الأصل أن تتصل الصفوف دون فواصل، لكن وجود حاجز زجاجي لا يقطع حكم الصف، ولا يمنع صحة الاقتداء بالإمام داخل المسجد؛ فمتى كان امتدادًا للصف عند الحاجة عُدَّ منه وأخذ فضيلته. كما أن الصلاة خلف الحاجز صحيحة باتفاق الفقهاء ما دام المأموم يعلم بصلاة الإمام برؤية أو سماع.
هل الفاصل الزجاجي في المسجد يقطع الصفوف ويمنع الاقتداء؟
السؤال 642377
لدينا في حينا مساجد، فيها فواصل زجاجية تفصل مقدمة المسجد عن آخره، ومسجد آخر الفاصل الزجاجي معترض من الأمام إلى الخلف، أي يفصل المسجد يمينا وشمالا، وغالبا ما يكون مستوى البرودة مختلف بين المكانين، فما حكم الصلاة في غير المكان الذي فيه الإمام، وهل ينال أجر الصف الأول من أكمل في الجهة الأخرى في حال كان الفاصل معترضا يقسم المسجد إلى يمين ويسار؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
اأولاً:
الصف الذي يقطعه الفاصل الزجاجي يمينا وشمالاً: حكمه حكم الصف الذي يقطعه المنبر والسواري، وقد ذكر الفقهاء أن الصف الأول هو الذي يلي الإمام، ولو قطعه المنبر أو السواري أو المقصورة ولهم حكم الصف الواحد.
قال النووي رحمه الله:
"واعلم أن المراد بالصف الأول: الصف الذي يلي الإمام، سواء تخلله منبر ومقصورة وأعمدة وغيرها" انتهى من "المجموع شرح المهذب" (4/ 301 ط المنيرية).
وسئل الرملي رحمه الله:
"هل يعد المنبر فاصلا، حتى يمنع اتصال الصف؟ أوْ لا، فتحصل فضيلة الصف، كفضيلة الجماعة؟
(فأجاب): بأنه لا يعد المنبر فاصلا بين المصلي ورفقته، نظرا للعرف فإنه يعده صفا واحدا، كما لو لم يكن منبر، ولم يقف في قدر مكانه أحد، فتحصل معه فضيلة الصف، كفضيلة الجماعة، فقد أطلقوا أن الصف الأول هو الذي يلي الإمام" انتهى من "فتاوى الرملي" (1/ 250):
وقال ابن قدامة رحمه الله:
"واختلفت الرواية عن أحمد في الصف الأول، فقال في موضع: هو الذي يلي المقصورة؛ وقال: ما أدرى هل الصف الأول الذي يقطعه المنبر، أو الذي يليه؟
والصحيح: أنه الذي يقطعه المنبر؛ لأنه هو الأول في الحقيقة، ولو كان الأول ما دونه، أفضى إلى خلو ما يلي الإمام.
ولأن أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يليه فضلاؤهم، ولو كان الصف الأول وراء المنبر، لوقفوا فيه" انتهى من "المغني" لابن قدامة (3/ 235 ت التركي).
بل الفاصل الزجاجي حكمه أخف من الفصل بالمنبر، لأنه لا يأخذ من عرض الصف إلا يسيرا، كما هو معلوم. ثم هو أيضا رقيق، يشف، فلا يمنع الرؤية بين ناحيتي الصف.
على أن الفقهاء قد نصوا على صحة الصلاة بين السواري مع الكراهة؛ إلا لحاجة.
قال الشوكاني رحمه الله:
وقد ذهب إلى كراهة الصلاة بين السواري بعض أهل العلم
قال الترمذي: وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري، وبه قال أحمد وإسحاق. وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك انتهى.
وبالكراهة قال النخعي. وروى سعيد بن منصور في سننه النهي عن ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة. قال ابن سيد الناس: ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة.
ورخص فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المنذر؛ قياسا على الإمام والمنفرد.
قالوا: وقد ثبت "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في الكعبة بين ساريتين".
قال ابن رسلان: وأجازه الحسن وابن سيرين، وكان سعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وسويد بن غَفَلَةَ يؤمون قومهم بين الأساطين، وهو قول الكوفيين.
قال ابن العربي: ولا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما عند السعة فهو مكروه للجماعة، فأما الواحد فلا بأس به، وقد صلى - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة بين سواريها انتهى" انتهى من "نيل الأوطار" (3/ 229).
قال علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
"يكره الوقوف بين السواري إذا قطعن الصفوف ، إلا في حالة ضيق المسجد وكثرة المصلين" انتهى "من "فتاوى اللجنة الدائمة" (5/295).
وعليه: فإن الظاهر أنّ الأصل أن يصلي الناس مجتمعين دون أن يفصلهم الفاصل الزجاجي وهذا هو الأسلم والأكمل.
فإن دعت حاجة لامتداد الصف إلى ما بعد الحاجز الزجاجي فإن من صلى بعد الحاجز الزجاجي المعترض للصف يكون امتدادا للصف الأول، وله حكمه.
ثانياً:
أما الفاصل الزجاجي الذي يفصل الصفوف المؤخرة عن الصفوف المقدمة فلا يؤثر على الاقتداء بالإمام، وقد نص الفقهاء على صحة الاقتداء في المسجد لمن يرى الإمام أو يسمعه أو يرى الصفوف التي قبله.
قال الحصفكي رحمه الله: "والحائل لا يمنع الاقتداء، إن لم يشتبه حال إمامه، بسماع أو رؤية، ولو من بابٍ مُشَبَّكٍ، يمنع الوصول، في الأصح. ولم يختلف المكان حقيقة، كمسجد وبيت، في الأصح" انتهى من "الدر المختار" (ص:80).
وقال النووي رحمه الله:
"للإمام والمأموم في المكان ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يكونا في مسجد فيصح الاقتداء، سواء قربت المسافة بينهما، أم بعدت لكبر المسجد، وسواء اتحد البناء أم اختلف، كصحن المسجد وصُفَّتِه وسرداب فيه، مع سطحه وساحته والمنارة التي هي من المسجد= تصح الصلاة في كل هذه الصور وما أشبهها، إذا عَلم صلاة الإمام، ولم يتقدم عليه، سواء كان أعلى منه أو أسفل. ولا خلاف في هذا. ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين" انتهى من "المجموع" (4/302).
وقال الشربيني رحمه الله: "وإذا جمعهما مسجد: صح الاقتداء وإن بعدت المسافة بينهما فيه" انتهى من مغني المحتاج (1/ 248).
وقال الزركشي رحمه الله: "أما إن كان المؤتم في المسجد، والإمام فيه، فإنه لا يشترط اتصال الصفوف، بلا خلاف في المذهب، قاله الآمدي، وحكاه أبو البركات إجماعا، لأنه في حكم البقعة الواحدة " انتهى من "شرح الزركشي على مختصر الخرقي" )2/104).
وقال البهوتي: "إذا كان المأموم يرى الإمام أو من وراءه، وكانا في المسجد: صحت صلاة المأموم، ولو لم تتصل الصفوف عرفا؛ لأن المسجد بني للجماعة" انتهى من كشاف القناع (1/ 491).
وعليه؛ فإن صلاة مَنْ بعدَ الحاجز الذي يقطع الصفوف الأولى عن التي تليها صحيحة، ويكون الفضل في الصفوف على الترتيب الأول فالأول.
ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (135898) (244314).
والله أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