الوساوس في النية أمر شائع في بدايات طلب العلم، فلا ينبغي الالتفات لها أو ترك العلم بسببها، بل يُجاهد الطالب نفسه، فمع الاستمرار تتحسن النية وتستقيم.
يخشى أن يكون طلبه العلم لغير الله، فهل يستمر في الطلب؟
السؤال 630233
أنا طالب مبتعث لدراسة العلوم الشرعية، تركت أهلي وبلدي لطلب العلم، ولكن كثيرا ما تراودني وسواس بأن طلبي للعم ليس لله تعالى، وإنما للحصول على الشهادة والمكانة، وأخشى أن أكون ممن يدخل في أول من تسعر بهم النار، مع حرصي على مدافعة هذه الوسوسة، وإصلاح نيتي، فما توجيهكم، هل أستمر في طلب العلم؟ أم أذهب لطلب الرزق؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولاً
نتفق معك على ضرورة إصلاح النية في طلب العلم وملازمة الإخلاص فيها، فطلب العلم عبادة من أجل العبادات التي لا بد له من نية صالحة.
فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من تعلم علماً، مما يبتغي به وجه الله: لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة أي ريحها.) رواه أبو داود (3664)، وصحح إسناده النووي في المجموع (1/23)، وصححه الالباني.
قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله "العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته " قالوا: كيف ذلك؟ قال: " ينوي رفع الجهل عن نفسه وعن غيره" انتهى من "الأدب الشرعية" (٢/ ٣٧).
قال ابن جماعة الكناني رحمه الله:
واعلم أن جميع ما ذُكِرَ من فضيلة العلم والعلماء: إنما هو في حق العلماء العاملين الأبرار المتقين الذين قصدوا به وجه الله الكريم، والزلفى لديه في جنات النعيم، لا من طلبه بسوء نية، أو خبث طوية، أو لأغراض دنيوية، من جاه أو مال، أو مكاثرة في الأتباع والطلاب انتهى من "تذكرة السامع والمتكلم" (ص13).
ثانياً:
ما ذكرته في سؤالك مما يتوارد في ذهنك، فإنه يتوارد في أذهان كثير من طلبة العلم، خاصة في المراحل الأولى من الطلب، حيث يدخل عليه الشيطان من هذا المدخل، فيوهمه بفساد نيته، وأن كونه بعيداً عن العلم خير له من كون نيته ليست خالصة لله في طلبه للعلم، ولا يزال به حتى يصرفه عن طلب العلم.
وهذا مدخل خطير ومزلة قدم، ففي بداية الطلب قد يعسر على الطالب تمييز عقد النية، مع بعض العوارض التي تعرض للنفس، فينصرف عن طلب العلم خوفا من فساد نيته ونحوه من مكدرات الإخلاص.
وفي هذه الحالة عليه ألا يتسرع في اتهام نفسه، ولا يستجيب لمداخل الشيطان الصارفة عن الطلب، لأنه كلما تقدم في الطلب، استقامت النية وحسنت.
وقد عرض هذا الأمر لبعض السلف فاستمروا في الطلب مع المجاهدة فاستقامت لهم النية وصارت لهم الإمامة في الدين، فقد ورد عن جماعة من السلف منهم سفيان بن عيينه وابن جريج قولهم " طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا الله " انتهى من "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" (1/295).
قال مجاهد: طلبنا هذا العلم، وما لنا فيه نية، ثم رزق الله النية بعد. انتهى، من سير أعلام النبلاء (4/ 452).
وفي شرح السنة عن الثوري: " ما أعلم اليوم شيئا أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نية. قال: طلبهم له نية" أي: سبب لصلاحها" انتهى من "شرح السنة للبغوي" (ص: ۷).
وقال ابن خيثمة: حدثنا أحمد بن حنبل قال: نا عبد الرزاق، قال: نا معمر، قال: إن كان الرجل ليعلم العلم لغير اللَّه فيأبى العلم حتى يكون للَّه.
ونقل مهنا: طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت نيته.
قيل: فأي شيء تصحيح النية؟ قال: ينوي بتواضع، وينفي عنه الجهل.
الجامع لعلوم الإمام أحمد - أصول الفقه (5/ 40).
ثالثا:
التشريك في النية بين طلب العلم لله ونفع المسلمين، مع وجود نية الحصول على الشهادة النظامية أثناء طلبك للعلم لا يُعد منافياً للإخلاص، ولا مخلا به، وذلك أنّ من أراد طلب العلم لمجرد الحصول على الشهادة فقط ليحصل بها على أمر دنيوي أو غرض مالي فهذا مناف للإخلاص.
وأما من أراد الشهادة ليرتقي إلى مرتقى ينفع الناس من خلاله، حيث أصبح من المتعذر ارتقاء المناصب العالية النافعة للأمة إلا لمن يحمل شهادة، فهذه نية طيبة لا تنافي الإخلاص.
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "إذا كانت نية الإنسان نيل الشهادة من أجل نفع الخلق تعليما أو إدارة أو نحوها، فهذه نية سليمة لا تضره شيئًا؛ لأنها نية حق" انتهى من "كتاب العلم" (ص:21).
