هذا الحديث أسانيده لا تخلو من ضعف وانقطاع ومن قواه نظر إلى مجموع طرقه، لكن مع ضعف أسانيده فإن معنى متنه صحيح له ما يشهد له من نصوص الوحي ومن واقع المجتمعات.
هل صح حديث: (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ)؟
السؤال 639009
هل حديث: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة، وفساد كبير) يصحح بمجموع طرقه، أنا أعلم أنكم تذكرون هذا الحديث، وتحتجون به، وتعتمدون على تحسين الشيخ الألباني رحمه الله، لكن قرأت في كتب علماء الحديث أنهم يضعفون هذا الحديث، فمن طريق أبي هريرة فيه الراوي عبد الحميد بن سليمان، وهو راو أجتمعت كلمة العلماء علي تضعيفه، وقد خالف الليث بن سعد الثقة الذي رواه مرسلا، وفيه ابن وثيمة، وهو مجهول الحال، ومن طريق ابن عمرو فيه عمار بن مطر، وقد وصفوه بأنه هالك، ورموه بالكذب، ومن طريق أبي حاتم المزني فيه الراوي عبد الله بن مسلم بن هرمز، وهو ضعيف، كما أن أبا حاتم المزني مختلف في صحبته، فكيف يكون هذا الحديث صحيحا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولا:
هذا الحديث رواه الترمذي (1084)، وابن ماجه (1967)، والحاكم في "المستدرك" (2 / 164 — 165)، وغيرهم: عن عَبْد الْحَمِيدِ ابْن سُلَيْمَانَ الْأَنْصَارِيّ أَخي فُلَيْحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ ابْنِ وَثِيمَةَ النَّصْرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه" انتهى.
وتعقبه الذهبي بقوله: "عبد الحميد هو أخو فليح، قال أبو داود: كان غير ثقة، ووثيمة لا يعرف" انتهى.
وهذا الحديث صوّب أئمة الحديث والنقد انقطاع سنده بين ابن عجلان وأبي هريرة، وعدم اتصاله.
قال الترمذي:
"حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: قَدْ خُولِفَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ سُلَيْمَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَرَوَاهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا.
قَالَ مُحَمَّدٌ: وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَشْبَهُ - وَلَمْ يَعُدَّ حَدِيثَ عَبْدِ الْحَمِيدِ مَحْفُوظًا" انتهى.
وقال أبو داود رحمه الله تعالى:
"قد أسنده عبد الحميد بن سليمان عن ابن عجلان، وهو خطأ" انتهى. "المراسيل" (ص192).
وله شاهد كما سبق في كلام الإمام الترمذي.
رواه الترمذي (1085)، وأبو داود في "المراسيل" (224)، وغيرهما: عن حَاتِم بْن إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدٍ ابْنَيْ عُبَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ الْمُزَنِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
ثم قال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَأَبُو حَاتِمٍ الْمُزَنِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ، وَلَا نَعْرِفُ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ" انتهى.
لكن إسناده ضعيف لضعف بعض رواته وجهالة بعضهم.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى:
" ولعل تحسين الترمذى المذكور، إنما هو باعتبار شواهده الآتية، وخصوصا حديث أبى هريرة، وإلا فإن هذا الإسناد لا يحتمل التحسين، لأن محمدا وسعيدا ابنى عبيد مجهولان، والراوى عنهما ابن هرمز ضعيف، كما في التقريب" انتهى. "إرواء الغليل" (6 / 266).
ورواه عبد الرزاق في "المصنف" (6 / 233): عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ أَمَانَتَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، كَائِنًا مَنْ كَانَ، فَإِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ - أَوْ قَالَ -: عَرِيضٌ.
لكن إسناده مرسل غير متصل.
فالذي يظهر من البحث: أن هذا الخبر ليس له إسناد صحيح متصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ورأى الشيخ الألباني وغيره، أن هذه الطرق تتقوى ببعضها، حيث قال رحمه الله تعالى: "ومع كون الراجح رواية الليث، وهي منقطعة بين ابن عجلان وأبى هريرة، فهو شاهد لا بأس به إن شاء الله، لحديث أبى حاتم المزني يصير به حسنا، كما قال الترمذي ، والله أعلم " انتهى. "إرواء الغليل" (6 / 267 — 268).
