أولا:
الضابط فيما يفطر ويفسد الصوم، مما يدخل البدن حسب ما دلت عليه النصوص هو:
كل ما دخل إلى المعدة عن طريق الحلق، من أكل أو شرب، أو ما في معناهما. وسواء انتفع به الإنسان أم لم ينتفع، أو كان داخلاً من أي منفذٍ، ويقوم مقام الأكل والشرب.
أو هو: الأكل والشرب عن طريق الحلق، وما كان في معناهما، حقيقة أو صورة.
قال النووي: أجمعت الأمة على تحريم الطعام والشراب على الصائم، وهو مقصود الصوم، ودليله الآية الكريمة والإجماع انتهى من "المجموع شرح المهذب" 6/321).
وقال ابن قدامة رحمه الله:
«أجمع العلماء على الفطر بالأكل والشرب لما يُتغذى به.
فأما ما لا يتغذى به: فعامة أهل العلم على أن الفطر يحصل به» انتهى من المغني (4/ 350 ت التركي).
وقال الكاساني رحمه الله:
«وأما رُكنه - أي الصوم- فالإمساك عن الأكل والشرب والجماع... فلا يوجد الصوم بدونه.
وعلى هذا الأصل؛ ينبني بيان ما يُفسد الصوم وينقضه؛ لأنَّ انتقاض الشيء عند فوات ركنه: أمرٌ ضروري، وذلك بالأكل والشرب والجماع.
سواء كان صورة ومعنى [=تناول المغذي]، أو صورة لا معنى [=تناول غير المغذي]، أو معنى لا صورة [=تناول المغذي من غير مدخله المعتاد]» انتهى من " بدائع الصنائع" (2/90).
وجاء قرار مجمع الفقه الإسلامي في ضابط المُفَطِّرات بما يلي: المُفَطِّرات في كتاب الله عز وجل وفي السنة الصحيحة ثلاثة هي: الأكل والشرب والجماع، فكل ما جاوز الحلق وكان ينطبق عليه اسم الأكل أو الشرب، كمًّا وكيفًا، يُعد مُفَطِّراً. انظر: قرار مجمع الفقه الإسلامي، مجلة المجمع (ع 10، ج2، ص 464).
وأما إدراج المغذي الداخل من غير منفذ الحلق في ضابط المُفَطِّرات:
فلأن الصائم إنما منع الأكل والشرب لأجل ما فيهما من الغذاء، فإذا وجد الغذاء بغير هذه الطريقة، فقد تحقق المقصود بهما، واختلاف طريق حصول الغذاء لا أثر له، وفارق طريق الحصول لا يؤثر في الحكم؛ لأنّ الشريعة مبنية على المعاني، فما تحقق فيه المعنى أخذ حكم نظيره. وهذا المعنى متقرر عند الأصوليين.
يقول الجويني رحمه الله:
ما علم قطعاً التحاقه بالمنصوص عليه، فلا حاجة فيه إلى استنباط معنىً من مَورد النص، وبيان وجود ذلك المعنى في المسكوت عنه؛ بل العقل يسبق إلى القضاء بالإلحاق، ويقدره بالمنصوص عليه انتهى من " البرهان في أصول الفقه" (2/516).
ثانيا:
في ضوء الضابط المذكور، يمكن النظر في المستجدات المعاصرة المتعلقة بمفسدات الصوم، بعد تصورها على الوجه الطبي الصحيح، لمعرفة أثرها على صحة الصوم أو فساده:
1. استخدام بخاخ الربو بنوعيه، الغازي والبودرة: لا يؤثر على صحة الصوم، حيث إنَّ الكمية التي يمكن وصولها إلى المعدة أقلّ بكثير من بقايا المضمضة والسواك المشروعتين للصائم. واستخدامه بواسطة القمع الهوائي يحدث اطمئناناً أكثر، حيث تصل كمية الدواء شبه كاملة إلى الرئتين عند استخدامه. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (630229).
2. جهاز النبيوليزر مُفَطِّر، لمفارقته البخاخ العادي في الكمية الداخلة، حيث إنّ الكمية الداخلة إلى المعدة كبيرة، وأكبر من القدر المعفو عنه. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (275630).
3. استخدام جهاز ضغط مجرى الهواء الإيجابي المستمر CPAP) في نهار رمضان، غيرَ مصحوبٍ بالترطيب المائي: لا يؤثر على صحة الصوم. وإن كان مصحوبا بالترطيب المائي، فإنه يؤثر على صحة الصوم. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (630229).
