الفرق بين الذكر والدعاء، وهل الحوقلة دعاء أم ذكر؟

السؤال 636472

ما هو حكم الدعاء برفع اليدين ب" لا حول ولا قوة إلا بالله " في أوقات الأجابة ؟ وهل " لاحول ولا قوة إلا بالله " دعاء أم ذكر؟

ملخص الجواب

(لا حول ولا قوة إلا بالله): كلمة ذكرٍ وثناءٍ، وهي أيضًا: طلبٌ ومسألةٌ، فيستحب معها ما يستحب مع كل دعاء لله وسؤال، كقصد أوقات الإجابة، ورفع اليدين.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"كل واحدٍ من اسمي (الذكر) و(الدعاء) يتناول الآخر، فالداعي لله ذاكرٌ له، وهذا ظاهر، والذاكر لله داعٍ له أيضًا، كما يقال: أفضل الدعاء يومَ عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، ودعاء الكرب: لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ربّ العرش الكريم.

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (دعوة ذي النون: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، ما قالها مؤمنٌ إلا فرَّج الله عنه).

وكتاب الدعاء للطبراني مشتمل على أنواع الأذكار، والفقهاء يسمُّون الأذكار التي في الصلاة أدعية، فيقولون - كابن بطة - ما كان من الدعاء ثناء على الله، وما كان مسألةً للعبد ...

فأما الذكر فهو مصدر ذَكَرَ يذكُرُ ذِكرًا، وهذا يقال في (الخبر) الذي هو الثناء، وأما (الطلب والسؤال) فلأن فيه ذكرَ المسؤول المدعوّ، فيُطلَق عليه: (الذكر).

وأما إطلاق لفظ الدعاء على الثناء وذكر الله؛ فلوجوه:

أحدها أن المُثنِي يتعرض لرحمة الله من جلب المنفعة ودفع المضرة، فصار سائلًا بحالِه، وإن كان مُثْنِيًا بقالِه. وهذا جواب سفيان بن عيينة ...

وتحقيق ذلك: أن الثناء المتضمن لمعرفة المسؤول وجوده ورحمته، يورث اللجأَ إليه والافتقارَ إليه والرغبةَ إليه، أعظمَ بكثيرٍ مما يُوجِبُه مجردُ السؤالِ الخالي عن تلك المعرفة والحال.

وهكذا الأمر من جانب المُعطِي، فإن معرفته بحال المُعطَى، وصفاتِ استحقاقِه: تُوجِب إعطاءَه أعظمَ مما يكون بمجرد السؤال باللسان.

ولهذا يكون إظهارُ الفاقةِ والفقرِ إلى الله والحاجةِ والضرورةِ فقط أبلغَ من سؤال شيء معين.

فهذا في إخبار العبد بحالِ نفسِه وإقراره بذلك واعترافِه؛ نظيرُ إخبارِه بصفات ربه وثنائه عليه ومدحِه له، وكلاهما خبرٌ يتضمن الطلب"، انتهى مختصرا من "جامع المسائل" (8/ 12).

ثم بين رحمه الله أمرين:

1- أنَّ: "الثناء والإخبار؛ كلّه لفظُه لفظ الخبر، ومعناه الطلبُ والسؤال، حقيقة عرفية، كما يقول الابن لأبيه: أنا جائع".

2- "أن المُثنِي [على الله]: بنفس ثنائِه؛ سائلٌ بحالِه، فهو جامع بين الثناء القولي والسؤال الحالي، فهو يقصد: (الثناء) و: (الطلب)، بخلاف الأول فقصدُه الطلب فقط بلفظ الثناء".

ثم بيَّن رحمه الله أن الدعاء قد يراد به: دعاء العبادة، وقد يراد به: دعاء المسألة والطلب.

ويراجع للفائدة جواب السؤال (113177).

والمقصود بيانه هنا:

أنَّ كلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ إذا قلنا إن معناها في اللغة هو الثناء على الله فقط، من غير طلب؛ فهذا الثناء متضمِّن معنى الطلب من الله أيضا ولا بد، فإن كل ثناء على الله تعالى بالقول، يجمَع الطلب من الله بالحال.

وكذلك؛ فإخبارك أن القوة لله وحده، والحول لله وحده، وإن كان لفظَ خبرٍ لغةً، إلا أن حقيقته الطلب، كما إذا قال الفقير للغني: (أنت رجلٌ كريم، وأنا رجل محتاج)، فهذا لفظ خبر، ولا شكَّ أن المراد به الطلب والمسألة.

ثانيًا:

كلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله): عظيمة القدر، فهي كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (كنز من كنوز الجنة). رواه البخاري (4205) ومسلم (2704).

قال الهروي في "الغريبين في القرآن والحديث" (2/ 514):

"في الحديث: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) قال أبو الهيثم: الحَول: الحركة، يقال: حال الشخص إذا تحرك، ... فكأن القائل يقول: لا حركةَ ولا استطاعةَ إلا بمشيئة الله عز وجل"، انتهى مختصرا.

وهي من أعظم كلمات الاستعانة بالله تعالى، وتفويض الأمر إليه، إذ معناها: فقر العبد وضعفه، وانعدام حيلته وقدرته وقوته على التحول من حال إلى حال، اللهم إلا بمشيئة الله تعالى وقوته وقدرته وإعانته.

فمعناها: أنه لا يقدر على الإعانة على ذلك إلا رب العالمين تعالى وحده، فإنه لا تحوُّل إلا بالله، ولا قوة إلا بالله، ولا قدرة إلا بالله.

