هل يكفي طلب المسامحة العامة في التوبة من السرقة؟

السؤال 631688

سرقتُ من جدتي مالاً، واشتريت به كتاباً "الداء والدواء"، ثم استسمحتها دون ذكر التفاصيل فسامحتني (سماحاً مطلقاً)، فهل يجب عليَّ الآن رد المال إليها؟ وهل يجوز لي الاحتفاظ بالكتاب والانتفاع به، أم يجب التخلص منه؟

ملخص الجواب

لا يكفي المسامحة العامة في التوبة من السرقة حتى تبين قدر المال الذي أخذت، فإن صعب عليك ذلك، فرد إليها المال ولو دون علمها.

موضوعات ذات صلة

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

أولا:

يشترط للتوبة من ذنوب العباد رد الحقوق والمظالم، أو التحلل من أصحابها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ) رواه أحمد (20098) وأبو داود (3561) والترمذي (1266) وابن ماجه (2400) من حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، وقال شعيب الأرنؤوط في تحقيق المسند: حسن لغيره.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ) رواه مسلم (4679).

وعَنْه رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ). رواه البخاري (2269).

قال النووي رحمه الله :

"قال العلماء: التوبة واجبةٌ من كل ذنبٍ، فإن كانت المعصية بين العبد وبين الله تعالى لا تتعلق بحق آدميٍ؛ فلها ثلاثة شروطٍ: أحدها: أن يقلع عن المعصية.

والثاني: أن يندم على فعلها.

والثالث: أن يعزم أن لا يعود إليها أبداً. فإن فقد أحد الثلاثة لم تصح توبته.

وإن كانت المعصية تتعلق بآدميٍ فشروطها أربعةٌ: هذه الثلاثة، وأن يبرأ من حق صاحبها؛ فإن كانت مالاً أو نحوه رده إليه..." انتهى، "رياض الصالحين" (ص 46).

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرحه (1/89):

"أما إذا كان الذنب بينك وبين الخلق، فإن كان مالاً فلابد أن تؤديه إلي صاحبه، ولا تقبل التوبة إلا بأدائه، مثل أن تكون قد سرقت مالاً من شخص وتبت من هذا، فلابد أن توصل المسروق إلي المسروق منه.

أو جحدت حقاً لشخص؛ كان يكون في ذمتك دين لإنسان وأنكرته، ثم تبت، فلابد أن تذهب إلي صاحب الدين الذي أنكرته، وتقر عنده وتعترف حتى يأخذ حقه." انتهى.

ثانيا:

إن لم يمكن التحلل من صاحب الحق المالي، فيجب رد المال إليه بأي وسيلة، ولو دون علمه، كأن يدخله في حسابه، أو يقدمه له على أنه هدية.

جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" (24/ 355): "إذا سرق إنسان مالا، ثم أراد أن يتوب فأرجع المال إلى صاحبه بدون علم من صاحبه، فما حكم توبته؟
الجواب: إذا كان الواقع كما ذكرت، وكان صادقا في توبته وندم على ما حصل منه، وعزم على ألا يعود: فتوبته صحيحة، ولا يضره في توبته عدم علم المسروق منه بما رد إليه من ماله" انتهى.

وينظر: جواب السؤال رقم: (83099).

ثالثا:

لا يكفي طلب السماح من جدتك دون تفصيل، حتى لو قلت: سامحيني في مالٍ أخذته، فلابد أن تعلم قدر المال؛ لأنها قد تظنه قليلا وهو كثير.

وأما طلب المسامحة العامة دون ذكر المال، فهذا أبعد وأبعد.

قال الخطابي رحمه الله في شرحه على البخاري (2/1217): "وإذا وقع التحليل من حقوق المال، فإنما يصح ذلك في أمر معلوم، يقف عليه المستحَل منه، فإن كان مجهولا لم يصح التحليل" انتهى.

وقال العلامة محمد مولود أحمد فال في "مطهرة القلوب" ص54 في شروط التوبة:

وشرطها استحلاله للآدمي       من حقه الظاهر غير الحرمي

ونحوه إن تستطع تحَلُّله            منه ولا بد من أن تُفصِّله

وقال في شرحه: "(غير الحرمي): كخيانة في زوجة أو محرم... فيحرم فيها؛لإثارته الغيظ".

وقال: "(ولابد أن تفصله له): على الأصح، فقد قال مالك: لا يكفيك قولك له: اجعلني في حل، حتى تعين له الذنب.

وسأله: وصي أيتام تَحللهم بعد الرشد فيما نال منهم، فأبرؤوه، هل ينفعه ذلك؟

فقال: لا؛ حتى تعيّن لهم القدر، وهذا هو أيضا هو نهج الشافعية في المال" انتهى.

فسبيل التحلل: أن تبين قدر ما أخذت من المال، فإن كان في ذلك حرج عليك، فالواجب إعطاؤها المال، ولو بالحيلة، ولا يلزمك التخلص من الكتاب، ولا إعطاؤها الكتاب، بل لا يجزئك إعطاؤها الكتاب؛ لأن هذه معاوضة يشترط لها الرضا منها، فتقول: لك مائة مثلا، أعطيك هذا الكتاب بدلا عنها، فإن قبلت فلا حرج.

والله أعلم.

المراجع

أحكام التوبة

المصدر

موقع الإسلام سؤال وجواب

هل انتفعت بهذه الإجابة؟

answer

موضوعات ذات صلة

at email

النشرة البريدية

اشترك في النشرة البريدية الخاصة بموقع الإسلام سؤال وجواب

phone

تطبيق الإسلام سؤال وجواب

لوصول أسرع للمحتوى وإمكانية التصفح بدون انترنت

download iosdownload android