4. استخدام معجون الأسنان وغسول الفم: لا يفطر، إذا أمن الشخص وصوله إلى الحلق، وذلك أنَّ الفم له حكم الظاهر. غير أنه ينبغي اجتنابه أثناء الصوم، ما أمكن؛ احتياطا للعبادة، وتحرزا من أن يسبق شيء المعجون إلى الجوف عند الاستعمال، أو يبقى شيء منه في الفم، ثم يتحلل إلى الجوف. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتاوى (13619) (108014).
5. التقويم الشفاف (الذي يمكن لمستخدمه نزعه وتركيبه): يحتفظ بعد المضمضة ببعض قطرات الماء؛ لذا يجب إزالته حال المضمضة، أو بعدها، حال الصيام، وإفراغ الماء المتبقي فيه. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (432215).
6. استخدام منظار المعدة مفسد للصوم، بسبب ما يصاحب إدخاله من مادة دهنية مُزَلِجة ومُسهلة للإدخال، حيث تدخل من الفم، وتصل المعدة، ويتم امتصاص أكثرها هناك. كما يصاحب استخدام المنظار: الماء، أو مواد منظفة تزيل إفرازات المريء والمعدة لتتضح الرؤية، ويَعْلُق جزءٌ منها في المعدة. وهذا مما يدخل في عموم الأكل والشرب المنهي عنه للصائم.
وعلى ذلك؛ فالصائم الذي يحتاج لمنظار المعدة في نهار رمضان، ويشق عليه تأخيره إلى بعد الإفطار، فإنه يستخدمه ويقضي مكان ذلك اليوم، أما إذا لم يشق عليه تأخيره إلى الليل فيحرم عليه استخدامه أثناء النهار، لأنَّه مُفَطِّر. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (124205).
7. قطرات الأنف لا تفطر إن كانت قطرة واحدة لكل فتحة، وذلك أنَّ كمية القطرة ما بين واحد 0.5 - 1 مل، وجزء كبير منها يتم امتصاصه في الأنف والجيوب الأنفية، وما يمكن وصوله إلى الحلق يسير جداً، كما أنّه يُستهلك قبل وصوله إلى المعدة، ولو وصل المعدة منه شيء فهو أقل مما يصل من بقايا المضمضة. أما لو كانت أكثر فإنَّ الحكم يأخذ منحى آخر؛ لأنَّ الكمية ستكون أكثر من مقدار المعفو عنه، فتكون مؤثرة ومفطرة لحديث لقيط بن صبرة - رضي الله عنه – (وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا) رواه أبو داود (142) وصححه الالباني.
قال الجصاص رحمه الله: حديث لقيط بن صبرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: (بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما): فأمره بالمبالغة في الاستنشاق، ونهاه عنها لأجل الصوم، فدل ذلك على أن ما وصل بالاستنشاق إلى الحلق أو إلى الدماغ أنه يفطر؛ لولا ذلك لما كان لنهيه عنها لأجل الصوم معنى، مع أمره بها في غير الصوم انتهى من أحكام القرآن للجصاص ت قمحاوي (1/ 238). وينظر المفطرات الطبية المعاصرة دراسة فقهية طبية مقارنة (ص223-228).
ولمزيد فائدة ينظر في الموقع الفتوى رقم: (93531)، ورقم: (189448).
8. بخاخ الحساسية عن طريق الأنف لا يُفَطِّر؛ وذلك أنَّ البخاخ، إذا استعمل بطريقة صحيحة، والرقبة في وضع رأسي: فإنه يتم ضخه في جدار الأنف الداخلي، ولا يصل منه شيء إلى الجوف، كما أفاد بعض الأطباء. وإذا قدر أن شيئا منه نفذ من الأنف، فإن تجمع منه شيء يمكنه أن يخرجه من فمه، ويمجه: فعل. وإلا؛ فالكمية الواصلة إلى الحلق يسيرة جداً. ولو أجله إلى الليل، فهو أحسن. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (124202).
9. قطرات العين غير مُفَطَّرة، وذلك أنه لا يصح حديث في النهي عن اكتحال الصائم، فليس ثمة أصل يقاس عليه، كما أنَّ الكمية الواصلة من القناة الدمعية ضئيلة جداً، ويستحيل وصولها إلى المعدة، لكونها تستهلك في قبل وصولها الحلق. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (22199).
10. لبس العدسات اللاصقة لا يفطر الصائم، سواء كان لبسها مجرداً، أو صاحبه محاليل معقمة، لذات الأسباب المذكورة في قطرات العين. (65693).
