قلبه أمير لسانه، فلا ينطق إلا بما ينفعه، مستحضراً رقابة الله تعالى على كل لفظة تخرج من فمه.

والله أعلم.

المراجع

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android