متى يكون ترك المباح قربة، ومتى يكون حراما؟

السؤال 633319

أردت السؤال عن أمر، "ترك المباح"، متى يكون تقربًا لله تعالى، ومتى يكون حرامًا؟

ملخص الجواب

ترك المباح يكون محرما إذا ترتب على تركه ضرر، أو كان الترك رهبانية وتنطعا، ويكون قربة إذا كان المباح مشتبها في حكمه، أو تركه بعدا عن الإسراف، أو للتقوي على الطاعة.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

المباح من الأكل والشرب واللباس والنوم وغيره، يجوز للإنسان فعله وتركه، ما لم يتضرر بالترك، فيحرم عليه ذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ) رواه أحمد وابن ماجه (2341) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.

وكذلك يحرم ترك المباح تنطعا وتكلفا؛ لما روى البخاري (5063) ومسلم (1401) عن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: (جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا. فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟

قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا!!

فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: (أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "قوله: "فمن رغب عن سنتي فليس مني": المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض. والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره.

والمراد: من ترك طريقتي، وأخذ بطريقة غيري: فليس مني.

ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية؛ فإنهم الذين ابتدعوا التشديد، كما وصفهم الله تعالى، وقد عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه، وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم الحنيفية السمحة، فيفطر ليتقوى على الصوم، وينام ليتقوى على القيام، ويتزوج لكسر الشهوة، وإعفاف النفس، وتكثير النسل. وقوله: "فليس مني": إن كانت الرغبة بضرب من التأويل يعذر صاحبه فيه، فمعنى: "فليس مني" أي على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة.

وإن كان إعراضا وتنطعا، يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، فمعنى: "فليس مني": ليس على ملتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر" انتهى من فتح الباري (9/ 105).

وروى البخاري (6704) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلاَ يَقْعُدَ، وَلاَ يَسْتَظِلَّ، وَلاَ يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ).

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري (11/ 590): "وفي حديثه أن السكوت عن المباح ليس من طاعة الله، وقد أخرج أبو داود من حديث علي: "ولا صمت يوم إلى الليل"، وتقدم في السيرة النبوية قول أبي بكر الصديق للمرأة: "إن هذا -يعني الصمت- من فعل الجاهلية".

وفيه أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلا مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة كالمشي حافيا والجلوس في الشمس ليس هو من طاعة الله، فلا ينعقد به النذر" انتهى.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: وترك اللحم والتزويج جائز. لكن لما خرج في ذلك من السنة، فالتزم القدر الزائد على المشروع، والتزم هذا ‌ترك ‌المباح كما يفعل الرهبان= تبرأ النبي صلى الله عليه وسلم ممن فعل ذلك؛ حيث رغب عن سنته إلى خلافها. انتهى، من مجموع الفتاوى (11/ 614).

فيحرم ترك المباح في صورتين:

1-حصول الضرر بترك المباح.

2-تركه رهبنة وابتداعا وتنطعا.

قال شيخ الإسلام، رحمه الله: «فعن قيس بن أبي حازم قال: ( دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه، على امرأة من أحمس  يقال لها: زينب، فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها: تكلمي! فإن هذا لا يحل، هذا عمل الجاهلية، فتكلمت فقالت: من أنت؟ قال: امرؤ من المهاجرين، قالت: أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قالت: من أي قريش؟ قال: إنك لسؤول! وقال: أنا أبو بكر، قالت: ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح الذي جاء الله به بعد الجاهلية؟ قال: بقاؤكم عليه ما استقامت لكم أئمتكم، قالت: وما الأئمة؟ قال: أما كان لقومكم رءوس وأشراف يأمرونهم فيطيعونهم؟! قالت: بلى، قال: فهم أولئك على الناس ). رواه البخاري في صحيحه.

فأخبر أبو بكر: أن الصمت المطلق لا يحل، وعقب ذلك بقوله: هذا من عمل الجاهلية، قاصدا بذلك عيب هذا العمل، وذمه. وتعقيب الحكم بالوصف: دليل على أن الوصف علة، ولم يُشرع في الإسلام...

فاتخاذ هذا قربة وطاعة: من عمل الجاهلية، الذي لم يشرع في الإسلام». انتهى، من اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 370).

ثانيا:

يثاب الإنسان على ترك المباح في حالات:

1-إذا كان المباح مشتبها في حكمه، وهذا من الورع، كما دل عليه حديث النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ) رواه البخاري (52) ومسلم (1599).

وكما في حديث الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ) رواه أحمد (1727) والترمذي (2518) والنسائي (5711) وصححه الألباني.

وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لاَ يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوَى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ رواه البخاري معلقا.

وجاء مثله مرفوعا بسند ضعيف: لَا يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ البَأْسُ رواه الترمذي (2451) وابن ماجه (4215) وضعفه الألباني.

2-إذا قلل الطعام ونحوه تجنبا للإسراف، وقد قال تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) الأعراف/31

3-إذا فعل ذلك اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقد روى الترمذي (2380) وابن ماجه (3349) عَنْ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ( مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ ) والحديث صححه الألباني في صحيح الترمذي .

 4-إذا قلل الطعام والشراب والنوم، لترقيق القلب، أو للتقوي على الطاعة، أو تحصيل العلم؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.

قال ابن القيم رحمه الله: " قسوة الْقلب من أَرْبَعَة أَشْيَاء، إِذا جَاوَزت قدر الْحَاجة: الْأكل، وَالنَّوْم، وَالْكَلَام، والمخالطة" انتهى من الفوائد، ص97.

والله أعلم
 

المراجع

الآداب

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android