11. قطرات الأذن غير مُفَطَّرة في حالتي كون الطبلة سليمة أو مثقوبة، أما في حالة كونها سليمة، فلعدم وجود منفذ إلى الجهاز الهضمي، وفي حالة كونها مثقوبة فلأنَّ القطرات لاتصل إلى المعدة، لكونها تستهلك أثناء مرورها إلى البلعوم، وعلى فرضية وصول شيء، فهو يُقَدَّر بأقل مما يصل من بقايا المضمضة والسواك. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (80208).
12.غسول الأذن غير مُفَطِّر، ما دامت الطبلة سليمة، كما هو المفترض في هذا الغسيل؛ لعدم وجود منفذ إلى الجهاز الهضمي. وينظر:" المفطرات الطبية المعاصرة (ص255). والأحوط أن يجتنب الصائم غسيل الأذن في النهار، ولا يحصل بتأخير الغسيل إلى الليل مشكلة، أو ضرر، في العادة. وينظر جواب السؤال رقم (406646).
13. استخدام الأقراص العلاجية تحت اللسان لا يؤثر على صحة الصوم، وذلك أنّ الفم له حكم الظاهر. وعليه أن يجتنب ما يتجمع في الفم من ذلك. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (124200).
14. الحقن العضلية غير مفسدة للصوم، ويكاد يكون إجماعاً للعلماء المعاصرين. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتاوى التالية: (8652) (250660) (49706).
15. الحقن الجلدية بنوعيها العلاجية والتجميلية غير مُفَطَّرة، وذلك أنها ليست أكلا ولا شرباً ولا تغني عنهما، ولا تصل إلى ما اعتبره الطب المعاصر جوفا مؤثراً في الصوم. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتاوى التالية: (8652) (250660) (49706).
16. الحقن الوريدية العلاجية غير مُفَطَّرة، لأنها ليست أكلاً ولا شرباً ولا في معناهما ولا صورتهما، وكمية المحلول الملحي أو السكري الموجود فيها لا يغني الجسم عن الأكل والشرب، ولا يمد الجسم بالطاقة، وإنما هو مساعد لدخول الدواء إلى الدم. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتاوى التالية: (8652) (250660) (49706).
17. الحقن الوريدية المغذية مُفَطِّرة، لأنها تقوم مقام الأكل والشرب في إمداد الجسم بالطاقة والمواد الحيوية اللازمة، ويستغني بها من يتناولها عن الطعام والشراب لفترات طويلة. فهي بمعنى الأكل والشرب. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (233663).
18. حَقْن الدم للصائم يفسد الصوم، لما يحتويه الدم من مواد حيوية، تغذي الجسم وتمده بالطاقة، فهو مما يقوم مقام الأكل والشرب، وهو نظير الحقن الوريدية المغذية، وإليه ذهب عدد من العلماء المعاصرين، منهم: الشيخ عبد العزيز بن باز. انظر: "مجموع فتاوى ابن باز" (15/275).
يقول الدكتور البار: الدم يمد الجسم بأكثر من الغذاء، ويحافظ على الجسم كله أكثر من الغذاء، حيث يوجد فيه السكر والبوتاسيوم والصوديوم، وفيه ما هو أهم من ذلك كله للدورة الدموية كلها، وهو أبلغ من الحقن الوريدية المغذية انظر: المفطرات الطبية المعاصرة (ص292). وينظر في الموقع: فتوى رقم (250660).
19. الغسيل الكلوي البريتوني في نهار رمضان مفسد للصوم، وذلك للأسباب الآتية:
·أنه يتم إدخال كمية كبيرة من السوائل (الماء، والأملاح، والمعادن والسكر)، بحيث تتفاعل مع الدم لمدة طويلة، ويتم انتقال هذه المواد إلى الدم، وهي كثيرة كما هو متقرر طبياً.
· أنّ هذه العملية تستمر لساعات طويلة ما بين 4 - 5 في الغسيل اليدوي، و 7 - 9 في الغسيل الآلي، مما يدل على أنّ كمية السكريات والأملاح الداخلة إلى الدم كبيرة، ويمكن استغناء الجسم بها عن الطعام لمدة من الزمن.
