جميع صفات الجنة حقيقية، وأوصاف دقيقة، وتشابهها بما في الدنيا بالأسماء دون الحقيقة.
هل أوصاف الجنة للتقريب؟
السؤال 628907
هل جميع أوصاف الجنة في القرآن والذي وصفه الرسول هل هذا كله وصف للتقريب فقط والمقارنة بالدنيا فقط لكي نتخيل النعيم، أم هذا وصف دقيق جدا، مثل حور مقصورات في الخيام، ومثل وصف قصر عمر بن الخطاب، ووصف نهر الكوثر، ووصف الشجر والأنهار، وكل هذا؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
كل ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم من وصف الجنة وغيرها فهو حقيقي، وهو وصف محكم لا خلل فيه، ولا مجاز، ولا مبالغة؛ فالفاكهة يُستمتع بأكلها، والأشجار لها أوراق، والأنهار يُشرب منها، واللحم يؤكل من الحيوان والطير، والحور موضع للشهوة: (لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ) الرحمن/74.
إلا أن بلوغ كنه ذلك، وإدراك تمام معناه، لا تبلغه أوهام السامعين، ولا أفهامهم، لأنهم يجربوه على الحقيقة، فيعلموه؛ فهو فوق ما يتصوره ويتخيّله البشر (فيها مَا لاَ عَيْنٌ رَأَتْ ، وَلاَ أُذُنٌ سَمِعَتْ ، وَلاَ خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ) رواه البخاري (4779)، ومسلم (2824).
بخلاف عقيدة أهل التخييل من الفلاسفة الملاحدة، الذين يقولون: إن ما أخبر به الأنبياء عن الله وعن اليوم الآخر، وعن الجنة والنار، بل وعن الملائكة: قصدوا به التخييل إلى العامة ، وليس حقيقيًا، فالأنبياء عندهم يكذبون للمصلحة، ليخيلوا إلى الجمهور ما ينتفعون به، ويعدّ الفلاسفة أن هذا من فضائل الرسل!!
قال ابن تيمية رحمه الله: "أهل التخييل، من الملاحدة المتفلسفة والباطنية هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله وعن اليوم الآخر، وعن الجنة والنار، بل وعن الملائكة، بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه، ولكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله جسم عظيم، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيماً محسوساً، وعقاباً محسوساً، وإن كان الأمر ليس كذلك في نفس الأمر، لأن من مصلحة الجمهور أن يخاطبوا بما يتوهمون به، ويتخيلون أن الأمر هكذا، وإن كان هذا كذباً فهو كذب لمصلحة الجمهور، إذ كانت دعوتهم ومصلحتهم لا تمكن إلا بهذه الطريق" انتهى من "الجواب الصحيح" (6/519)، و"درء تعارض العقل والنقل" (1/8).
وقال ابن تيمية رحمه الله: "وقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس في الدنيا شيء ممّا في الجنة إلا الأسماء، ... تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلةً لها؛ بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى" "التدمرية" (ص: 47).
وفي "تقريب التدمرية" لابن عثيمين رحمه الله(ص: 41):
"نعيم الجنة: فقد أخبر الله تعالى أن في الجنة طعاماً وشراباً ولباساً، وزوجات، ومساكن، ونخلاً، ورماناً، وفاكهة، ولحماً، وخمراً، ولبناً، وعسلاً، وماءً، وحلية من ذهب ولؤلؤ وفضة ... وغير ذلك.
وكله حق على حقيقته، وهو في الاسم موافق لما في الدنيا من حيث المعنى، لكنه مخالف له في الحقيقة.
- أما موافقته لما في الدنيا في المعنى: فلأن الله تعالى قال عن القرآن: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: 3]؛ ولولا موافقته له في المعنى، ما فهمناه ولا عقلناه.
- وأما مخالفته له في الحقيقة: فلقوله تعالى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة: 17]، وقوله في الحديث القدسي: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر" قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء" انتهى.
ومن لطائف ما يجده أهل الجنة عندما تأتيهم ثمارها: أنهم يجدونها تتشابه في المظهر، ولكنها تختلف في المخبر، (كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ [البقرة/ 25] .
في "تفسير الطبري" (1/408): "عنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: " هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ [البقرة: 25] قَالَ: إِنَّهُمْ أُتُوا بِالثَّمَرَةِ فِي الْجَنَّةِ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهَا قَالُوا: هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ فِي الدُّنْيَا ".. وعَنْ مُجَاهِدٍ، "يَقُولُونَ: مَا أَشْبَهَهُ بِهِ" انتهى.
الحاصل:
جميع صفات الجنة حقيقية، وأوصاف دقيقة، وتشابهها بما في الدنيا بالأسماء دون الحقيقة.
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