ليس معنى الآية النهي عن إطالة الدعاء. وإنما هو انتقاد لمن يُعرض عن عبادة الله تعالى ودعائه في السراء ، وإذا أصابه الضراء دعا ربه وأطال، فكان الواجب أن يدعو في السراء كدعائه في الضراء. فتشرع الإطالة، مع الاهتمام بالأدعية الجامعة.
هل تدل آية {فذو دعاء عريض} على كراهة إطالة الدعاء؟
السؤال 629133
في سورة فصلت، الآية 51: وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلْإِنسَـٰنِ أَعْرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍۢ.
هل يعني هذا أنه لا ينبغي لنا الإطالة في الدعاء؟ خاصة عندما يكون لدينا الكثير من المسائل لنسألها الله أو نتضرع بها؟ يقول البعض: إن الدعاء ينبغي أن يكون موجزاً، ولكن أليس في ذلك تضييق، فقد أطال الرسول صلى الله عليه وسلم الدعاء يوم بدر، حتى قال له أبو بكر: إن ربه سينجز له ما وعده؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أولًا:
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (7/ 186):
" وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ فصلت/ 51: أَيْ: أَعْرَضَ عَنِ الطَّاعَةِ، وَاسْتَكْبَرَ عَنِ الِانْقِيَادِ لِأَوَامِرَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ،...وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ أَيِ: الشِّدَّةُ، فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ أَيْ: يُطِيلُ الْمَسْأَلَةَ فِي الشَّيْءِ الْوَاحِدِ" انتهى.
وليس في الآية الكريمة نهي عن إطالة الدعاء، أو إعظام الإلحاح على الله جل جلاله في الحاجة؛ وإنما المراد من الآية الكريمة: ذم من يُعرض عن عبادة الله تعالى ودعائه في السراء، حتى إذا أصابته الضراء، تذكر حينئذ ربه، فدعاه، حتى أطال في دعائه، وقد كان معرضا عنه من قبل لا يدعوه ولا يرغب إليه. فهذا إنما هو عبد حاجته، وأسير هواه؛ وقد كان الواجب أن يكون داعياً لله عابدًا له في السراء، كما هو في الضراء.
قال ابن عاشور رحمه الله في "التحرير والتنوير" (25/14):
"ومحل النقد والتعجيب: من إعراضه ونأيه بجانبه واضح.
وأما محل الانتقاد والتعجيب من أنه ذو دعاء عريض عندما يمسه الشر؛ فهو من حيث لم يتذكر الإقبال على دعاء ربه إلا عند ما يمسه الشر، وكان الشأن أن لا يغفل عن ذلك في حال النعمة، فيدعو بدوامها، ويشكر ربه عليها، وقبول شكره، لأن تلك الحالة أولى بالعناية من حالة مس الضر" انتهى.
وما ذكره السائل من طول دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: فقد رواه مسلم في صحيحه (1763) وفيه: "فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: 9] فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ". وهذا أصل في مشروعية إطالة الدعاء في غير الصلاة.
ثانيًا:
يسن في الدعاء أن يدعو الإنسان بجوامع الكلم؛ ما أمكنه ذلك، ووجد فيه بغيته، ورفع حاجته.
وروى أبو داود (1482)، وأحمد (42/ 76) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ.
قال الألباني في "أصل صفة الصلاة" (3/ 1013): "سنده صحيح على شرط مسلم" انتهى.
فإن لم يحفظ من ذلك، أو لم يحضره من الجوامع والدعاء المأثور، ما فيه رفع حاجته، وإظهار فاقته عند رب العالمين؛ فليتخير من الدعاء أعجبه.
ففي صحيح البخاري (835)، بعد ذكر "التشهد": (ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُوَ).
وإذا كان ذلك في الصلاة واسعا، فهو في غير الصلاة أوسع، والأمر فيه أسهل. وهذا أمر متفق عليه، متعارف بين الناس، لا يحتاج إلى تطويل، أو تدليل.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