هل شرب الماء يفوّت سنة تأخير الفطر يوم عيد الأضحى؟

السؤال 643377

هل شرب الماء أو أي شيء يكسر سنة امتناع المضحي عن الأكل، حتى يذبح أضحيته ويأكل من لحمها؟

ملخص الجواب

من أراد أن يصيب السنة بيقين، فينبغي أن يمسك عن الأكل والشرب في عيد الأضحى حتى يؤدي صلاة العيد، ومن شرب، فنرجو ألا تفوته السنة بذلك، لا سيما عند الحاجة؛ فليس هو صائما، ولا في معناه.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولًا:

أجمع العلماء على أنه يُسن أن يأكل في عيد الفطر قبل صلاة العيد، وفي الأضحى بعدها.

قال ابنُ رشد رحمه الله: (أجمَعوا على أنه يُستحبُّ أن يُفطر في عيد الفطر قبل الغُدوِّ إلى المصلَّى، وألَّا يُفطرَ يومَ الأضحى إلَّا بعد الانصرافِ من الصَّلاة) بداية المجتهد (1/233).

وقال ابن قدامة رحمه الله:

"السنة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة، ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي. وهذا قول أكثر أهل العلم؛ منهم علي، وابن عباس، ومالك والشافعي وغيرهم، لا نعلم فيه خلافا". انتهى من المغني (2/275).

وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية (45/341):

" مصلي صلاة العيد يوم النحر لا يخلو :

إما أن تكون له أضحية، وإما أن لا تكون .

فمن كانت له أضحية: فقد اتفق الفقهاء على أنه يسن له تأخير الفطر يوم النحر، والإمساك عن الأكل، ليفطر على كبد أضحيته، لما ورد عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يفطر ، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي )، وفي رواية : ( ولا يأكل يوم النحر حتى يذبح ).

ولأن في الأضحى شرعت الأضحية والأكل منها؛ فاستُحب أن يكون الفطر على شيء منها، ولأن الناس أضيافُ الله تعالى في هذا اليوم، فيستحب أن يكون أكلهم من لحوم الأضاحي التي هي ضيافة الله تعالى...

والأولى للمضحي أن يأكل من كبد أضحيته، لحديث: ( أنه صلى الله عليه وسلم كان يأكل من كبد أضحيته )، ولأن الكبد أسرع تناولا من غيره .

وأما من لا يضحي فيرى جمهور الفقهاء ( الحنفية والمالكية ، وهو ما يؤخذ من إطلاق عبارات الشافعية ): أنه يستحب له أيضا تأخير الأكل .

وصرح الحنابلة بأن من لم يكن يضحي: خُيِّر بين الأكل قبل الصلاة، وبعدها ... وقالوا : إذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل". انتهى.

ثانيًا:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلاَ يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ". رواه الترمذي 542

وفي لفظ ابن ماجه 1756 : كَانَ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى يَرْجِعَ. وصححهما الألباني.

وروى "الفريابي" في "أحكام العيدين" (19)، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ، قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَأْكُلُونَ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ.

وروى (20) عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أيضا ، قَالَ: لَا تَغْدُوا يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى تَأْكُلُوا، وَلَا تَأْكُلُوا يَوْمَ النَّحْرِ حَتَّى تُذَكُّوا أَوْ تَنْحَرُوا.

والأصل في "يطعم" أنه تناول الطعام؛ أي: الأكل، ولا يراد به "الشراب" إلا إذا كان بمعنى "الذوق"، أو دلت عليه القرينة.

قال الله تعالى: (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ) البقرة/ 249.

قال أبو عبيد الهروي، رحمه الله: قوله تعالى: (ومن لم يطعمه فإنه مني} أي: من لم يذقه، والطعم: الذوق، والطعم: الطعام، وإذا جعلته بمعنى الذواق جاز فيما يؤكل ويشرب. انتهى، من الغريبين في القرآن والحديث (4/ 1170).

وفي لسان العرب (12/ 366):

"وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي"؛ أَي مَن لَمْ يَذُقْه. ...، وَإِذَا جعلتَه بِمَعْنَى الذَّوْقِ جَازَ فِيمَا يُؤْكل ويُشْرَبُ. وَالطَّعَامُ: اسْمٌ لِمَا يؤْكل، وَالشَّرَابُ: اسْمٌ لِمَا يُشْرَبُ " انتهى.

والظاهر أن السنة هنا: إنما هي الإمساك عن الأكل خاصة، كما هو أصل إطلاق "الطعم" و"الطعام" في اللغة، وكما دل عليه اللفظ الثاني للحديث: "يأكل".

