أولاً :
صلاة الجماعة فرض عين على الرجال البالغين القادرين ، على أرجح قولي العلماء ، كما سبق بيان هذا في جواب السؤال : (40113) ، (38881) .
وقد اختلف العلماء في صلاة الجماعة ، هل يجب فعلها في المسجد أم يتحقق الواجب بأدائها في غير المسجد؟
ومذهب جمهور العلماء – ومنهم الحنابلة القائلون بأن الجماعة فرض عين – أن أداء الجماعة في المسجد سنة ، والواجب يتحقق بصلاتها جماعة ، ولو في غير المسجد .
وذهب بعض العلماء إلى وجوب فعلها في المسجد ، وهو رواية عن الإمام أحمد ، ومذهب الظاهرية ، واختارها جمع من المحققين . ينظر: " المحلى" (4/188) ، "الإنصاف" للمرداوي (2/213).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " من صلى في بيته جماعة : فهل يسقط عنه حضور المسجد؟
فيه نزاع ، وينبغي أن لا يترك حضور المسجد إلا لعذر" .
انتهى من "مختصر الفتاوى المصرية" صـ 52.
وقال ابن دقيق العيد : " وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ إقَامَةَ الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ: هَلْ يَتَأَدَّى بِهَا الْمَطْلُوبُ ؟
فَعَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي إقَامَةُ الْجَمَاعَةِ فِي الْبُيُوتِ فِي إقَامَةِ الْفَرْضِ ، أَعْنِي إذَا قُلْنَا: إنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَكْفِي إذَا اشْتَهَرَ، كَمَا إذَا صَلَّى صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي السُّوقِ مَثَلًا.
وَالْأَوَّلُ عِنْدِي: أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ الْمَشْرُوعِيَّةِ إنَّمَا كَانَ فِي جَمَاعَةِ الْمَسَاجِدِ ، هَذَا وَصْفٌ مُعْتَبَرٌ لَا يَتَأَتَّى إلْغَاؤُهُ " انتهى من "إحكام الأحكام" (1/ 191) ..
وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (229225) ورقم (74978)
ثانيا:
إذا كانت هناك حاجة معتبرة للموظف في أن يصلي في مكان عمله، كأن يكون المسجد بعيدا، أو يؤدي خروجه إلى المسجد إلى تعطل ظاهر في العمل، أو نحو ذلك من المصالح، فيكفي الموظف أن يصلي جماعة مع رفاقه وزملائه في مكان العمل ، ولا يجب عليه أن يذهب للصلاة في المسجد.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" الأصل الصلاة في المساجد , ولا بأس أن يصلي أهل المكاتب في مكاتبهم ، إذا كان خروجهم إلى المسجد يؤدي إلى تعطل العمل , أو يؤدي إلى تلاعب بعض الموظفين الذين يخرجون للصلاة ويتأخرون .
وإذا كان المسجد بعيداً أيضاً جاز لهم الصلاة في مكان عملهم .
فالمهم: إذا كان هناك مصلحة , أو حاجة إلى أن يصلوا في مكاتبهم فلا حرج " انتهى .
"مجموع فتاوى ابن عثيمين" (15/68) .
وبناء على هذا ، فلا حرج عليك من الصلاة مع زملائك في مكان العمل .
وإذا كان ترك الصلاة في المسجد، أو المصلى، والصلاة مع إخوانك: أصلح لذات البين، وأرجى لترك المهاجرة بينكم، فلا بأس أن تفعل ذلك، ولو وقتا ما، حتى يزول ما بينكم من الشحناء، ثم أنت أبصر بأمر صلاتك.
ثالثا :
ينبغي للمسلم أن يكون حسن الخلق مع إخوانه المسلمين .
وينبغي أن يقابل إساءتهم بالإحسان ، فإن ذلك خير وسيلة لكسب مودتهم ، وتحويل عداوتهم إلى محبة ومودة .
وهي وصية الله تعالى لنا .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (1/114) :
"أمر الله تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعُه عمَّا هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه.
وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن، لا أعلم لهن رابعة:
قوله في الأعراف: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِين [الأعراف: 199]، فهذا فيما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشر، ثم قال: وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 200].
وقال تعالى في سورة " قد أفلح المؤمنون " : ادفع بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ * وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ [المؤمنون: 96 -98].
وقال تعالى في سورة " حم السجدة " : وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [فصلت: 34 -36]" انتهى.
أما مقابلة الإساءة بالإساءة ، والكلمة بالكلمة ... فهذا –في الغالب- لا ينهي المشاكل ولا المنازعات ، وإنما يزيدها .
فالذي ينبغي لك ولزملائك أن تحرصوا على إزالة ما بينكم من مشاحنات ، واستجيبوا لقول الله تعالى : (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) الأنفال/1,
نسأل الله تعالى أن يصلح أحوالكم .
والله أعلم .