ترك صلاة الجماعة لأجل عذر حقيقي، مثل: "الرهاب الاجتماعي"، أو غيره من الأعذار = يختلف حكمه عمن يتركها تهاونا. لكن تشخيص الرهاب الاجتماعي ودرجة تأثيره يحتاج إلى تقييم من طبيب أو أخصائي نفسي مؤهل، ولا يمكن تحديد ذلك من خلال المعلومات المختصرة وحدها.
هل يأثم لتركه الصلاة في المسجد بسبب الرهاب الاجتماعي؟
السؤال 639437
أنا شاب أعاني من الرهاب الاجتماعي، ويجعلني أخاف أنزل لوحدي وأصلي في المسجد، فأصلي كل الفروض في البيت.
سؤالي:
هل علي إثم في صلاتي في البيت بسبب هذا الخوف؟ وما النصيحة الشرعية التي أعملها كي أقدر أروح المسجد لوحدي واحدة واحدة من غير ما أضغط على نفسي؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
السائل الكريم؛ نقدّر حرصك على أداء الصلاة في المسجد، وحرصك على البحث عن طريقة شرعية ونفسية تساعدك في التغلب على الخوف الذي يمنعك من الذهاب إليه منفردًا.
أولاً:
أما عن الخوف من الإثم بسبب الصلاة في البيت، فهذه المسألة تحتاج إلى التفريق بين من يترك صلاة الجماعة تهاونًا، وبين من يعجز عن الذهاب إلى المسجد، أو تلحقه مشقة معتبرة بسبب عذر حقيقي.
والرُّهَاب الاجتماعي المشخَّص: حالة نفسية قد يكون لها أثر حقيقي في قدرة الإنسان على الخروج ومواجهة المواقف التي تثير خوفه،
ولذلك لا يصح إطلاق الحكم على شخص ما، بالإثم، لمجرد أنه صلى في البيت بسبب هذه الحالة، كما لا يصح في المقابل الجزم بأن كل من يعاني الرهاب يكون معذورًا في ترك الجماعة، لأن ذلك يختلف باختلاف شدة الحالة، وقدرة الشخص على الذهاب، والمشقة التي تلحقه، والله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ.التغابن / 16
وتشخيص الرهاب الاجتماعي وبيان درجته: يحتاج إلى تقييم من قِبل طبيب أو أخصائي نفسي مؤهل، يتعرف على الحالة تعرفا مباشرًا؛ لأن الحالات تختلف في شدتها وتأثيرها، ولا نستطيع من خلال المعلومات الواردة وحدها تشخيص حالتك، أو تحديد مدى تأثير هذا الخوف عليك، وإنما يساعد التقييم المتخصص على فهم طبيعة المشكلة، ومعرفة الأسلوب الأنسب للتعامل معها وعلاجها.
ثانيًا:
وفي الوقت نفسه: من المهم ألا يتحول الخوف من الإثم إلى مصدر إضافي للقلق، بحيث تجد نفسك بين خوفين: الخوف من الذهاب إلى المسجد، والخوف من أن تكون آثمًا بسبب الصلاة في البيت، وإنما يكون التعامل المتوازن بالاطمئنان إلى رحمة الله تعالى،
ومعالجة الخوف، والسعي إلى التدرج في تجاوزه بحسب القدرة والاستطاعة.
ومن المفيد أن تفهم ما يحدث معك: فالخوف قد يدفعك إلى تجنب الموقف الذي تخشاه، وعندما تبقى في البيت تشعر براحة مؤقتة، فيتعلم العقل بصورة غير مباشرة أن الابتعاد هو وسيلة الأمان، ولذلك قد يصبح الذهاب إلى المسجد أكثر صعوبة في المرة التالية، فتتكون دائرة من الخوف ثم التجنب ثم الراحة المؤقتة ثم زيادة الخوف.
ثالثًا:
ليس المطلوب منك أن تنتظر حتى يختفي الخوف تمامًا، وإنما أن تتعلم تدريجيًا أنك تستطيع القيام بما تريد، حتى مع وجود قدر من القلق، فإذا جاءت فكرة مثل: (لن أستطيع، أو سيلاحظ الناس خوفي، أو ماذا لو شعرت بالقلق في المسجد؟..)= فلا يلزم أن تتعامل معها وكأنها حقيقة مؤكدة، ويمكن أن تقول لنفسك بهدوء قد أشعر بالخوف، لكنني أستطيع تحمله، وليس مطلوبًا أن أشعر بالراحة الكاملة حتى أستطيع الذهاب.
المهم أن تستمر في عملك وجهدك، وتتوقف عن التفكير فيها ومدافعتها حتى لا تتمكن لديك. وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم عند ورود الوساوس إلى قوله: (فليستعذ بالله ولينته)، وليس المقصود أن الرهاب الاجتماعي وسوسة شيطانية، وإنما يمكن الاستفادة من هذا التوجيه في عدم الاسترسال مع الخواطر المقلقة، وعدم إعطائها سلطة على قراراتك.
رابعًا:
من المناسب أن تكون المواجهة متدرجة، فلا يلزم أن تبدأ بالذهاب منفردًا إلى المسجد في أصعب الأوقات، وإنما يمكن أن تبدأ بخروج قصير من المنزل، ثم المشي لمسافة قريبة، ثم الذهاب إلى مكان عام، ثم الذهاب إلى المسجد برفقة شخص ترتاح إليه، وبعد أن يصبح ذلك أسهل يمكن تجربة الذهاب منفردًا في موقف أقل إثارة للخوف، ثم الانتقال
تدريجيًا إلى المواقف الأصعب.
ولا تجعل نجاحك مرتبطًا باختفاء الخوف، فإذا ذهبت إلى المسجد وأنت تشعر بالقلق، فهذا لا يعني أنك فشلت، بل قد يكون تقدمًا مهمًا، لأن الهدف هو أن تصل إلى مرحلة تقول فيها: خِفْتُ، أو: قلِقتُ، ومع ذلك ذهبت، بدل أن يكون الخوف هو الذي يقرر عنك ما تفعله.
خامسًا:
ومن الجانب الإيماني: يمكن أن تنظر إلى هذه المحاولات باعتبارها أخذًا بالأسباب، مع الاستعانة بالله تعالى، لا اختبارًا لقوتك أمام الناس، فأنت ذاهب إلى المسجد لعبادة الله،
ولست مطالبًا بأن تثبت لأحد أنك لا تخاف، ويمكن أن تستحضر قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، التغابن / 16 فتسعى فيما تستطيع، دون أن تقسو على نفسك، ودون أن تجعل الخوف مبررًا للاستسلام الدائم له.
وإذا كان هذا الخوف شديدًا أو مستمرًا، ويمنعك من الخروج أو الدراسة أو العمل أو ممارسة حياتك بصورة طبيعية، فهنا قد تكون الاستعانة بطبيب أو أخصائي نفسي خطوة مهمة، أو ضرورية؛ فطلب العلاج هو من الأخذ بالأسباب، ولا يتعارض مع التوكل على الله تعالى، وقد يكون العلاج النفسي أو الطبي، بحسب ما يراه المختص مناسبًا، معينًا على تجاوز هذه المعاناة والوصول إلى التعافي بإذن الله تعالى.
نسأل الله تعالى أن يشرح صدرك، وييسر أمرك، ويعينك على طاعته، ويرزقك السكينة والطمأنينة، وأن يجعل سعيك في التغلب على هذا الخوف طريقًا إلى العافية والأجر.
والله تعالى أعلم
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