· أنّه إذا كان الغسيل البريتوني يمد الجسم بالمواد الحيوية من الأملاح والسكريات، فإن حكم الغسيل البريتوني هو حكم الحقن المغذية، من جهة إمداد الجسم بالكثير من السكريات والأملاح الكثير خلال عملية الغسيل، فهو لذلك: بمعنى الأكل والشرب. انظر: المفطرات الطبية المعاصرة (ص306). وينظر للفائدة: جواب السؤال رقم (49987).
20. الغسيل الكلوي الدموي مُفَطِّر، وذلك أنّ الدم العائد إلى البدن يعود محملاً بالسكريات والأملاح، ويتغذى بها الجسم، ولا فارق بين الأكل والشرب، وما يتغذى به البدن لتحقق المعنى في كل منهما. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (49987).
21. القسطرة القلبية غير مُفَطِّرة للأسباب الآتية:
· أنها عبارة عن مادة صلبة تدخل إلى الجسم عن طريق الجلد، فلا يصدق عليها أنها طعام أو شراب، وليس في معناهما.
·الدواء المصاحب للقسطرة لا يغني الصائم عن الطعام والشراب، ولا يقوم بتزويد الجسم بمواد يستطيع من خلالها القيام بالعمليات الحيوية أو توليد الطاقة، فهو ليس بمعنى الأكل والشرب قطعاً.
· أنّ الدواء يدخل من منفذ الجلد الذي هو منفذ غير معتاد للأكل والشرب، ولا يصل إلى ما اعتبره الفقهاء جوفاً.
وقد اتفق مجمع الفقه الإسلامي على أن القسطرة القلبية ليست مفسدة للصوم، وكذا الندوة الفقهية الطبية التابعة لمجمع الفقه الإسلامي حول التداوي» انظر: المفطرات الطبية المعاصرة دراسة فقهية طبية مقارنة (ص316).
22. الدهانات والمراهم والكريمات واللصقات العلاجية: لا تفسد الصوم. فقد ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية، والشافعية، والحنابلة) إلى أنَّ ما يدخل الجسم عن طريق الجلد امتصاصاً من المسام لا يُفَطِّر الصائم، ولو وجد طعمه في حلقه، كما أثبت الطب الحديث عدم وجود علاقة بين ما يدخل من مسام الرأس أو غيرها بالجهاز الهضمي، وما يجده الإنسان من طعم في حلقه، إنما هو من حلمات عصب التذوق، وليس لوصول المادة إلى الحلق. وقد اتفق أعضاء المجمع الفقهي على كون المراهم والكريمات واللصقات العلاجية غير مُفَطِّرة. المفطرات الطبية المعاصرة (ص329).
23. لصقة إزالة الشعور بالجوع والعطش غير مُفَطِّرة، واستخدامها الدائم يقلل من الاستفادة من حِكَم الصيام وفوائده. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (499515).
24. ما يدخل إلى المهبل أو الرحم من أجهزة فحص وتنظير، أو غسول، أو أدوية ومراهم للعلاج والتنظيف= كل ذلك لا يُفَطِّر ولا يفسد الصوم، لعدم وجود أي صلة بين المهبل والرحم، وبين الجهاز الهضمي. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى (66608).
25. ما يدخل الجهاز التناسلي، سواء إلى الإحليل أو المثانة للتشخيص أو العلاج بالأجهزة أو الأدوية أو غسول المثانة= كل ذلك لا يُفَطِّر الصائم، حيث تبين بالتشريح الطبي القطعي عدم وجود اتصال بين الجهاز البولي والجهاز الهضمي، كما أنّ ما يدخل من تلك الأشياء لا تغذي البدن، ولا تمده بالطاقة.
وهو قول الجمهور (الحنفية، والمالكية، والحنابلة)، فقد نصوا على عدم فساد الصوم بما يصل الإحليل أو المثانة من جامد أو مائع، وهو الذي قرره المجمع الفقهي، وكذلك أقرته الندوة الفقهية الطبية التابعة لمجمع الفقه الإسلامي حول التداوي. انظر: المفطرات الطبية المعاصرة (ص374).
26. ما يدخل عن طريق الشرج، من حقنة وتحاميل ومنظار ومراهم: هو من المفطرات، عند جمهور الفقهاء.
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه ذلك كله لا يفطر الصائم، وذلك أنّ ما يدخل عن طريق الشرج ليس أكلاً ولا شرباً ولا في معناهما، وأنّ ما يتم امتصاصه من بعضها ضئيل جدا لا يستغني به الجسم عن الأكل والشرب، ولا يمده بالطاقة والحيوية. وينظر تفصيل المسألة وأدلتها في الفتوى: (207701).
والله أعلم