وبكل حال؛ فليس من الحكمة، ولا من العقل، ولا من أدب الشرع: أن يترك المرء ما فتح له من باب العلم والخير، لأجل ما يجد من ضعف النية، أو ما يوسوس له الشيطان بذلك؛ فإن هذا الباب لو انفتح عليه، لم يسلم له عمل، ولا عبادة.
روى مالك في الموطأ (491): أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ فَقَالَ: إِنِّي أَهِمُ فِي صَلَاتِي، فَيَكْثُرُ ذَلِكَ عَلَيَّ، فَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: امْضِ فِي صَلَاتِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ عَنْكَ، حَتَّى تَنْصَرِفَ وَأَنْتَ تَقُولُ: مَا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي.
ولهذا كان من الفقه السلفي العتيد: أن العبد لا يترك الخير، لما يوسوس له الشيطان في أمر النية، بل يجاهد نفسه على إصلاح نيته، ويتسصلحها في أول عمله، ثم الأمر مجاهدة، ومغالبة بينه وبين الشيطان؛ فليصبر، وليصابر، وليرابط على عمل الخير كله، ولا يترك شعبة من الخير، لأجل نزغات الشيطان، بل يتعوذ بالله، ويتفقد قلبه كل حين، ونيته، فيستصلحها لله، ما استطاع.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" (2009) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ قَالَ: " رَأَى أُوَيْسٌ رَجُلًا يُصَلِّي يَقُومُ وَيَقْعُدُ قَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: أَقُومُ فَيَجِيءُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: إِنَّكَ تُرَائِي فَاجْلِسْ، ثُمَّ تُنَازِعُنِي نَفْسِي إِلَى الصَّلَاةِ فَأَقُومُ ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّكَ تُرَائِي فَاجْلِسْ، فَقَالَ: لَوْ خَلَوْتَ كُنْتَ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: صَلِّ فَلَسْتَ تُرَائِي ".
وروى وكيف في كتاب "الزهد" (259): عَنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ الْجُعْفِيِّ قَالَ: " إِذَا كُنْتَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا فَتَوَحَّ، وَإِذَا كُنْتَ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ فَتَمَكَّثْ، وَإِذَا هَمَمْتَ بِخَيْرٍ فَلَا تُؤَخِّرْ، وَإِذَا أَتَاكَ الشَّيْطَانُ وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَقَالَ: إِنَّكَ تُرَائِي، فَزِدْهَا طُولًا"!!
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، رحمه الله:
"فى حديث الحسن: ما من أحد عمل لله [عز وجل] عملًا إلا سار فى قلبه سورتان، فإذا كانت الأولى منهما لله فلا تهيدنه الآخرة.
قال: سمعت ابن عدى يحدثه، عن عوف ، عن الحسن.
قوله: لا تهيدنه، يقول: لا تصرفنه عن ذاك، ولا تزيلنه...
والذي أراد الحسن بقوله: فلا تهيدنه الآخرة، يقول: إذا صحت نيته فى أول ما يريد من البر، فعرض له الشيطان، فقال: إنك تريد بهذا الرياء، فلا يمنعه ذلك من الأمر الذى قد تقدمت فيه نيته، وهذا شبيه بالحديث الآخر: «إذا أتاك الشيطان، وأنت تصلى، فقال: إنك ترائى، فزدها طولًا". انتهى، من غريب الحديث - أبو عبيد - ط المصرية (5/ 503).
وروى الطبري في "تهذيب الآثار" (1143)، عن الحسن: "كان رجل حسن الصوت بالقرآن يأتيه قال: وكان الحسن ربما قال له: اقرأ. فقال للحسن: يا أبا سعيد ، إني أقوم في الليل فيأتيني الشيطان إذا رفعت صوتي فيقول: إنما تريد الناس. قال: فقال الحسن: لك نيتك إذا قمت من فراشك".
وفي "صحيح البخاري" (3484): عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ: إِذا لَمْ تَسْتَحْيِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ.
وقد ذهب الإمام جرير بن عبد الحميد، في معنى هذا الحديث إلى نحو من هذا الذي ذكره الحسن البصري، وغيره من السلف.
قال "جرير: معناه أن يريد الرجل أن يعمل الخير، فيدعه حياءً من النّاس؛ كأنّه يخاف مذهب الرّياء.
يقول: فلا يمنعنّك الحياء من المضىّ لما أردت.
قال الإمام أبو عبيدٍ: "والذى ذهب إليه "جرير" معنى صحيح فى مذهبه، وهو شبيه بالحديث الآخر: "إذا جاءك الشيطان، وأنت تصلّى، فقال: إنك ترائى، فزدها طولًا". انتهى، من غريب الحديث - أبو عبيد - ط المصرية (2/ 329).
وخلاصة القول: أن الذي ننصحك به أن تستمر في طلبك للعلم ومسيرتك العلمية في الدراسة النظامية، مع مراقبة نيتك وسؤال الله أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم ولا تلتفت إلى ما يتوارد إلى ذهنك من وسواس الشيطان الذي يسعى لصرفك عن طريق طلب العلم.. وفقك وسددك وأصلح نيتك ونفع بك.
ولمزيد فائدة ننصحك بمطالعة الفتاوى التالية التي سبق نشرها في الموقع ففيها خير كبير: (76010) (10324) (84018) (230969).
والله اعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