قال ابن رجب رحمه الله مبيِّنا أنها كلمة (استعانة) بالله:

"وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه، إلا الله عز وجل، فمن أعانه الله، فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول،

وهذا تحقيقُ معنى قول: (لا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله)، فإنَّ المعنى: لا تَحوُّلَ للعبد مِنْ حال إلى حال، ولا قُوَّة له على ذلك إلا بالله، وهذه كلمةٌ عظيمةٌ، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبدُ محتاجٌ إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلِّها، في الدنيا وعندَ الموت وبعده، من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل، فمن حقَّق الاستعانة عليه في ذلك كلِّه؛ أعانه"، انتهى من "جامع العلوم والحكم" (1/ 482).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

"لفظ (الحول): يتناول كل تحول من حال إلى حال، و(القوة): هي القدرة على ذلك التحول، فدلت هذه الكلمة العظيمة على أنه ليس للعالم العلويِّ والسفليِّ حركةٌ وتحوُّل من حال إلى حال ولا قدرة على ذلك: إلا بالله"، كما في "مجموع الفتاوي" (5/ 574).

وبيَّن شيخ الإسلام أيضًا أن كلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله): "هي كلمة استعانة، لا كلمة استرجاع، وكثير من الناس يقولها عند المصائب بمنزلة الاسترجاع، ويقولها جزعًا لا صبرًا"، كنا في "الاستقامة" (2/ 81).

فتبيَّن بما سبق أمران:

الأول:

أن كلمة: (لا حول ولا قوة إلا بالله)؛ هي ذكر لله تعالى بالثناء عليه عز وجل، بإثبات تفرده بتصريف أمور الخلق، فإنه لا حركة في الكون ولا حول إلا به تعالى وحده، ولا قدرة لأحد ولا تصرُّف إلا بمشيئته وقوته.

والثاني:

أنها كلمة استعانة بالله تعالى، على مصالح الدنيا والآخرة والصبر على المقدور في الدنيا، وعندَ الموت، وبعد الموت، من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز وجل.

وعليه؛ فإن حقيقة (لا حول ولا قوة إلا بالله) الشرعية:

تجمع بين: (الثناء) على الله تعالى، بلفظها الدال على محاسن المعبود المحمود سبحانه، وبين: (طلب) معونته عز وجل، بحقيقتها والغاية التي تقال لأجلها؛ فهي طلب العون.

فليست الحوقلة ثناءً محضًا، بل هي ثناء مضمَّن معنى الاعتراف بالحاجة، وكذلك مضمَّن طلب الإعانة.

فبذلك يكون قولك: (لا حول ولا قوة إلا بالله) قد جمع حقَّ الله في الثناء، وحظَّ العباد في الطلب.

فإن الاستعانة: كدعاء الله ومسألته، سواء.

وذكر ابن تيمية أن الحوقلة معناها من معنى (لا إله إلا الله)، وذكر أيضا أن بها ينال العبد مقصوده لأنها توكل واستعانة.

قال رحمه الله:

"... فـ (لا إله إلا الله)؛ هي قطب رحى الإيمان، وإليها يرجع الأمر كله.

والكتب المنزلة: مجموعة في قوله تعالى إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وهي معنى: (لا إله إلا الله)، و: (لا حول ولا قوة إلا بالله) هي من معنى (لا إله إلا الله) ..."، انتهى مختصرا من "مجموع الفتاوي" (14/ 421).

وقال أيضًا رحمه الله:

"والتوكل والاستعانة للعبد [أي: لفائدة العبد]؛ لأنه هو الوسيلة والطريق الذي ينال به مقصوده ومطلوبه من العبادة، فالاستعانة كالدعاء والمسألة"، كما في "مجموع الفتاوي" (10/ 20).

وسبق أن مجرد إخبار العبد بحال نفسه من الفقر والحاجة، مع الثناء على ربه؛ هو بمنزلة الذي يسأل الله تعالى ويطلب منه بحاله، سواء، وهو جامع بين: الثناء بالقول، والسؤال بالحال.

فالحاصل:

أن الحوقلة: (ثناء وذكر) لأنها إخبار عن انفراد الله بالتحويل والقوة، وهي مع ذلك (دعاء وسؤال وطلب)، ولهذا شرعها النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع الحيعلتين في الأذان؛ لأن السامع (مطلوب منه الفعل)، وهو عاجز عنه إلا بالله، فكان قوله (لا حول ولا قوة إلا بالله): طلبًا ودعاءً، واستعانة بالله على أداء ما دعي إليه.

ومن أخبر أنه: (لا حول ولا قوة له إلا بالله)، فقد سأل الله المعونة بحاله، وإن لم ينطق بصيغة الطلب؛ لأن الاعتراف بالعجز والافتقار، هو أبلغ أنواع السؤال.

فإذا تبيَّن ذلك، تبيَّن أن قصد دعاء الله تعالى بقول (لا حول ولا قوة إلا بالله) مشروعٌ، وحينئذ فيشرع رفع اليدين، كما يشرع عند كل دعاء وطلب ومسألة من الله تعالى، فرفع اليدين مع الدعاء والمسألة مشروع باتفاق، كما يشرع قصد أوقات الإجابة بذلك الدعاء، بل كل ذلك مستحب مطلوب مرغَّب فيه.

فإذا جمع العبد بين معرفة معنى كلمة (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وبين قصد الثناء على الله وذكره بها، وبين قصد دعائه والطلب منه ومسألته، وبين الاعتراف بعجز نفسه وحاجته وفقره وضعفه، وبين رفع يديه إلى الله عند ذلك، وأن يكون في وقت ترجَى فيه الإجابة: حصل له بذلك من حسن التعبد والمسألة ما يرجى معه خير عظيم.

ولا حول ولا قوة إلا بالله!

ويراجع للفائدة الجواب (36902).

والله أعلم.

المراجع

الأذكار الشرعية
الإيمان
الدعاء

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android