وهذا أيضا هو المناسب لمعنى السنة في ذلك؛ فليس هذا محل "صيام" عن الأكل أو الشرب، ؛ بل المراد أن يكون أول ما يأكل في ذلك اليوم، هو مما تقرب به إلى الله في أضحيته. ولأجل ذلك: نص الإمام أحمد على أنه إذا لم تكن له أضحية، فلا عليه أن يأكل، إن شاء.

قال ابن قدامة، رحمه الله: "الأضحى شرع الأضحية، والأكل منها، فاستحب أن يكون فطره على شيء منها. قال أحمد: والأضحى لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم أكل من ذبيحته، وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل". انتهى، من "المغني" (3/259).

وقال القرافي، رحمه الله: وليكون الفطر في الأضحى على لحم القربة. انتهى، من الذخيرة للقرافي (2/ 423).

وعلى ذلك ترجم الإمام البخاري، رحمه الله في "صحيحه": (بابُ الأَكْلِ يَوْمَ النَّحْرِ).

ولم يترجم أحد من الأئمة بـ"الشرب"، لا مفردا، ولا ملحقا بـ"الأكل".

وقال الإمام ابن المنذر، رحمه الله: «ذكر استحباب الأكل يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وترك الأكل يوم النحر إلى الرجوع من المصلى

حدثنا إبراهيم بن عبد الله، قال: أخبرنا أبو عاصم، عن ثواب، عن ابن بريدة، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان [لا] يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم النحر حتى يرجع». انتهى، من الأوسط لابن المنذر (4/ 290).

وقال ابن أبي زيد القيرواني، رحمه الله: ويستحب أن يكون أول ما يأكل يوم النحر من أضحيته، قاله عثمان وابن المسيب وابن شهاب. قال ابن شهاب: يأكل من كبدها قبل أن يتصدق. انتهى، من النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات (4/ 322).

وبعض الفقهاء يلحق الشرب بالأكل، ويرى أن السنة ألا يأكل، ولا يشرب، حتى يرجع.

وهو مذهب الشافعية، والظاهر من حكاية الأحناف عن مذهبهم.

قال الرملي، رحمه الله، في نهاية المحتاج (2/396):

"والشرب كالأكل". وكذا في أسنى المطالب (1/ 282)، ومغني المحتاج (1/592).  

وقال الشيخ زكريا الأنصاري، في فتح العلام بشرح الإعلام بأحاديث الأحكام (ص: 280):

" (كَانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يَخْرُجُ) لصلاة العيد (يَوْم الْفِطْرِ حَتى يَطْعَمَ) -بفتح الياء- أي يأكل أو يشرب" انتهى.

وقال الملا علي القاري، من "الأحناف"، قال: (لَكِنْ نُدِبَ الإِمْسَاكُ) عن الأَكل والشُّرْبِ (إلى أنْ يُصَلِّيَ) لِمَا تقدَّم من حديث الترمذي، وابن ماجه: أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل يوم النَّحْرِ حتى يرجع. انتهى، من فتح باب العناية بشرح النقاية (1/ 425).

وقال ابن عابدين رحمه الله : (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ تَأْخِيرُ أَكْلِهِ عَنْهُمَا) أَيْ: يُنْدَبُ الْإِمْسَاكُ عَمَّا يُفْطِرُ الصَّائِمَ، مِنْ صُبْحِهِ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ ...". انتهى من حاشية ابن عابدين (2/176).

ولو احتاط المضحي، فترك الأكل والشرب إلى أن يرجع من الصلاة، فيذبح ذبيحته: فهو أفضل، خروجا من خلاف من ألحق الشراب بالطعام.

ولو احتاج، فشرب قبل أن يذبح، أو قبل أن يصلي: فنرجو ألا تكون السنة قد فاتته بذلك.

ثالثًا:

هل يختص الإمساك عن الأكل والشرب بمن له أضحية؟

ذكر الإمام أحمد -كما نقل ابن قدامة- أن من كان له أضحية استحب أن يكون فطره منها، أما من لم يكن له أضحية فلا بأس أن يأكل. وهو كذلك في كشاف القناع (2/51).

قال ابن قدامة رحمه الله:

"قال أحمد: والأضحى لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أكل من ذبيحته، وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل" انتهى من المغني (2/275).

لكن ذهب بعض الفقهاء إلى أن استحباب تأخير الفطر يشمل حتى من لا يضحي.

قال الدردير رحمه الله (1/ 399): "(وتأخيره في النحر) وإن لم يضح فيما يظهر" انتهى.

وقال الدسوقي رحمه الله في حاشيته (1/ 399):

"ألحقوا من لا أضحية له بمن له أضحية صونا لفعله - عليه الصلاة والسلام - وهو تأخيره الفطر فيه عن الترك" انتهى.

وانظر: نهاية المحتاج (2/396)، ومغني المحتاج (1/592)، تبيين الحقائق (1/226)،

والله أعلم.

المراجع

صلاة العيدين

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android