وينظر للفائدة: حول هذا الحديث: "بيان الوهم والإيهام"، لابن القطان (5/203-205)، "تحفة الأشراف" للمزي (9/141).
ثانيا:
يقول الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى:
"والحديث الضعيف لا يُدفع، وإن لم يحتج به، ورب حديثٍ ضعيفِ الإسناد، صحيحُ المعنى" انتهى. "التمهيد" (1 / 58).
وهذا الحديث: سواء قيل بضعف أسانيده، كما هو قول أئمة النقد، أو قيل بتحسينه، كما ذهب إليه الشيخ الألباني، رحمه الله، ومن وافقه= فإن ما يخص تزويج صاحب الدين، فقيرا كان أو غنيا، وتزويج صاحبة الدين لدينها: معنى صحيح، محفوظ في الشرع.
قال الله تعالى: (وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ [النور: 32].
قال الإمام الطبري، رحمه الله:
«يقولُ تعالى ذكرُه: وزوِّجوا أيُّها المؤمنون من لا زوجَ له من أحرارِ رجالِكم ونسائِكم، ومن أهلِ الصلاحِ من عبيدِكم ومماليكِكم وإمائِكم...
إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ. يقولُ: إن يكنْ هؤلاء الذين تنكِحونهم من أيامَى رجالِكم ونسائِكم وعبيدِكم وإمائِكم أهلَ فاقةٍ وفقرٍ، فإِنَّ اللَّهَ يُغنيهم مِن فضلِه، فلا يمنعْكم فقرُهم من إنكاحِهم». انتهى، من تفسير الطبري (17/ 274).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ رواه البخاري (5090) ومسلم (1466).
وبوّب عليه الإمام البخاري بقوله: "بابُ الأَكْفَاءِ فِي الدِّينِ …" انتهى.
قال ابن الملقن رحمه الله تعالى:
"واحتجوا بحديث الباب: (فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ) وهو وجه إيراد البخاري له هنا، فجعل العمدة ذات الدين، فينبغي أن يكون العمدة في الرجل مثل ذلك.
ألا ترى قوله في حديث سهل حين فضل الفقير الصالح على الغني، وجعله خيرا من ملء الأرض منه..." انتهى. "التوضيح" (24 / 251).
وأما أن عدم تزويج أهل الدين والخلق سيؤدي إلى فتن وفساد= فقد قال فيه الطيبي رحمه الله تعالى:
"أي إن لم تزوجوا من ترضون دينه وخلقه: تحدث فتنة في الأرض وفساد عريض، والفساد خروج الشيء عن حالة استقامته، وكونه منتَفعاً به، ونقيضه الصلاح وهو الحصول علي الحالة النافعة.
والفساد في الأرض: هَيْجُ الحروب والفتن؛ لأن في ذلك فساد ما في الأرض، وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس والزروع والمنافع الدينية والدنيوية، قال الله تعالي: وإذَا تَوَلي سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ.
والحديث يحتمل وجهين:
أحدهما: أنكم إن لم ترغبوا فيمن له الدين المرضي، والخلق الحسن، الموجبان لصلاح الأرض واستقامتها، ورغبتم في مجرد الحسب والمال الجالبين للطغيان المؤدي إلي البغي والفساد في الأرض – تكن فتنة في الأرض وفساد عريض، وإلي هذا المعنى أشار التنزيل في حق المنافقين: وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ، أَلا إنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِن لَاّ يَشْعُرُونَ.
وثانيهما: ما ذكره المظهر، وهو إن لم تزوجوا من ترضون دينه، بل نظرتم إلي صاحب مال وجاه، كما هو من شيمة أبناء الدنيا، يبقى أكثر النساء بلا زوج، والرجال بلا زوجة، فيكثر الزنا ويلحق العار الأولياء والغيرة، فيقع القتل فيمن نسب إليه هذا العار، فتهيج الفتن" انتهى. "شرح المشكاة" (7 / 2263).
فيكفي في بيان صحة هذا المعنى أن انتشار ظاهرة تزويج ذي الغنى، ورفع مكانتهم، والتساهل في معيار الدين والخلق= يؤدي حتما إلى اشتداد التنافس على حطام الدنيا، كما نرى في الواقع وفي هذا الهلاك العظيم.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