الواجب على الداعية أن يُنزِّل الكلام على قدر عقول السامعين ويتجنب طرح الموضوعات التي تحدث إشكالا وإرباكا للحاضرين.
كيف يتصرف الداعية إذا طلب منه الحديث في مواضيع غير مناسبة للعامة؟
السؤال 623677
أنا طالب علم، تتم دعوتي في بعض المجالس الرمضانية التي يحضرها خليط من الناس، منهم المثقف الذي لديه خلفية في العلم الشرعي، وفيهم العوام، وأحيانا يطلب مني أن أتحدث في موضوعات قد تسبب تشويش عند العامة، فكيف أتصرف؟
ملخص الجواب
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا يخفى أن من أبرز ما يجب أن يتصف به الداعية إلى الله عز وجل الحكمة، وقد جاء الأمر بها صريحا في قوله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل/ 125.
والحكمة هي وضع الشيء في موضعه، ومن اتصف بالحكمة كُتب له القبول واستطاع التصرف ي مضايق الأمور (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) البقرة/269.
قال الهروي رحمه الله:
"الحكمة اسم لإحكام وضع الشيء في موضعه...، والدرجة الأولى أن تعطي كل شيء حقه، ولا تعديه حده، ولا تعجله وقته" انتهى من "منازل السائرين" (ص78).
قال ابن القيم، رحمه الله، في شرح ذلك الموضع:
"لمّا كانت الأشياء لها مراتب وحقوقٌ تقتضيها شرعًا وقدرًا، ولها حدودٌ ونهاياتٌ تصل إليها ولا تتعدّاها، ولها أوقاتٌ لا تتقدّم عنها ولا تتأخّر= كانت الحكمة مراعاة هذه الجهات الثّلاث: بأن يُعطي المرتبةَ حقَّها الذي أحقَّه الله لها بشرعه وقدره، ولا يتعدّى بها حدّها فيكون متعدِّيًا مخالفًا للحكمة، ولا يطلب تعجيلها عن وقتها فيخالف الحكمة، ولا تأخيرها عنه فيفوتها.
وهذا حكمٌ عامٌّ لجميع الأسباب مع مسبّباتها شرعًا وقدرًا، فإضاعتها تعطيلٌ للحكمة بمنزلة إضاعة البذر وسَقْي الأرض.
وتعدِّي الحقِّ: كسَقْيها فوقَ حاجتها، بحيث يغرق البذر والزّرع ويفسد.
وتعجيلها عن وقتها: كحصاده قبل إدراكه وكماله.
وكذلك تركُ الغذاء والشّراب واللِّباس إخلالٌ بالحكمة، وتعدِّي الحدِّ المحتاج إليه خروجٌ عنها أيضًا، وتعجيل ذلك قبل وقته إخلالٌ بها أو تأخيره عن وقته.
فالحكمة إذًا: فعلُ ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي.
والله تعالى أورث الحكمة آدمَ وبنيه. فالرّجل من له إرثٌ كاملٌ من أبيه، ونصفُ الرّجل ــ كالمرأة ــ له نصف ميراثٍ، والتّفاوت في ذلك لا يحصيه إلّا الله تعالى». انتهى، من «مدارج السالكين" (3/ 294 ط عطاءات العلم).
ثانياً:
في بعض المواطن ينبغي على الداعية تجنب الحديث مع العامة في بعض الموضوعات، لما قد يحدثه الحديث فيها من إشكال أو شبهة أو شك، إما لعدم استيعاب عقولهم، أو لعدم رسوخ الإيمان الذي يجعلهم يتقبلون بعض القضايا؛ لذا نهى السلف رضوان الله عليهم عن تحديث الناس بما لا يفقهونه أو ما يضعونه في غير مواضعه، قال علي رضي الله عنه: "حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟ " روا البخاري تعليقاً (127).
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
قوله: " بما يعرفون " أي : بما يمكن أن يعرفوه ، وتبلغه عقولهم ؛ حتى لا يفتنوا ...، ولهذا كان من الحكمة في الدعوة ألا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه ، بل تدعوهم رويداً ، رويداً ، حتى تستقر عقولهم ، وليس معنى " بما يعرفون " ، أي : بما يعرفون من قبل ؛ لأن الذي يعرفونه من قبل يكون التحديث به من تحصيل الحاصل .
قوله : " أتريدون أن يكذب الله ورسوله ؟! " الاستفهام للإنكار، أي: أتريدون إذا حدثتم الناس بما لا يعرفون أن يكذب الله ورسوله ، لأنك إذا قلت : قال الله ، وقال رسوله : كذا وكذا ، قالوا : هذا كذب ، إذا كانت عقولهم لا تبلغه ، وهم لا يكذِّبون الله ورسوله ، ولكن يكذبونك ، بحديث تنسبه إلى الله ، ورسوله ، فيكونون مكذِّبين لله ورسوله ، لا مباشرة ، ولكن بواسطة الناقل ...
ويستفاد من هذا الأثر : أهمية الحكمة في الدعوة إلى الله عز وجل ، وأنه يجب على الداعية أن ينظر في عقول المدعوين ، وينزِّل كلَّ إنسانٍ منزلته" انتهى من " مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (10/774).
وقال ابن مسعود رضي الله عنه:
"مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لََا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلََّّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً " رواه مسلم (5).
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: "لا يَكُونُ الرَّجُلُ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ حَتَّى يُمْسِكَ عَنْ بَعْضِ مَا سَمِعَ " رواه مسلم في المقدمة.
وقد ذكرت عائشة رضي الله عنها هذا المعنى حين بينت التدرج في نزول الوحي على قدر إيمان الناس وقوة تحملهم للأحكام حيث قالت:
"إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا" رواه البخاري (4707).
فإذا كان الأمر على ذلك، وطلب من الداعية أن يتحدث في مناسبة ما، حديثا مطلقا، لم يعين له موضوعه: فالواجب عليه أن يترفق بالحضور، ويختار من حديثه أحسنه، وأهنأه، وأنسبه للحاضرين، وأقربه إلى عقولهم، وقلوبهم، وأرجاه فائدة فيهم.
فإذا عين له "الموضوع" الذي يتحدث فيه، كصفات الله تعالى، مثلا، فبإمكانه أن يذكر شيئا من النصوص التي جاء فيه ذكر صفات الله جل جلاله، وما تدل المؤمن عليه من المعرفة بربه، والتعبد له بمقتضى ذلك.
وهكذا؛ في أي موضوع يختار له، بإمكانه أن يتكلم بـ"المجمل" العام الذي جاءت به النصوص، مما يلائم أفهامهم، وتظهر فائدته فيهم، وعائدته عليهم.
فإن لم يمكنه "تطويع" الموضوع المختار لما يناسب المقام، ولم يمكنه أيضا "تغييره": فيسعه السكوت والاعتذار، وليس كونه داعيا إلى الله مما يوجب عليه أن يتكلم في كل شيء، ولا في كل مقام، ولا عند كل أحد.
ولمزيد فائدة ينظر الفتاوى التالية في الموقع: (395824)، (101675)، (1703).
والله أعلم.
المصدر:
موقع الإسلام سؤال وجواب
هل انتفعت بهذه الإجابة؟